خارج أسوار القلب

الفصل السادس والعشرون

****************

أنهى (هشام) مهمته القذرة وتركها ضعيفة ساكنة لا تعي ما حولها جيدا، تتطلع إليه فتارة تراه بطلا أسطوريا وتارة تراه حيوانا بريا متوحشا، فقدت قدرتها على النطق وهو ينظر إليها ومازال لعابه يسيل على فاكهتها التي تذوقها لمرة فأسكرته، سخر منها قائلا :
– كنتي بتقولي عاوزة أدهم وبس.
ثم علت ضحكته الساخرة وهو يكمل :
– طلعتي يوزد أهو مستعملة سكند هاند واللي عندك ده طمع وخلاص يا ست ياشريفة يابنت العائلات وولاد الذوات .
قام ليخرج من الغرفة ثم عاد بعد دقائق وهي لا تزال فاقدة القدرة على التحكم بنفسها جيدا، عاد يقترب منها مجددا وهي لا تفهم، كان وعيها يعود إليها ببطء وقدرتها على سلاسة الحركة تزيد، لاحظت اقترابه لمعاودة الكرة وهو ينظر إلى جسدها بطريقة آلمتها وهي التي كانت تثير غرورها فيما سبق، لم تتحرك فمازالت ضعيفة، بدأ مرة أخرى وهي تبكي في صمت، لفت وجهها بعيدا عنه فوقعت عيناها على أمل، استجمعت كل طاقتها والباقي من وعيها والتقطت السكين الصغير الذي كان يقطع به ثمرة التفاح قبل أن يذهب بوعيها وهو لا يدرك ماتفعله فقد كان وعيه غائب من خمرها هو الآخر، أولجته في عنقه من اليمين بكل ما أوتيت من قوة فإذا به يتطلع إليها في بلاهة ونافورة من الدماء تتفجر من أسفل السكين لتغرقه وتغرق الفراش أسفلها مارة بجسدها في طريقها، سقطت رأسه فوقها معلنة انسحاب الروح منه مع سائل الحياة ونظرة البلاهة لاتزال مرتسمة على ملامحه، فجأة انطلقت منها صرخة وهي ترى الدماء في كل مكان وثقله يمنعها مع ضعفها من الحركة، استمرت في الصراخ حتى وصل صوتها للحي بأكمله وانتهى الأمر .
********
وقف الحاج (عبد الرحمن ) منكس الرأس أمام شقيقه (كمال) والذي بدا كالثور الهائج وهو يصيح في غضب شديد :
– إيه اللي بتقوله ده ياحاج ؟ للدرجة دي خايف منه ؟ خلاص اشتريت منه أرضنا بفلوسنا، إزاي ؟
رفع (عبد الرحمن ) رأسه ونظر لأخيه في حنق واستياء من طريقته ومن حديثه ثم هتف فيه :
– لم نفسك يا كمال وراعي إني اخوك الكبير، إحنا مش قد ولاد الحسيني وأدهم ده بالذات، واحد زيه من كبارات البلد وواصل وعنده علاقات تودينا ورا الشمس، تنخ قدامه احسن ماتتحداه وتلاقي نفسك بتخسر بردك.
اشتعل غضب (كمال) أكثر وتفجرت شراراته من عينيه الحمراوين وهو يصرخ :
– وعزة جلال الله ما هيتهنوا بالقرشين الي خدوهم، على جثتي يا حاج .
أمسك الرجل بذراعه في عنف وصاح في وجهه :
– الموضوع خلص ياكمال يا ابن زيدان، خدنا أرضنا وخلصنا وكل واحد راح لحاله.
ثم تركه في عنف وغادر المنزل برمته تاركا (كمال) يحدق في الباب الذي خرج منه بنظرات شيطانية لاهبة، هتف :
– بقى كده ياحاج ؟ وربنا المعبود ماهاسيبهم يتهنوا بفلوسنا بنت الـ **** دي .
ثم خرج من المكان هو الآخر تتابعه زوجته في رعب، فهي تعلم أنه لا يتورع عن القيام بأي شيء للوصول لغايته أو الانتقام، دعت الله أن يمر الأمر بسلام .
أما هو فقد اندفع كالصاروخ من المنزل واتجه إلى سيارته، فتح بابها ودلف إليها ثم أغلقه خلفه في عنف، تناول هاتفه الجوال وقام بالاتصال برقم يحفظه عن ظهر قلب، وما إن سمع صوت يرد عليه حتى هتف :
– إنت فين يا فتحي أني كمال زيدان عايزك ضروري .
جاءه الصوت الأجش يقول في ترحاب :
– أبو كمال، فينك من زمان يامعلم ؟
رد بسرعة :
– موجود أهو يافتحي، عايزك في حاجة مهمة هتاخد فيها قرشين حلوين، قلت إيه ؟
شعر بلهفته وهو يجيبه :
– تحت أمرك يا باشا ياكبير، تعالي لي في مكاننا بتاع زمان، نعلي المزاج ونتفق .
قال وهو يدير محرك سيارته :
– طيب أني جايلك اهو .
أغلق هاتفه وقاد سيارته مندفعا بها عبر بوابة السور المحيط بالمنزل بسرعة وجنون .
********
دخل (أدهم) لمنزله بهدوء كعادته، الأيام الماضية أرهقته للغاية، عقله كان متعبا وقلبه مستكين بين ضلوعه في صمت، فمنذ أغضبها آخر مرة وهي ليست على مايرام معه، خاصة أنه لا يستطيع الانفراد بها مؤخرا بسبب انشغاله بعمله وأيضا بتسوية مشكلة أرضها، وعندما انتهى الأمر كان عمله يستحوذ على جزء كبير من وقته وهذا كان يثير استياءها أكثر، بعدما دلف للداخل تطلع حوله في إرهاق باحثا عن الصغيرة التي تأتي دوما لتتعلق بعنقه وتقبله على وجنته ماحية بقبلتها كل تعبه، لكنه لم يجدها، استغرب الأمر فاتجه للمطبخ ليبحث عن (جمانة)، وجدها تقف هناك تقلب بعض الطعام على الموقد في هدوء وشرود، ناداها بهدوء فالتفتت إليه فزعة ثم تنهدت في ارتياح، سألها :
– أمال ملك فين ؟
عادت لمتابعة عملها وهي ترد ببرود :
– لميا كانت هنا وملك شبطت فيها، أخدتها معاها تقضي اليوم هناك وهترجعها بالليل .
شعر أن إرهاقه قد زال فجأة فهتف في مرح :
– طيب دي فرصة هايلة لازم أستغلها أسوأ استغلال.
لم تعر ماقاله انتباها، فاقترب منها يتطلع إليها في صمت، وجدها رقيقة جميلة مرتبة كما هي عادتها، ترتدي فستانا قطنيا ناعما يليق بها للغاية، تلك المرأة تجيد انتقاء ماترتديه، شعرها عقصته أعلى رأسها وانسدل بطوله على أحد كتفيها، تجاهلته تماما فشعر بالغيظ، سأنهي الأمر اليوم يازوجتي العزيزة فقد سئمت تلك اللعبة التي تثير جنوني، اتجهت لمكان آخر في المطبخ تعمل على شيء ما أمامها متناسية وجوده، تبعها وفجأة طوقها من الخلف فسرت قشعريرة في جسدها ولم تتحرك، اقترب من أذنها هامسا :
– وحشتيني أوي .
فكت ذراعيه من حولها بيديها ولم ترد، خرجت من المطبخ واتجهت للحمام ثم أغلقت بابه عليها في عنف، تطلع إليها في حزن وهي تغادره حانقة، زاد الإصرار بداخله أن تنتهي اللعبة اليوم والآن، اتجه لغرفته وقام بتغيير ملابسه ثم تمدد على الفراش في إرهاق دخل بعده في سبات عميق، خرجت هي من الحمام بعدما شعرت أنه قد ذهب، عادت للمطبخ تتابع طعامها حتى انتهت، كانت غاضبة منه، ففي الوقت التي شعرت فيه بقلبها ينبض من أجله يتنكر هو له ويعتبره امتنانا منها، كيف يفكر هذا الرجل ؟ هل ستعطيه قلبها وروحها وجسدها تعبيرا عن امتنانها ؟ كبرياؤه يحنقها على الرغم من محاولاته استرضائها، دخلت غرفة النوم فوجدته نائما كطفل صغير أنهكه التعب، شعرت بالشفقة تجاهه فاقتربت منه وجلست بجواره على الفراش بهدوء تتطلع إليه وهو يستلقي على ظهره ووجهه يقابلها، نبض قلبها وهتف باسمه، لم تدري بنفسها سوى وهي تتحسس شعره وتبعده عن جبهته وتربت عليه بحنان، لم يتحرك مطلقا فزاد إحساسها بالشفقة والذنب، على الرغم من تعبه كان هناك يحاول التقرب منها، لقد نال منه التعب مبلغه في الفترة الماضية وهي تعلم، سافر لأكثر من مرة لبلد أعمام ابنتها لينهي مشكلة الأرض، حلها لها وحصل على مالها كاملا غير منقوص، رست مناقصة هامة وكبيرة على شركته وسحبت مجهودا أكبر منه لكنه لايزال يحاول إرضائها، تركت يدها تتحسس وجهه في بطء ثم لسعتها خشونة ذقنه النامية، فابتسمت في حب، كان مافعلته تاليا هو ضرب من الجنون، لقد اقتربت من شفتيه وطبعت عليهما قبلة ناعمة لكنها فوجئت به يبادلها قبلتها بشغف فاتسعت عيناها وابتعدت عنه بذعر لتجده ينظر إليها وفي عينيه قصة عشق لا تنتهي، هبت واقفة في ارتباك فهتف بها وهو يتحرك ممسكا بكفها :
– استني ما تهربيش .
توقفت ووجهها يشتعل من الخجل،” رباه لقد كان مستيقظا طوال الوقت “، وقف أمامها وهمس :
– بحبك .
لم تشعر بقلبها، انتفض فقط ثم خرج من صدرها فجأة محلقا في سمائه، لقد نطقها ولأول مرة، أما هو فرفع وجهها نحوه لتظل عيناها رهينة محبس عينيه وعاد يقول :
– أيوة بحبك، نفسي أصرخ بيها للكون كله ويسمعوها مني، نفسي أمشي في الشارع وأي حد أقابله أقوله بحبها، مجنون بيها، بعشق كل حاجة فيها، وهي زعلانة، أو وهي فرحانة، لما تغضب وأنا باستفزها أو تحمر من الخجل لما أقول لها حاجة تكسفها، لما بتكون صاحية وكمان وهي مغمضة عينيها، في كل حالاتها بأموت فيها.
لم تستطع الرد فصمتت، اقترب أكثر فتجمدت، فجأة تذكرت موقفه السابق، فغضبت ثم دفعته بعيدا عنها وحاولت الخروج من الغرفة لكنه عاد يمسك كفها وهتف :
– جمانة، أنا عارف إني كنت رخم، بس اعذريني، كنت قلقان، أنا عاوز حبك، قلبك، عقلك، عاوز اسمي بدل كل نبضة بيجري مع دمك، مش سهل لما في نفس اليوم ألاقيكي بتسلمي لي اللي باتمناه، طبيعي أقلق، لأن مش عاوزه كده .
ردت في خفوت :
– خلاص، أنا فهمت .
جذبها نحوه فلم تقاومه، دفن وجهه في شعرها وألصق أذنها بصدره، تركت نفسها بين ذراعيه لثوان ثم عادت تبتعد، نظر إليها فرآها خجلى، عاد يبتسم، لقد عادت معشوقته التي افتقدها خلال الأيام الماضية، شاكسها مرة أخرى :
– إيه ؟ بعدتي ليه ؟
توترت، عادت تقول في خجل :
– مش عاوزة .
رفع حاجبيه في سخرية، هاهي تكذب، تساءل بمكر :
– بجد ؟ أمال اللي عملتيه من شوية ده اسمه إيه ؟
كادت تدعو أن تنشق الأرض وتبتلعها، ازداد خجلها فعاد يقترب منها ويقول بحنان :
– أنا عارف إنك بتحبيني، اعترفي.
ابتعدت مرة أخرى وظهرت روحها العنيدة مرة أخرى فشاكسها :
– وبتغيري عليا كمان.
نظرت إليه في دهشة فشرح :
– أيوة بتغيري، فاكرة يوم لما دينا خليتك تشوفي الصور اللي فبركتها ليَّ معاها، يومها آدم قالي إنك اديتيله الملف وطلعتي تجري كأنك بتهربي من حاجة ، غير شكك وقلقك وسؤالك لما طلبتك للجواز ، بتغيري اعترفي .
دبت بقدمها في الأرض كطفلة عنيدة مدللة وهتفت :
– لا مش باغير .
ثم انطلقت هاربة من أمامه بسرعة تصاحبها ضحكته المرحة، همس لنفسه :
– لعبتنا هتنتهي النهاردة يا جوجو.
ثم خطرت بباله فكرة ابتسم لها وعاد يخاطب نفسه :
– والله لأوريكي .
تركها لانفعالها وخجلها ثم اتجه للحمام ليمحي إرهاق اليوم، عادت تبحث عنه ليتناول طعام الغذاء فوجدته يستحم، التفتت لتغادر الغرفة عندما فُتِح باب الحمام وخرج منه زوجها، كان يلف خصره بمنشفة كبيرة ولايزال الماء يلمع على جسده وهو يجفف وجهه وشعره بأخرى، اتسعت عيناها فيما يشبه الرعب الممتزج بالخجل الشديد فمنذ زواجهما لم تره هكذا أبدا، بدا قويا، صلبا ووسيما، جفف وجهه ثم فوجئ بها أمامه تتطلع إليه في ذهول، ابتسم لها بعدها عقد حاجبيه وسأل متخابثا :
– في إيه ؟ مالك ؟
أفاقت من شرودها فخفضت عينيها خجلا وهمست :
– أبدا، مفيش، الغدا جهز لو حابب تتغدى .
شعرت به يقترب منها ولازالت قدميه المبللتين تتركان أثارهما على أرضية الغرفة، وقف أمامها تماما وهي تنظر أرضا وتكاذ تذوب خجلا، كان سعيدا للغاية بالحالة التي هي عليها، نعم هي تحبه وسيجبرها على الصراخ بها، أمسك بها من مرفقيها وقربها إليه فانكمشت على نفسها، قربها أكثر حتى التصق بها ولمس كفاها صدره مما جعلها تنتفض فجأة، حاولت التراجع لكنه لم يتركها تتحرك قيد أنملة، همس لها :
– بصي لي .
أغمضت عينيها وهي تطرق أرضا وهزت رأسها نافية هامسة هي الأخرى :
– لا.
ترك أحد مرفقيها وأمسك بيده ذقنها ليرفع وجهها نحوه و جفنيها مسبلين في خجل، تطلع إليها وقلبه يهتف ” أحبك يا حمقاء “، عاد يهمس بلهجة خشنة دلت على ما يعتمل بداخله :
– بصي لي أحسن لك .
فتحت عينيها برفق وظلت تتحرك ببؤبؤيها في كل الاتجاهات حتى لا تستقر في عينيه، هتف بها :
– جمانة !!
كان اسمها من بين شفتيه غريبا فاتنا كأنها تسمعه لأول مرة، انصاعت لأمره ونظرت إليه، ابتسم لها، كانت ابتسامته مطمئنة حنون، أما عينيه فكانتا تقولان عكس ماتقوله ابتسامته، قرأت فيهما الكثير مما أثار خجلها أكثر وكادت تذوب بين يديه، سألها :
– عينيا بتقولك إيه ؟
ازداد اضطرابها، علت الحمرة وجنتيها أكثر وشعر بها ترتعش ، ابتسم وداعبها :
– أيوووة بالظبط زي مافهمتِ كده، قلتِ إيه ؟
أغمضت عينيها مرة أخرى وهمست بدلال :
– هو اللي في عينيك ينفع تاخد فيه رأي ؟
أراد استفزازها أكثر ونبض قلبه يشتد، همس مشاغبا :
– يعني جرين لايت ؟.
لم تقل شيئا بل استكانت على صدره فقط، لينهل منها ماشاء، تذكر أمرا فعاد يهمس آمرا :
– كلمي لميا قولي لها تخلي ملك هناك النهاردة .
أومأت برأسها إيجابا في صمت وهي تنكمش أكثر بين ذراعيه كطفلة صغيرة حتى شعر بها تكاد تخترق جلده وتسكن بين خلاياه ملكة على شرايينه وأوردته .
********
في صباح اليوم التالي شعرت بشفتيه تلثم جبينها في قبلة حانية وبلمسة يده أشد حنوا وهي تزيح خصلة من شعرها عن وجنتها وتربت عليها برفق، كانت كسولة فتقلبت في الفراش وأعطته ظهرها وهي تكمل نومها، ابتسم بعطف وحب وهو يتطلع إليها ثم طبع قبلة أخرى على شعرها وهو يتساءل في نفسه، كيف لرجل مثلي لم يفكر في امرأة من قبل أو حتى يرى أيهن كأنثى تحركه أن يُدّله بالحب هكذا! هل احتفظ بذلك الجنون العاصف بداخله الآن من أجلها فقط ؟ ولم يتردد في الإجابة عن ذلك السؤال، نعم كانت مشاعره تنتظرها، في شوق للقائها، وحدها تستحق، فلم يهمها إلى متى قد يطول الانتظار، مادام في النهاية ستكون الثمرة هي قربها، هي قلبها، هي نفسها، ذلك الجنون أحاط نفسه بأسلاك شائكة وأسوار عالية مكهربة وبوابات صلبة مغلقة بأقفال محكمة عليها حراسة مشددة من أجلها فقط، ولكم كانت تستحق، كم هي رقيقة، حنون، ضعيفة وقوية، مستكينة خاضعة وشرسة، تلك التي تجمع متناقضات الجنون تستحق جنونه، تستحق عشقه ومفتاح قلبه الذي استقر بين يديها من أول لحظة وإن لم يعترف بذلك خوفا أو قلقا أو حتى هربا ومكابرة .
تقلبت مرة أخرى ثم فتحت عينيها بكسل لتجده يتطلع إليها وكل خلية فيه تصرخ عشقا، فكرت أمن الممكن أن يظهر العشق على أحدهم بهذا الشكل! شعرت بالخجل يغزوها وبسخونة حمرته تعلو وجنتيها فأغمضت عينيها لثوان أخرى، قبل جفنيها المغلقين وهو يهمس :
– هتنامي تاني ؟
فتحت عينيها مرة أخرى وردت بخجل :
– لا
قال بحب يغمر حروفه :
– صباح الخير يا أحلى عروسة في الدنيا.
ضحكت بخفوت ممتزج بالخجل وداعبته :
– عروسة ؟ متجوزين من أكتر من شهر وعروسة ؟
مال برأسه جانبا وهو يتطلع إليها ومازال العشق يملأ كل خلجة من ملامحه وهمس مرة أخرى :
– أيوة عروسة، عن نفسي لسه متجوز إمبارح بس
ردت مشاغبة :
– والشهر والكم يوم اللي فاتوا كانو ايه ؟
هز كتفيه وهو يقترب منها :
– اممممم ، خطوبة.
ثم ابتسم وفي عينيه نظرة خبيثة، فهمتها على الفور لكنها إدعت العكس وأدارت وجهها بعيدا وهي تغمغم في خجل :
– طيب.
ازداد صوته عمقا وظهرت به نبرة خشنة محببة وهو لازال يهمس :
– طيب إيه ؟ بصي لي وإنت بتكلميني .
التفتت بوجهها ناحيته ورأت في عينيه الكثير، شعرت بقلبها ينبض بقوة وبدقاته تتسارع، استغربت ذلك من نفسها وسألت قلبها : لما تنبض هكذا؟ أهذا حب ؟ فرد بشكل قاطع : تخطيت مرحلة الحب بكثير، لا توجد كلمة في أبجديات العالم تصف ما أشعر بها تجاه هذا الرجل، تساءلت مرة أخرى : وماذا عن … لكن القلب الصغير قاطعها بحزم : لا تذكريه أمام رجلك الآن، شعرت بالغيظ من نفسها وقلبها، كيف لا تذكره؟ همس القلب : ليس من حقك أن تذكريه وأنا الآن ملك لغيره حتى وإن سكن في بقعة مني وفي ذاكرتك، أنا الآن لست لك.
كان يتطلع إليها بصمت وتلك الحيرة المرتسمة على ملامحها، فهم على الفور ما تعانيه فأمسك كفيها ورفعهما لشفتيه مقبلا واحدا تلو الآخر وقال :
– تعرفي ! كنت لسه باسأل نفسي أنا إزاي بحبك كده ؟ وإيه كلمة حب دي قدام اللي جوايا دلوقتي، وسألتها من امتى حسيت الاحساس ده ؟ ماكنتش عاوز أعترف إن من أول لحظة، حسيت فيكي بحاجة مختلفة، حاجة شدتني ولأول مرة تلفت انتباهي لأي بنت، طنشت كتير وكابرت وجادلت نفسي، لحد مافي لحظة ماكانش قدامي غير الاعتراف، خلاص كل الطرق اتقفلت في وشي وباقي بس طريقي اللي لازم أحفره لقلبك وأكسر كل الموانع والعقبات وأهد السور اللي حابسة نفسك جواه، وحابساني أنا برا منه، وماتعرفيش احساسي كان عامل إزاي لما لقيت نقطة ممكن أعبر منها السور الخارجي وأدخل بيها حياتك، ماترددتش دخلت منها فورا وكان باقي لي السور الداخلي وبوابته الضخمة، كان حاجز صعب لكن كنت واثق إن اللي جوايا لازم هيوصلك في وقت من الأوقات، اللي جوايا مش سهل ولا بسيط ولاعادي، اللي جوايا كتير أوي وكبير أوي ولازم هتحسيه وده اللي حصل.
ثم ضمها لصدره ووضع رأسها على قلبه وهو يكمل :
– سامعاه بيقولك إيه ؟ بحبك ؟؟ مااعتقدش مش كفاية، أعشقك ! لا برده مش كفاية .
أبعدها عنه مرة أخرى وهو يمسك وجهها بين كفيه ويتطلع لعينيها بنظرة عجيبة مستطردا :
– نفسي أحبسك جوايا، أقفل ضلوعي عليكي ماحدش يشوفك أو يسمعك أو يلمسك غيري.
ابتسمت بخجل أسعده، كم هي رقيقة وحيية، كم هي رائعة تلك الأنثى، أنثاه هو، أكمل :
– غيران حتى من الهوا اللي حواليكي وبيلمسك ويلمس شعرك .
ثم ابتسم مداعبا :
– بأفكر أحبسك في كبسولة مفرغة من الهوا وأجيبلك أنبوبة أكسجين للتنفس تلمس بس جزء بسيط منك بدل ما الأخ هوا رايح جاي كده.
اتسعت ابتسامتها وتساءلت :
– ياسلام للدرجة دي؟ وملوكة بقى هتعمل فيها إيه ؟ .
أجابها وهو يخشى من مضمون سؤالها :
– لا ملوكة هاحبسها في كبسولة تانية أنا باغير قلت لك، لا هوا يلمسك ولا يلمسها، إنتم بتوعي أنا وبس.
ظلت تبتسم بسعادة ظنت أنها لن تشعر بها يوما ثانية، كم يمكن للحب أن يكون صانع معجزات ومحيي قلوب، وكم يمكن للرجل أن يسعد امرأته ببضعة أحرف يلقيها على قلبها ليهيم به أكثر وأكثر، ثم غابا بعدها في عالم العشق .
********
وقف والدا (دينا) أمام أحد الأطباء ينتظران ما سيقوله في لهفة والجزع مرتسم على ملامحهما، قال الطبيب :
– هي الحمد لله دلوقتي أحسن، فقدان الوعي اللي هي فيه غالبا نفسي أكتر منه عضوي، واضح إنها اتعرضت لصدمة شديدة أثرت عليها بالشكل ده، لكن متوقع ترجع لوعيها خلال يومين بإذن الله .
علا الارتياح وجه الأم وهتف والدها :
– الحمد لله، طيب يا دكتور هي …
ثم تردد، كيف يكمل سؤاله بعدما علمه عما يمكن أن يكون قد حدث لها، كان الطبيب ينظر إليه في انتظار ما سيقوله، عاد يتساءل في خفوت :
– هو حد اغتصبها ؟
صمت الطبيب لثوان، ثم رد بلهجة متعاطفة :
– هو جسديا مفيش دليل على حدوث اغتصاب او مقاومة من مدام دينا، فعلا حصلت علاقة قبل وصولها لكن اغتصاب وأثاره مفيش، إحنا لقينا آثار xxxx هلوسة وممكن يكون فعلا حصل اغتصاب لكن الxxxx لغى وعيها وبالتالي ماكانش في منها أي مقاومة .
صُدم الأب ” مدام دينا “، ما الذي يعنيه ؟ طفلته، يا إلهي، كيف يقول عنها ذلك ؟ صمت لحظة ثم عاد يقول :
– حضرة المقدم حازم برا وهيتكلم معاكم بخصوص الموضوع ده أكتر .
تطلعا لبعضهما البعض في صمت، ثم تبعاه للخروج من الغرفة بعد أن ألقيا نظرة على ابنتهما الغائبة عن الوعي، كان المقدم واقفا في الممر المقابل للغرفة، عندما رأياه شعرا بالرهبة، تقدم منهما وحياهما بهدوء ثم أشار إليهما أن يتبعاه إلى غرفة الطبيب الذي تركهم يتحدثون على راحتهم، سأله الأب في لهفة :
– خير ياحضرة الظابط، لقيتوا حاجة ؟ عرفتوا هي اللي قتلته ولا لا ؟ ولا قتلته ليه ؟
كان الحرج باديا على وجه الرجل لكنه حسم أمره وجلس أمامهم، بعد ثوان من الصمت قال بحزم :
– بنت حضراتكم فعلا اتعرضت للاغتصاب تحت تأثير xxxx هلوسة وحاجة تانية الطب هو اللي هيحددها، وغير كده هي فعلا اللي قتلت الدكتور هشام عبدالله بس تعتبر حالة دفاع عن النفس بعد ماقدرت تستعيد جزء من وعيها أثناء محاولته اغتصابها مرة تانية .
كاد قلب الأب يتوقف والأم تحدق فيه بصدمة، صرخت بانهيار :
– إزاي قتلته ؟ اغتصبها مرتين ؟ عرفتوا إزاي ؟ عرفتوا منين إنها قتلته ؟
خفض الضابط عينيه أرضا ثم قال في ضيق وهو يقدر حالتهم :
– القتيل كان مصور كل اللي حصل بكاميرا فيديو ولقينا ذاكرة كمان عليها الجزء اللي كان بيفقدها وعيها فيه، بنتكم قتلته بسكينة فاكهة صغيرة في العنق مباشرة دخلت بعدها في حالة من الهياج والانهيار العصبي لحد ما أهل الشارع سمعوا صريخها وطلعوا يشوفوا في ايه !!
صمت لحظة وهو لا يدري كيف ينقل لهم المشهد ، أكمل بخفوت :
– الناس لما اقتحموا الشقة كانوا موجودين في أوضة نوم وكانوا …. بدون ملابس تماما، كان هو ميت ودمه مغرقها ومغرق المكان وهي بتصرخ ومش قادرة تتحرك، ولما حاولوا يساعدوها كانت بتتعامل معاهم بعنف وعصبية ورعب وفقدت الوعي فورا، نقلوها مستشفى ومن شنطتها وصلوا لكم لحد ماجبتوها هنا .
كان الرجل يحاول انتقاء كلماته قدر الإمكان وعلى الرغم من ذلك اتسعت أعينهما في ذعر ثم سقط الأب فاقد الوعي .
********
وقفت (جمانة) في المطبخ لتطهو طعام الغذاء والصغيرة تلعب ببعض اللعب أمامها، لم يكن عقلها معها بل يحلق في سماء حبيبها، تذكرت منذ يومين عندما قررت أن تعترف أمام نفسها وأمامه بحبها، كان حنونا للغاية ورقيقا، أسعدها أنه اعتبر ذلك اليوم كأنه يوم زواجهما الأول، وجدته فجأة يخبرها بأن تستعد للصلاة خلفه مجددا، وبالفعل صليا سويا، بعدها أعطاها علبة من المخمل، خمنت محتواها لكنها فوجئت أكثر عندما فتحتها ووجدت بداخلها طاقما ماسيا أنيقا للغاية أصر أن يلبسها إياه، حلق خيالها أكثر لتشعر بالخجل فجأة وتشتعل وجنتاها عندما وصلت بتفكيرها لما حدث بعد أن وضع خاتمه في إصبعها، تنهدت في حب ثم التفتت تتطلع لـ (ملك) في صمت، سمعت صوت هاتفها فابتسمت، لابد أنه هو، اتجهت بسرعة لتلتقطه فوجدت أنه (أدهم) بالفعل، اتسعت ابتسامتها وفتحت الخط، قبل أن تنطق كان يقول في همس :
– وحشتيني أوي أوي أوي .
شعرت بالخجل، حافظت على ابتسامتها لتجده يهمس مجددا :
– بأموت في ابتسامتك دي ووشك لما يحمر .
لم تشعر بالدهشة فهو يشعر بخلجاتها دوما وإن لم يرها، همست له هي الأخرى :
– إنت كمان وحشتني .
صمت لحظة، عاد يهمس بحشرجة :
– عاوز آجي بس مش عارف، عندي اجتماع .
ضحكت برقة وتساءلت :
– إنت في اجتماع دلوقتي ؟
رد بسرعة وبنفس الصوت الهامس :
– أيوة، بس قلت أخطف دقيقتين أسمع صوتك فيهم .
ابتسمت ” سيظل دوما مستقر الجنون ” سألها :
– بتبتسمي ليه ؟
أجابت :
– عشان إنت مجنون .
همس في شوق :
– إنتِ السبب .
ردت :
– لا إنت مجنون من زمان .
قبل أن يرد سمعت صوت (آدم) يهتف في مرح كمن قبض على مجرم متلبس بجريمته :
– يا حضرة المدير بتعمل إيه عاوزينك ؟
رد هو على أخيه :
– إنت مالك باعمل إيه ؟ روح وأنا جاي .
سمعت ضحكته تلتها ضحكة زوجها الذي عاد يهمس :
– بارد بارد يعني .
ضحكت فكان رده :
– لا اجتماع إيه، أنا جاي استنيني مسافة السكة، إنت مش عارفة ضحكتك بتعمل فيا ايه !.
ردت تشاغبه :
– بتخليك مجنون، قلت لي قبل كده .
شعرت به يبتسم وهو يقول :
– كويس إنك عارفة، وبمناسبة الجنون مسافة السكة وأكون عندك .
ضحكت مرة أخرى ثم ردت :
– لا خلاص اعقل المرة دي عندك شغل واجتماع هتقول للناس إيه ؟ وبعدين ملك صاحية .
رد بسرعة :
– هأقول أي حاجة، العمارة بتقع ولازم أروح أسندها، أو الكهربا قطعت وهاروح أولع في نفسي شمعة ،، أنا كده كده هاتحرق يعني .
ضحكت حتى دمعت عيناها وعندما صمتت وجدته يكمل في غيظ :
– بتضحكي ماشي استني بس لما آجي، أحسن لك تبقى ملك نايمة ساعتها، ولا أقولك هآجي أوديها عند جو .
هتفت في مرح :
– هتبيع البنت يا سي أدهم ! كله إلا كده .
رد بنفس اللهجة المرحة :
– هنستر عليها بقى ونستر على نفسنا إحنا كمان .
سمعت نداء أخيه مرة أخرى فعاد يقول لها :
– مضطر أقفل أعمل إيه، هاتي تصبيرة بقى .
ردت بعناد :
– لا.
هتف :
– شريرة .
ضحكت وأجابت :
– أيوة عارفة .
سمعت صوت قبلته عبر الأثير فشعرت بالخجل سألها بعدها :
– وصلت الأمانات ؟
ضحكت في خجل وهي ترد بخفوت :
– أيوة .
تنهد في ارتياح وهمس بشغف :
– طيب خلي بالك عليها بقى لحد ما آجي أخاويها .
ضحكت مرة أخرى فقال برقة :
– بحبك .
ردت في حياء :
– وأنا كمان .
كانت آخر كلماته :
– ماشي هاعديها بس لما آجي ليا تصرف تاني .
أغلقت الخط وطارت تحلق في سماء حبه وقبلته تداعب خيالها وتشعرها بالدفء على الرغم من كونها عبر أثير شبكات المحمول .

error: