رواية عزلاء أمام سطوة ماله للكاتبة مريم غريب

( 58 )

_ خيبة أمل ! _

في إحدي المقاهي المطلة علي البحر … تجلس “سمر” هي و “ملك” إلي طاولة صغيرة في إنتظار قدوم أخيها

لقد حرصت علي ملاقاته في مكان عام حتي تجبره علي إلتزام الهدوء ، رغم أنها تعلم أن ذلك لا يهمه في جميع الأحوال

لكنها تعلم أيضا أنه شقيقها أولا و أخيرا ، تعلم أنه سيأتي و هو لا يضمر لها أي شر ، تعلم أنه لن يؤذها أبدا .. لأنها أخته من لحمه و دمه و هو يعرفها جيدا و دائما يثق بها

فقط ما حدث خلال الفترة الأخيرة كان من شأنه هدم علاقتهما الأخوية الطيبة ، و لهذا السبب هي هنا الآن ، تچلس و تنتظره لتشرح له كل شئ

لتقول له أن ما من أحد علي وجه هذه الأرض يغنيها عنه ، هو الأهم بالنسبة لها ، هو إختصار كل شئ تحيا به و من أجله …

كانت الشمس تتوهج مشعة و قرصها يتوسط السماء ، عندما ظهر “فادي” من بعيد

تعلقت أنظار “سمر” به فورا ، بينما تسمر “فادي” بمكانه كالتمثال عندما رأها ..

كانت عيناه غائرتان و تحيط بهما هالات بنفسجية اللون ، و كما قالت لها “زينب” لحيته نمت بشكل ملحوظ جدا ، و شعره مبعثر في كل الإتجهات

بإختصار حالته يرثي لها ..

لاح علي ثغره طيف إبتسامة ساخرة و هو يمشي صوبها بثبات ، ألمتها نظرته إليها و لم تحاول إخفاء العذاب في عينيها … جلس “فادي” قبالتها دون أن يفه بحرف

شعر أن نظراته تزعجها فأكثر منها ، و مد يديه نحو “ملك” منتظرا أن تعطيه إياها

تنهدت “سمر” بحرارة و ناولته الصغيرة عبر الطاولة … قبلها “فادي” و ضمها بشوق لدقيقة كاملة ، ثم أجلسها علي قدمه و راح يمسح علي شعرها بحنان ..

طال الأمر و لم تعد تطيق “سمر” صبرا ، ليخرج صوتها مبحوحا متقطعا :

-فادي !

لم يرد عليها و لم يرفع وجهه حتي ، تجاهلها كليا و واصل الإهتمام بأخته الصغيرة ..

سمر بصوت كالأنين :

-فادي .أرجوك . ماتعملش فيا كده
رد عليا أرجووك !

و هنا نظر لها .. ثم قال بعد صمت :

-عايزاني أرد أقولك إيه ؟! .. كان صوته قاس

سمر بنبرة معذبة :

-رد . قولي أي حاجة .. إللي علي بالك قوله بس ماتسكتش كده.

فادي بسخرية مريرة :

-خليني ساكت كده أحسن . لو إتكلمت مش هيبقي في مصلحتك و الجرح هيتفتح من تاني و هينزف أكتر و مش هقدر أمسك نفسي
أنا عامل حساب لبابا و ماما بس . لولا هما كنت قتلتك بإيديا و إرتحت و مشيت و أنا رافع راسي و و لا ميت عثمان البحيري بتاعك ده كان حاشني عنك . إوعي تكوني فاكرة إنه حاميكي مني . لو كنت عايز أقسم بالله كنت قتلتك و في يومها يا سمر.

تقلص وجهها بألم شديد أمام هذا التأكيد ، بينما أكمل هو بعدم إهتمام :

-أنا وافقت أجي دلوقتي عشان ملك بس . كانت وحشاني و نفسي أشوفها.

-و أنا ! .. همست “سمر” بمرارة

-أنا ماوحشتكش يا فادي ؟

فادي بقسوة :

-لأ . و مش عايز أشوفك تاني أبدا.

سمر بدموع :

-حرام عليك . أنا أختك و ماليش غيرك.

قطب “فادي” حاجباه و رد بإستنكار :

-أختي ؟ هي فين أختي دي ؟ أختي غابت عني . أختي ماتت . ماتت لحظة ما وافقت تبيع نفسها و شرفها
أنا نفسي أفهم . قلبك طاوعك إزاي ؟ قدرتي تعملي كده إزآاااي ؟ أنا كل يوم بسأل نفسي السؤال ده و مش قادر أوصل لإجابة !!!

سمر بصوت ممزق من البكاء :

-قلبي طاوعني و قدرت أعمل كده عشانكوا . إنت و ملك أغلي عندي من نفسي ماليش غيركوا في الدنيا . و علي إيدك ماكناش نملك أي حاجة و ملك كانت هتموت مننا
ضحيت بنفسي عشان هي تعيش . ماكنتش عايزة حاجة أصلا و لا ةنت حطة جواز و لا إرتباط في دماغي . بس لما ظهر البني آدم ده في حياتي و قدملي الحل لكل الأزمات بشرط أسلمه نفسي .. قولتله لأ في الأول . سيبته و مشيت
بس لما شوفت حالتنا و لما كل الأبواب إتقفلت في وشي . ضعفت و رجعتله .. و إختتق صوتها في العبارة الأخيرة

فادي بغضب :

-و كانت فين كرامتك ؟ كان فين حيائك ؟ منظرك كان عامل إزاي قدام نفسك و إنتي رايحله و عارفة إنك هتعملي كل إللي هيطلبه منك ؟ هان عليكي شرفك ترخصيه كده ؟ تفرفي إيه إنتي دلوقتي عن أي واحدة بتقف في الشوارع بالليل عشان تستلقط الزبون إللي هيدفعلها أكتر ؟!

-بــــس بـــــــس ! .. غمغمت “سمر” بحرقة و هي تسد أذنيها بيداها لكي لا تسمع ما يقوله

رمقها بخيبة أمل شديدة ، لتقول و هي تنشج و تغص بصوتها :

-أنا أقدر أستحمل الكلام ده من كل الناس . لكن إنت لأ
إنت ماينفعش تقولي كده.

فادي بسخرية :

-ما أنا بردو من الناس . زيي زيهم لو كنت شوفت واحدة زيك عملت إللي إنتي عملتيه كنت هضم صوتي لصوتهم . الحقيقة مش بتداري.

سمر بإنكسار :

-بس إنت أخويا . لازم تحميني و تخاف عليا مش حد تاني . دلوقتي كرامتك بقت محفوظة أنا متجوزة !

فادي بغضب شديد :

-جواز إيه إللي بتتكلمي عنه ؟ إنتي مصدقة نفسك ؟ ده أنا لحد إنهاردة بمشي موطي راسي في الأرض . أنا إللي كنت بحط صباعي في عين التخين عيني بقت مكسورة دلوقتي . أي حد لو جه شتمني أو سمعني كلام و×× و لا هقدر أرد و لا أعمل حاجة . ماليش عين . راسي بقت في الطين خلاص و كله بسببك . و أنا بعدي في كل حتة بسمع كلام الناس بودني ببقي بتمني الأرض تتشق و تبلعني .. يا ريتني كنت مت يا سمر قبل الفضيحة دي . علي الأقل الناس كانوا هيقولوا أخوها مات و ليها حق تعمل أكتر من كده.

كرهت “سمر” نفسها أكثر بكثير الآن و ردت ببكاء :

-بعد الشر عليك يا حبيبي . يا ريتني أنا إللي كنت مت قبل ما أشوفك أو أسمع منك كل الكلام ده.

فادي بصوت مجروح :

-يا ريت . يا ريتك كنتي موتي و ريحتيني !

إعتصر اللظي قلبها ، لتخفض رأسها و تجهش بالبكاء أكثر ..

-عموما أنا مابقاش ليا قعاد هنا .. قالها “فادي” بجمود ، لتعاود “سمر” النظر إليه فورا و تسأله :

-قصدك إيه ؟ هتروح فين ؟؟؟

-شغلي في البحر الأحمر . هستقر هناك قريب لما ألاقي مكان مناسب .. ثم قال بصرامة :

-هاخد ملك معايا . إعملي حسابك علي كده في أي وقت.

إنتفضت “سمر” بذعر و قالت :

-تاخد ملك إزاي ؟ لأ .. مش هديهالك . ده أنا عملت كل ده عشانها . ملك دي بنتي مش أختي محدش يقدر ياخدها مني.

فادي بصرامة أشد :

-و أنا إستحالة أسيبهالك يا سمر . إستحالة أسيبك تربيها و تطلعيها زيك . مش هسمحلك تبوظيها زي ما عملتي مع نفسك . أنا إللي هربيها أنا إللي هعلمها إزاي تحافظ علي نفسها و تتمسك بأخلاقها و ماتقبلش بالغلط حتي لو سيف إتحط علي رقبتها.

قامت “سمر” من مكانها و مشت ناحيته و أخذت منه “ملك” ثم قالت و قد غدت نبرتها عدائية الآن :

-ملك بتاعتي أنا يا فادي . مش هتاخدها و تبعدها عني . لازم أموت بجد عشان تعمل كده.

إبتسم “فادي” بإستهزاء ، و نهض هو الأخر و قال ببرود :

-أنا ضيعت معاكي وقت كتير في كلام مالوش لازمة . بس أخر كلمتين هما إللي جيت مخصوص عشان أسمعهملك . ملك هتيجي معايا البحر الأحمر حتي لو دخلتي أبو الرجال بتاعك في الموضوع .. بردو هاخدها و محدش هيقدر يمنعني.

ثم إنحني قليلا ليقبل رأس “ملك” و بعدها ذهب ، بينما وقفت “سمر” تحدق في إثره الفارغ مصعوقة

هل يمكن أن يأخذ منها “ملك” ؟ .. “ملك” التي فضلتها عنها و ألقت بنفسها في الجحيم لأجل ففط أن تعيش ؟

لا … أي شئ ، كل شئ إلا “ملك” .. إحتضتنت “سمر” الطفلة بقوة و تمتمت بتصميم :

-لأ .. محدش هياخدها مني . أبدا !

•••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••••• •••••••••

في مؤسسة ( البحيري الكبري ) … أخيرا ينتهي الإجتماع الذي إستمر قرابة ساعتان و نصف

يخرج “عثمان” مع من غرفة الإجتماعات مبتسما بإعتداد ، بينما يمشي “رفعت” منتفخ الصدر فخورا بمهارات إبن أخيه التي لاقت إستحسان جميع أعضاء مجلس الإدارة ..

-براڤو يا عثمان Good job بجد .. قالها “رفعت” بإعجاب و هو يربت علي كتفه بلطف

عثمان بتفاخر :

-شكرا يا عمي . أنا ماعملتش حاجة.

ضحك “رفعت” و قال :

-ياسيدي علي التواضع . ربنا يزيدك يابني.

عثمان بإبتسامة خبيثة :

-أول مرة حد يقولي إني متواضع !

-ما أنا بقولهالك برو عتب كده يعني ماتاخدهاش بجد.

إنفجر “عثمان” ضاحكا و قال :

-برو عتب يا عمي ؟ مآااشي . بس بردو أنا ماعملتش حاجة كبيرة أنا وعدت بابا الله يرحمه إني هحافظ علي شقاه و أديني بوفي بوعدي مش أكتر.

رفعت بحرن :

-الله يرحمه . بس ده بردو مايمنعش إنك شاطر و أد المسؤولية.

عثمان بإبتسامة :

-شكرا يا عمي .. ثم شعر في هذه اللحظة بإهتزاز الهاتف في جيب سرواله

مد يده و أخرجه ، ثم رد علي أخته :

-ألو . إيه يا صافي ؟!

جاء صوت “صفية” مرتعشا عصبيا :

-إيه إنت يا أخي ؟ فينك من بدري بتصل بيك من الصبح !!

عثمان بأسف :

-معلش كنت في Meeting مهم . في حاجة و لا إيه ؟

صفية بتوتر :

-بصراحة أه في !

عثمان بقلق :

-في إيه يا صفية ؟ إيه إللي حصل ؟ .. ثم قطب فجأة و صاح برعب :

-سمر جرالها حاجة ؟؟؟

صفية بتردد :

-آا آ . مـ مش . مش بالظبط كـ كده.

عثمان بإنفعال :

-إتكلمي يا صفية إيه إللي حصل ؟؟؟؟؟

صفية بخوف شديد :

-عثمان سمر إختفت . مش لاقينها … !!!!!!

يتبــــــــع …

error: