روايات عربية

رواية ” أنت مكافأتي”

بقلم دفنا عمر

جميع الحقوق محفوظة للكاتبة

مقدمة

حين نُخطىء ثم نندم ونتوب! ..
ونُبتلى، فنصبر برضا!
وتختبرنا الحياة بدروسها القاسية
وننجح في الأختبار.. !!
وحين نصنع بلاءا حسنا في أي شيء
حتما نستحق مكافأة!
فكيف الأمر إن كافأتنا الذات الإلهية بعظمة عطاياها!

الفصل الأول


_خلاص يا بيسان .. حكايتنا انتهت!

_ مش بمزاجك تنهي كل حاجة بنا في لحظة!

ثم ملأت فراغ أصابعه وعانقته بأصابعها المرتجفة
وهتفت بصوت تخنقه العبرات :

أنا لسة متمسكة بيك يا معاذ .. ماتضحيش بحبنا و تتخلى عني،احنا ممكن نعيش مبسوطين من غير ما……………..

بترت حديثها الأقرب إلى التوسل، وهو يقاطعها ببرود لا يعكس أمامها وجع قلبه، ولسانه يعافر لنطق كلمتين هما بالنسبة له ، گحكم إعدام لروحه وحياته!

كلمتين أنطلاقا من شفتيه إليها گ سهمين إنغرزا بقلبها، وهو يلفظهما بثبات ظاهري :

أنتِ طالق!

أتعرفون شعور السقوط من فوق جبل شاهق على غِرَّة، دون أي أستعداد للإنزلاق المفاجئ من أعلاه؟!

لم أتصور بيوم  أن جبل سعادتي الذي أرتقيت درجاته حتى وصلت معه للقمة، أن ينهار فأهوى وأنحدر من عليائه، لأصطدم بأرض فراقنا الصلبة القاسية، وأعيش هذا الألم المهلك!!

أنتِ طالق!

هل لفظها مرة واحدة؟! أم هو صداها الذي يتكرر بقسوة، بعمق ذاتي مرات ومرات كل ليلة!

ذبحني بسيف كلمتيه …  وانتهت قصتنا بحكمٍ منه لم يُقبل فيه استِئناف أو تَظلُم !

_بيسان…  يلا ياحبيبتي العشا جاهز من بدري .

فاقت من شرودها على صوت والدتها التي عبرت لتوها غرفتها ..فأستدارت بكلتيها لها، وابتسمت ابتسامة زائفة، حتى تُخفي عبوس وجهها، إشفاقًا على تلك الغالية من الضيق لأجلها :

_حاضر يا ماما ، هقفل الشباك وهحصلك!!
غادرت الأم ، وراحت بيسان تجذب ضلفتي نافذتها المفتوحة ، وعقلها يطرح تساؤلاته:

هل يمكن أن يعودا يومًا، متشابكين الأيدي،متجاوزين عن كل ما مضى؟
أم أُسدلَ الستار على قصتهما، وطغى غروب فراقهما على حياتهما معًا، ولم يعد هناك أمل أن تُشرِقَ شمس عودتهما ثانيًا ؟!
ظل السؤال معلق دون إجابة شافية ، كحياتها تمامًا، معلقةً بين ماضيٍ أسعدها معه ، وحاضر لا تحيا فيه سوى التعاسة بدونه!
……………………………

عذراً.. أثقلتُ عليكم، دون أن نتعارف!

أنا بيسان 26 عامًا، مطلقة منذ عام كامل بعد زواج، دام ثلاث سنوات ، حاصلة على بكالوريوس تمريض نظرًا لعشقي لتلك المهنة، تخصصت بقسم صحة الأم وحديثي الولادة .. واعمل حاليًا أخصائية تمريض، بقسم النساء والتوليد بمشفى معروف ..
ربما تملكَكُم الفضول لمعرفة كيف تبدو هيئتي،ولن أبخل على خيالكم بالتفاصيل ..

أنا أمتلك قواماً معقولا وقامة متوسطة بوجه أبيض وأنف صغير، وغمازات غائرة بوجنتي، يبرز جمالهما أكثر حين ابتسم أو أضحك، وكثيرًا ما مُدحت من أصدقائي على ابتسامتي الجذابة تلك ..  كما أتزين بشعر  أسود وقصير بلون عيناي الواسعة باهدابٍ طويلة ..!
اعيش بحالٍ ميسور ، حيث ترك أبي رحمه الله عليه ما يكفينا شر الحاجة ، أنا وشقيقتي الصغرى أروى ووالدتي بارك الله في عمرها .. حياتنا ليس بها تعقيدات أو عقبات، ولولا أنفصالي عن زوجي، لكنت أتغزل لكم بجمال الحياة وأغرقت حروفي بسعادة ورضا، ولكن سامحوني لن أفعل، فهل ستسامحوني أنتم إن كذبت؟!..
على كل حال سيرتوي فضولكم لمعرفة الكثير بالسطور القادمة فقط تتبعوا قصتي!


صباح يومًا جديد!

الأم عائشه : يلا يابيسان روحي صحي القتيلة اللي جوة دي خليها تلحق مدرستها..  بدال ماتتأخر زي كل يوم ، وتجري على السلم وتخبط في الرايح والجاي..

تثائبت بكسل وهي تمسح على وجهها بكفيها :

حاضر يا ماما هغسل وشي و افوق وادخل اصحيها ..

أبتسمت الأم عائشة وهي تشاهد ترنح ابنتها من أثر النوم.. ثم تنهدت بحزن..  منذ طلاقها، والهم يسكنها، لم  تتصور أبدا أنتهاء زواجها بتلك السرعة.. ولكن لا سلطان لنا علي اقدارنا ..
…………………
الحاجة عائشة،  ٤٨ عاماً ، تزوجت بعمر ٢٢ عام، من زوجها سالم رحمه الله .. كان يكبرها بسبع سنوات، حملت في بيسان بأول شهر لزواجهما ، وظلت تسع سنوات تحاول الانجاب ثانيا ، إلي أن أكرمها الله بأروى ، بهجة البيت وحبيبة قلبها.

رحل زوجها منذ خمسة أعوام ، تاركًا لهم بناية مساحتها معقولة، بخمسة طوابق ..وكل طابق شقتين ، تقطن هي وابنتيها بالطابق الرابع ، بعد اندماج الشقتين معاً، وقامت بتأجير باقي البناية. بجانب معاش حكومي لها ولزوجها من وظيفتهما بإحدي المدارس التي عملا بها، هي بالقسم الاداري منها أما هو كان يدرس اللغة العربية  .
…………………………

اروي وهي تهرول متجهة لباب المنزل تأهبا للخروج:

خلاص يا مامتي ، هفطر مع رغد ..وعلى فكرة عندي درس بعد المدرسة وهتأخر شوية..

الأم عائشة : طب خدي بالك على نفسك، ومجرد ما درسك يخلص، تيجي بسرعة من غير تأخير ..
.
أروى قبل أن تغلق الباب: حاضر ياشوشو .

حدثت نفسها وهي تلتهم الدرج بقدميها :

البت رغد هتتخانق معايا و تقولي أخرتيني على المدرسة..
واثناء هبوطها المسرع  على الدرج الرخامي قابلها جارهم  الحج جلال ، الذي قال مشاكساً لها:
براحة ياغزال  لا يقوم زلزال..!

أروى:  لاحظ ان كلامك جارح يا عمو جلال!

ماذا افعل للجميع ، يشعروني أني ازن مائة كيلو!
أكثير علي ابنه 17 عاما أن تكون ممتلئة قليلا؟!

انا فقط جسدي فائر كما يقولون.، وطويلة ، يتخطى طول قامتي شقيقتي الكبرى بيسان، لقد عرِفتُموها منذ قليل.. أدرس بالصف الثاني الثانوي ..
تختلف ملامحي عن  بيسان ، فأنا قمحية، وبعينان عسلية مرسومة كعين القطة.. هكذا تشبهني أمي ،
وشعري طويل وبني بخصلات صفراء تثير غيرة صديقتي رغد البدينة بعض الشيء، ألم تعلمون كيف هي  ……………………

رغد : ما لسة بدري يا برنسيسة!!

عذرًا ها هي صديقتي توبخني گ كل صباح لتأخيري ، سنكمل حديثنا فيما بعد ..

فمازلنا في البداية أعزائي..!!


بيسان : عايزة حاجة يا ماما قبل ما أنزل ؟
الأم عائشة : عايزة سلامتك يابنتي، ربنا يحفظك انتي واختك.. !
بيسان وهي تقبل رأس والدتها بحنان :

وربنا ما يحرمنا منگ يا ماما،  طول ما انتي راضية عننا هنكون بخير..

استقلت بيسان أحدى سيارات الأجرة لتلحق عملها بالمشفى ، وجلست تطالع عبر نافذة السيارة معالم الطريق، فأخذها الشرود بطياته ، وتذكرت تفاصيل انفصالها عن زوجها معاذ .. تذكرت كيف كانت سعيدة مستقرة ..وكيف اصبحت الآن دونه !

مازالت تعمل معه بنفس المشفى ، تقابله وتحتگ به كثيرًا بحكم عمله گ طبيب نسا وتوليد، وتخصصها هي بتمريض ومتابعة تلگ الحالات جواره ..لا تكف عيناها عن إرسال عتابها ولومها الصامت له كلما صادفته!
هو يريدها ببساطة أن تقترن بغيره، وكأنها بلا مشاعر ،وكأن باستطاعتها النسيان ،ألا يعلم هذا الأحمق انها مازالت تحبه، ولن تنتمي لشخصٍ ٱخر مهما طال بها العمر !
ستعيش بوحدتها راضية ..إن لم يكن هو رفيقها..!!
…………………

انا عايز فلوس !!

الحاجة شمس:  يابني حرام عليك، أنت بتودي  فلوسگ فين ، اعمل حساب الزمن يا بهاء ، حرام تضيع فلوسك على اصحابك الفاسدين ، اللي بيستغلوك ويضحكوا عليك عشان تصرف عليهم..

أنتفض بهاء واقفًا من جلسته، قائلا بصوت جهوري :

بقولك أيه مش كل مرة اطلب فلوس تسمعيني الموشح ده ، انا باخد من فلوس ابويا وخيره، أما ابقي أخد من جيبك أبقي أتكلمي براحتك ، وأصحابي مش فاسدين ، وأنا عارف مصلحتي كويس..

ثم مد يده ملوحًا لها بفظاظة  :
هاتي فلوس خليني اغور من النكد بتاع كل يوم ده…

أخذ  النقود، ثم تركها تنعي حظها العاثر بذلك الأبن
الوحيد الفاشل العاصي.. بهاء ذو ٢٣ عام ، لم يتفوق بدراسته ، ولم يحصل سوى على دبلوم صناعي، أعقبه بسنتين معهد فني وتخصص بشعبة الكهرباء.. لا يعمل بها ، رغم اتقانه لإصلاح الأجهزةِ التالفة بالفعل ولكن لما يُجهد نفسه بتلك المهنة، وهو المدلل المرفه والنقود متوفرة لديه بكثرة!
حيث معاش أبيه ووالدته الجيد ، بالإضافة إلي قطعة الارضِ التي ورثها عن أبيه ويرعاها له زوج عمته خديجة، بجانب أرضه وأرض عمته أيضًا.. فيصله إيراد محصولها السنوي دون أي مجهود يبذل منه..

………………………
طوت أم بهاء سجادة الصلاة ووضعتها جانبًا،وهي تختمُ صلاتِها بالتسبيح والحمد والتكبير على عُقل أصابعها.. وما أن انتهت، حتى التقطت صورة زوجها الراحل الموضوعة جانب فراشها ..وترقرقت مقلتيها لكثرة اشتياقها له ، أفتقدت طعم الحياة برحيله، منذ أكثر من ثلاث أعوام..
مسحت دموعها التي تشوش أمامها الرؤية..
ثم غمغمت محدثة صورة زوجها :

وحشتني أوي يا حسن !
ماكنتش اعرف إنك هتسبني بالسرعة دي، وعدتني ماتفارقنيش، وعدتني تكون سندي بعد ربنا في الدنيا ، ياما كنت بدعي إن يومي يكون قبل يومك، بس حكمة ربنا إنك تسبقني وتسيبني لوحدي..  كنت فاكرة بهاء هيعوصني ويكون أبن بار بيا، بس للأسف ،  أتغير اوي ياحسن ، بقا قاسي عليا ومش بيهتم بنصايحي ولا يقعد معايا ولا بتجمعنا لقمة واحدة ، كأني عدوته مش أمه !!
أنا اللي تعبت فيه، و فضلت ليالي ادعي يرزقني بيه!

سكتت تلتقط أنفاسها وتكفكف دموع ألهبت ملوحتها عيناها.. وأكملت حديثها الباكي لصورة زوجها :

فاكر ياحسن أول جوازنا ، أما كل الدكاترة قالولي مستحيل اخلف أبدا، حتى طفل الأنابيب وقتها كان مستحيل مع حالتي..  ونصحوني ما حاولش ولا أسعى لأنه مستحيل أحمل زي اي ست ، بس انا وانت ما يأسناش من رحمة ربنا..  كنا بندعي كتير اوي ونستغفر .. ومر بينا العمر ،وبقا عندي 34 سنه .. رضينا بحكمته وقلنا خير ، ونسينا وعيشنا حياتنا مُحتسبين امرنا لله
لحد ما اكتشف في يوم ، حملي بالصدفة لما دوخت فجأة وحسيت بنزيف، ووقعت في الطريق، وقتها كنت شايلة لوازم للبيت تقيلة عليا، نقلوني المشفي وعرفوا الدكاترة بحملي!..  جالي حالة ذهول وعدم. تصديق وأنا بقولهم مستحيل!
بس اللي افتكرته مستحيل حصل .. وحملت!

ثم ضحكت هاتفة من بين بكائها :

من الفرحة فضلت اعيط بهستريا واكبر بالله  والدكتور مستغرب رد فعلي ، واتصلو بيك ، وأنت جيت واما عرفت، كان رد فعلك انك سجدت شكر لله وبكيت كتير ..لدرجة الدكتور أتأثر وعيونه دمعت.. ومرت الأيام وعدى حملي الصعب وانت بتخدمني وفرحان ..وأول ما ولدت وشوفت ازاي أبننا اتولد جميل ووشه جميل ومنور وطلته بهيه..قلت من غير ما احس….  بهاء… !
وانت حبيت الاسم وقلت  “بهاء حسن الطوخي ”

بس فرحتنا بيه خلتنا دلعناه بزيادة.. لدرجة بقا يعمل تصرفات غلط كتير ، فحسيت أننا هنخسره ، بقيت أقسى عليه، مش كل طلب يطلبه أنفذه.، حاربتك أنت شخصيًا وأنا بحاول اعمل منه راجل شديد يكون عون ليك وليا لما نكبر !

وعند تلك النقطة لم تعد تتمالك نفسها ، فبكت بحرقة قائلة:

كان نفسي يفهم  إن خوفي عليه ومحاولتي لتحسين سلوكه مش قسوة أو كره مني .. كان نفسي يعرف إني بحبه أكتر من روحي .
ثم بسطت كفها على صدرها متسائلة :

انا هاكره ابني الوحيد وحتة من قلبي ؟!..
أبني اللي مابتمناش غيره يشلني في شبتي وعجزي .. انا كل املي ينصلح حاله ، ويعرف ازاي يشيل مسؤولية ، بس للأسف طلع أناني ياحسن .. فاكرني مستخسرة فيه الفلوس، وأنا بس عايزاه يعمل حساب الزمن ، ويبعد عن أصحاب السوء اللي فسدوه أكتر وأكتر…

مسحت دموعها مرة أخيرة قائله :

بس أنا مش هيأس  يا حسن ، هفضل ادعيله ينصلح حاله ويهديله نفسه العاصية، وربنا مش هيخذلني ابدا ولا يكسف ايدي المرفوعة في كل صلاة ..

وصمتت تشاهد انعكاس صورتها علي زجاج الصورة ، ثم التمع بعيناها بريق غامض قائلة :

بس يارب يفوق قبل فوات الآوان !

………………………

خالتك سامية جاية عندنا بكرة هي و صفا بنت خالتك ..وعايزاك تبقي موجود يا معاذ..

معاذ وهو يستمع لوالدته  اثناء تناولهما الغداء :

والله على حسب شغلي يا امي..  وعموما سليم بيجي بدري من شغله..  وهيستقبلهم معاكي ..

ام معاذ : لا يا معاذ ، انت لازم تكون موجود..

اجاب معاذ المدرك لغرض والدته :

شوفي يا امي ، بدون لف ولا دوران ، اللي في دماغك عمره ما هيحصل ، صفا بنت خالتي، وهتفضل كدة

ام معاذ:  انت ليه عايز تعصاني وتتعب قلبي، حرام عليك يا معاذ ، انا مابنامش من التفكير والحزن عليك يابني، لأمتي هتفضل كدة!!
سنة عدت وأنت منفصل عن بيسان ، وكل يوم اقول هينسى ويبتدي حياته ، لكن انت لسه عايش على أطلال حبها ، طب سبتها ليه ؟! هي بنفسها اتمسكت بيك ، وقالت وراضية بظروفك وهتكمل حياتها معاك ..

معاذ :  وعشان هي قالت كده ، استغل انا بقى الموقف لصالحي، ترضيها ليا لو كنت مكانها يا امي؟!

ام معاذ:  طيب واديك مارضيتش وانفصلتوا..!
شوف حياتك زي ما هي في يوم هتشوف حياتها
صفا بنت خالتك، ارمله وماهتصدق تتقدم ليها ، اكتر واحدة تناسب ظروفك دلوقت يا بني
ليه مش موافق؟  هتعيش راهب يعني !!

معاذ وهو يقف ملتقط سلسال مفاتيحه استعدادا المغادرة :

هعيش لشغلي ورسالتي كطبيب ، مش كل حاجة في الدنيا الجواز ، في حاجات تانيه تستاهل نعيش علشانها يا امي..

معاذ 32 عام، يعمل طبيب نساء وتوليد.. يعشق مهنته ويتقنها بشكل كبير ، يمتاز بقامة متوسطة وجسدا متناسق ، يرتدي عوينات طبية ، يمتلك وجهاً رجوليا بلون قمحي وعينان سوداء وحاجبين كثيفين ، وشعرا أسود وأنف مستقيمة ،، ملامحه عادية وربما تشبه وجوه كثيرة نصادفها، ولكن شخصيته قطعًا تختلف كل الاختلاف.. !!

1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32الصفحة التالية
الوسوم