عشقت صعيدى بقلم أميرة السمدونى

الفصل 39

ارائكم مهمة جدا

أستأذن زوجى من والدته وأخيه منسحبا إلى غرفتى ،وأنا أصلى المغرب بخشوع أشكو فيه لله أوجاعى وأطلب منه العون والصبر، بهدوء تام غاص وليد فى مقعد جلدى ذو لون بنى مقارب للنسكافيه فى درجته ،تبدو عليه علامات من الإرهاق وكذلك التعب النفسى ،فالخطوط العريضة بجبينه تشكى ما يعانيه من كثرة التفكير والهم ، سلمت بإطمئنان وأنا أنزع غطاء رأسى غير منتبهة لوجوده ، إلى أن قال بجس نبض لمشاعرى صوبه :_
_ فات 3 شهور يا مهون ونخلص

رفعت حاجبى بدهشة لتصرفاته المتخبطة والعشوائية ولربما متزنة لكننى لا أفهم دوافعها :_
_ ليه قولت لهم أنى حامل يا وليد لما أنت مبتحبنيش ومش طايقنى..؟؟

أجاب ببساطة وكأن الرد للسيناريو كان مجهزا مسبقا:_
_ يعنى بشترى دماغى لحد ما نسافر القاهرة مش عاوز زن ولت وعجن ومشاكل على الفاضى

ثنيت السجادة متنهدة بعمق أسترد فيه كرامتى :_
_ والله خير ما عملت أنا كمان كرامتى متسمحليش أفضل مع واحد ظلمنى

ندت منه بسمة ساخرة،والادق واجمة على حال زوجته الأولى مستكملا وهو يشبك كفوفه ببعضهما :_
_ ها..؟، أمال كاملة تعمل أيه بعد السنين دى كلها قاعدة راسية فى بيت جوزها وهادية وطوعه أهى الدور والباقى عليكى

أخذت نفسا عميقا أعد من الواحد إلى العشرة ،قبل أن أقول بصوت قوى حاد:_
_ عمرى ما هبقى لك كاملة يا وليد فى ضعفها ولا حبها ولا حتى تسامحها ال خلاك مستهون بيها ومعملتهاش ألف حساب قبل ما تتجوز، وبعدين ال عملته معايا ميغفرلكش كون أنك متصارحنيش بظروفك من أول يوم وتحطنى تحت الأمر الواقع فده مش هيخلينى أقبل وإستسلم عموما كلها 4 شهور وتبقى لوحدك

لوى شفتيه بأسى أرى فيه لأول مرة شفافية وليد وإنكسارته الداخلية وصرعاته أستشف صدقه وصدق عبراته المترقرقة:_
_ ما أنا مش معصوم من الغلط يا إسراء ،غلطت وكدب عليكى بس فى حاجات تشفع لى ،وتخليكى متعاملنيش بالنشوفية دى والوش الخشب ال مصدراه طول الوقت

أشحت ببندقتاى المتلألأتين بعيدا ،لأضيف بلوم :_
_ أنت مغلطتش انت غشتنى ،خدعتنى ،الجوازة من أول يوم مبنية على وهم مفيش عمدان ليها تقويها ولا حتى مودة معاك تنفع ،لأنك شيطان يا وليد
هم من جلسه لتلتقط أنامله وجهى البيضاوى لتتقابل أعيننا فى مجابهة صعبة :_
_ أنا لو وحش أوى كده كنت طلقتك لما أمى طلبت منى فى المصيف لما عرفت الحقيقة،كنت رميتك فى الشارع وشكيت فيكى ساعة كاملة ومياه النار ، كنت قولت لحمدان على هند ومدافعتش عنها ، مكنتش أعاملك أنك أختى لحد اللحظة وأسيبك على راحتك ،فكرك كل ده بعمله ليه ،غاوى أحط رأسى فى مصايب ..؟، غاوى أخسر أمى وأعاند..؟

نفخت بإستياء أتذكر فيه تفضيله علينا كلما مر بموقف ،وكأن كفتها بهذا العالم أجمع ،فان كان بر الوالدين مطلوب ،فالعدل أيضا مطلوب أكثر:_
_ مشترتش خاطر حد فى حياتك قدها ،لو كانت ضرتى مكنتش تعمل لها ده كله أدق الخصوصيات ال بينا بتدخل فيها فين شخصيتك يا وليد

نكس رأسه بغموض وإبهام :_
_ يمكن قدام لو عرفتى الحقايق تعذرينى

صحت بحدة وإنفعال ،ألوح بكفى فى الفضاء كارهة لألغازه وعودته مجددا للأسرار إلى متى …..!!!!!! ،ربااااه ،ثم حاولت الإمساك :_
_ حقايق حقايق ،يعنى لسى مش واضح ولا صريح معايا

أستطردت بسيطرة أكبر على أعصابى ،فأنا مخطئة لإظهارى ولو جزء من مشاعر عقيمة له لن تدوم ،أخرها أربعة أشهر وسأنكوى ككاملة العمر بأكمله بحبه ،لا لن أقع فى شباكه ولو كلفنى الأمر حياتى

_ أردفت ببرود يراقبه هو بشغف منتظرا أن أعلن غيرتى ،ولعى به وبحاته وخصوصياته :_ودى طبعا حاجة ترجع لك لأنى مش مرتك بجد،دى فترة كده زى الحبس الإنفرادى لحد ما أطلع للدنيا وتنفصل عنى بهدوء تسمح بقى تقولى بتبرر لى وتدافع ليه ،مش أنت مبيهمكش رأى حد فيك وبتعمل ال فى دماغك و…!

لم يجب بل أجابت أنفاسه الساخنة ،يدنو منى ببطء ،تتحسس فيه كفوفه الخشنة شعرى الحريرى الأسود ،رعشة خفيفة أصابتنى ،فتحت فمى لأعترض،لأثور ،لأرفض أى عهد ووعد فالقبلة كما قالوا سابقا هى وعد وإلتزام بحياة جديدة تحمل طفلا فى ثناياها ،لكن حروف الأبجدية خانتنى وشجعته على فتح أزرار قميصه العلوى،وهو يسحبنى من يداى كطفلة صغيرة يدثرها بالغطاء فى أعماق صدره ،مقبلا كفها بحنو أندهشت له وهو يهمس بأذنى وأنا مصعوقة لسرعة الموقف :_
_ أنتى مرأتى وال أنا عاوزه هاخده وبمزاجك يا قطتى الناعمة الجميلة

قبل أن ينطق بحرف واحد أتى هادم اللذات هاتفه ،ليطالع الشاشة بإرتياب ،متجها إلى الشرفة بينما أنا أخبط بقدماى بقوة فى الأرض وغضب من نفسى ،فأنا بهذا الشكل أنتقم من نفسى وبشدة أن نجم عن تلك اللقاءات أطفال ،فلن أغادر هذا الكابوس أبدا،وضعت الحجاب بشكل عشوائى على شعرى لأسترق السمع لتلك المكالمة الهامة للغاية ،فصدمت حينما تناهى إلى سمعى المكالمة التالية:_

تسائل وليد بقلق :_
_الشغل ماشى تمام يا حاج ولا نقول يا دكتور عبد الكريم..؟

أجاب عبد الكريم بإرتياح :_
_الحمدلله يا ولدى،وأخواتك جودة وحمدان ورضوى عاملين أيه وحشونى أوى
إبتسم بعذوبة ورقة :_
_بيسلموا عليك وبيبوسوا رأسك يا أحلى أب ،بتاخد الدواء بإنتظام ولا مطنش ..؟

تنهد عبد الكريم بإمتعاض وحسرة :_
_ دواء أيه بقى وتفيد بإيه الصحة وولادى هاجرنى ومحدش بيعبرنى غيرك ، وأخوك جودة ال زارنى من سنة أخر مرة،وحمدان النمرود طالع بروا أمك أكيد معصياه عليا ،ورضوى أخبار دراستها أيه وحياتها ..؟

رد بسعادة لدعم أبيه لهم :_
_ مبسوطة جدا بحياتهاالجديدة لولا ربنا وتهديد حضرتك لماما أنك تظهر فى حياتنا ،كان زمان مصيرها زى كاملة

خبط عبد الكريم بكفه على جبينه وكأنه تذكر شيئا:_
_ أبب،بب خدتنى فى دوكة صحيح ،كنت هتسينى كاملة مرتك هتكمل علامها على أتفاقنا …؟

شردت عيونه فى الفضاء بحماس لتحقيق حلم زوجته عكرته والدته:_
_ أتفأجأت بيها قدام أمى بتفتح سيرة الموضوع سبقتنى ،وكالعادة طبعا الحاجة يامنة رافضة

علق عبد الكريم بجدية مغلفة بالحنان :_
_ خلاص يبقى تجيبها مع إسراء تونسونى ،ويترد لها ولو جزء بسيط من ال عملته فيها يا ابنى وأنا بنفسى ال هزاكر لها

نفخ وليد بإنزعاج :_
_ تانى يا بابا ،ما أنا قولت لك جوازى من إسراء حصل إزاى مكنتش عاوز أقهر كاملة ،بس أمى دبستنى ومكنش ينفع أصغرها قدام الناس

لامه عبد الكريم بعتاب لخضوعه :_
_ طول ما أنت بتسمع كلام أمك أتكد أنك هتخسر مش بس دنيتك لا وأخرتك الظلم ظلمات يوم القيامة يا وليد

أستند على حافة السور بيده ليضع وجهه قائلا:_
_ حاضر هقف جنبها وأساعدها،بس المشكلة الكبيرة فى سفرية القاهرة الست يامنة مش موافقة

ضحك الحاج عبد الكريم بشدة متذكرا أحداث الماضى البعيد:_
_ ولد عيب اختشى أنا بس ال أقول ست ،وبعدين هى لسه متعقدة من البندر من 30 سنة ههههههه

تابع وليد بأسف مسترجعا معاملة والدته الجافة معى :_
_ مبتطقش إسراء من أول يوم ،بتفكرها دايما بال حصل بينكم ،ألا صحيح يا حج أتعرفت على أمى إزاى ..؟

قبل أن يجيبه بحرف ،وضعت أناملى على كتف وليد من الخلف حتى إتسعت عيناه بذهول وأنا أسأله :_
_ بابا عايش …!، طنط يامنة عارفة …!
أغلق الهاتف بسرعة وهو يضع عطره القوى النفاذ العالق بيده على فمى لأصمت بينما الإبتسامة تزين محياى متذكرة المصيف ،حين كسرت الزجاجة وقضى إلى جوارى ليلة كاملة يضمدها بجذع كاد أن يصل للبكاء من فرط خوفه على :_
_ هوووووووووووش كاملة وأمى ونوارة ميعرفوش حاجة ،هفهمك بس لو طلع بره يا إسراء هيبقى أخر كلام بينا..!

أما فى غرفة رضوى ذات الرسومات الأنثوية الصارخة ، والنوافذ البحرية المريحة ،صعدت هند وفقا لإتفاقنا ،لتجد أغنية “رجعونى عنيك لأيامى ال راحوا ،علمونى أندم على الماضى وجراحه ، ال شوفته قبل ما تشوفك عنيا ،عمر ضايع يحسبوه إزاى علي،انت عمرى ال أبتدى بنورك صباحه “، أغنية كلاسيكية قديمة لكوكب الشرق مرتبطة لديها بذكرى الطفولة مع والدها ،طرقت أختى الباب لتأذن لها رضوى بالدلوف وهى تثنى القمصان ولبناطيل مكومة لتعيدهم إلى الخزينة المحببة لقلبها ،لتقول هند بمكر وهى تربع قدميها وتحتضن الوسادة برومانسية:_
_ الحب ده حاجة جميلة اوى بس نلاقى ال يقدر

ردت رضوى وهى ترص حاجيتها بنظام :_
_ حب من غير جواز يبقى كلام فاضى ولعب عيال

لوت هند شتفيها بإستنكار وهى تقول”أمال أيه حكاية أم شفايف زبادى بالفراولة ماشى وراكى لما اجيب أخرك” فتابعت بجدية:_
_ إزاى أتجوز واحد معرفوش على أمل انى هحبه مش يمكن مننسجمش..؟

أجابت رضوى بتصحيح يشوبه المزاح:_
_ ليه قدمتى الفال العفش الاول …؟، وبعدين الجواز زى البطيخة يا تطلع حمراء وحلوة يا …

أستكملت هند بلؤم البنات تستدرجها بطريقة غير مباشرة ،وتخاف عليها من مصير لبنى المجهول أيضا:_
_قرعة ههههههه،قولى لى يا رضوى محبتيش قبل كده..؟

سرحت فى الفضاء قليلا قبل أن تقول:_
_ القلب والمشاعر مش بأيدينا ،لكن تصرفاتنا ال فى أيدينا ،بإختصار مكسرتش حاجز الإعجاب

أستفسرت هند بحيرة :_
_ ولا حتى حد عاكسك قبل كده كلمة حلوة غمزتين ..؟

أردفت رضوى :_
_ كتير ال يسرى على البنات بيسرى على ،الفرق بقى فى رد الفعل

عقدت هند ما بين حاجبيها بعدم فهم:
_ يعنى ..؟”

أزالت رضوى اللبس بتوضيحها :_
_ فيه ال بتضحك وتتجاوب وفيه ال بتشتم وال 2 غلط

دافعت هند عن الأخرى بعجب:_
_ وال بتشتم غلط ليه ما هى بتصده أهو

ندت من رضوى بسمة متهكمة تستعيد فيها بطولات صديقتها الغرامية:_
_ عبيطة ،هى كده عملت له سعر ويبتدى بقى انا أسف وضميرى بيانبى ومبنمش الليل والاسطوانات المشروخة دى

غمزت لها هند بمشاكسة:_
_ أنتى خبرة بقى

أحمرت وجنيتها بشدة وحياء لتغير الموضوع:_
_ لا ما انا مبردش ،دى تجارب صحاباتى وناس قريبين منى ،قولى لى بقى يا هند لو مفهاش غتاتة وإساءة أدب بتحبى ياسين

تنهدت هندوإحباط كانت تحاول أن تنساه ،تخفيه من قلبها تماما لتقول ببحة صوت:_
_ كنت معجبة بيه وسيم ودمه خفيف ،فيه مواصفات تحلم بيها أى بنت ،بس محصلش نصيب

أعتذرت رضوى وقد شعرت بالإحراج :_
_ أسفة بجد ،بس الدبلة هيأت لى أنكم لسه بتتكلموا وفرحكم قريب

قالت هند بخفة تشوبها كل معانى الحزن ،الوجوم،السخط،الضيق :_
_ مفيش أسف، دى أقدار ومكتوبة

متذكرة أخر حديث هاتفى دار بينهم منذ شهرين

قال ياسين بحدة وصرامة:_
_ أسمعى بقى يا بنت الناس زى ما دخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف

شهقت بفزع وإضطراب:_
_ كان صدر منى حاجة وحشة لا سمح الله

أضاف بتأفف وإحساس بثقلها عليه :_
_ لا بس أنا مش مرتاح فى العلاقة دى ،أنتى عندية ومبتسمعيش الكلام ،وأنا مبحبش الست ال كده خصوصا أنك بتعاندى فى الغلط

علقت هند بعدم تصديق وعتب خفيف :_
_ كل ده عشان إسراء حكت لك على مياه النار وكاملة يعنى وبتقرص ودنى وانت قولت لى لا ،فيها أيه يعنى هى كانت من بقية عيلتك..؟

أضاف ياسين بجدية يشعر فيها بنقص رجولته وكذلك عدم مراجعتها لنفسها:_
_ فيها أنك مبتكبريش بيا ،مبتراجعيش نفسك وده مش أول موقف ،قولت لك متمشيش مع الزفتة ال اسمها لبنى وبردو روحتى لها وخلتنى اكدب على أهلك علشانك وفى الاخر تتطلعى بتتصرمحى فى عيد ميلاد واحدة شمال حفلة خالتها كانت عليكى

أخذت نفسا عميقا قبل أن تقول:_
_ ومحدش لمسنى وصاغ سليم ،مكبر الأمور ليه بقى

أتسعت عينيه من تصغيرها وتهمشيها له مستكملا بعناد:_
_ عشان هى كبيرة يا هند ،ربنا ستر المرة دى لكن مش كل مرة تسلم الجرة

كمشت وجهها بقرف لتنهره بعصبية :_
_ ياسين بقولك أيه مبحبش السيطرة والتحكمات دى بكرهها،أنا ان كنت تنازلت ووافقت أتجوز واحد زيك خريج تجارة وأنا بكرة لما النتيجة تظهر هبقى مذيعة فده عشان أخلص من قرف اهلى مش عشان أنت المنقرض بسلامته ال مفيش منه اتنين

ياسين بحزم :_
_ وأنا مقبلش تيجى على نفسك،من اللحظة دى يا هند أنا بنسبة لك ماضى وعدى بكرة تتندمى وتيجى لى تحت رجلى ومش هسامحك

قالت هند بإستهجان وهى تغلق الخط:_
_ لا ده أنت طموح أوى ،عموما السكة ال تودى فى ستين داهية

باك

ربتت رضوى على كتفها بمواسةتجذبها من ذكرياتها الأليمة لتقول هند:_
_المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين.

بينما دخل عليهما عمر بعد دقات خفيفة بوجه شاحب وعيون ذابلة مصدومة لتسأله هند بإالحاح عن السبب فكانت النكبة بنتيجتها
50 % بالإضافة إلى رسوب فى مادتين …!

ما أن سمعت الخبر حتى فقدت وعيها تماما وسط إستغاثة عمر ورضوى وهلع الجميع للأعلى

 

error: