خارج أسوار القلب

الفصل الحادي عشر

*************

في اليوم التالي للحفل حصلت (دينا) على صورها مع صديقها وصور (أدهم) مع شقيقته، تأملت الصور جيدا بعين دقيقة واختارت منها خمس صور ونقلت الفيديو الخاص بها لهاتفها، ارتدت ملابسها واتجهت بعدها لسيارتها مارة بوالدتها الجالسة في الحديقة فانحنت لتقبلها من وجنتها قائلة :
– مام، هاروح لبوسي عشان اتفق معاها تظبط الصور، سي يو See you .
بادلتها والدتها القبلة وردت مبتسمة :
– أوك يادونا، سي يو تو، ابقي قولي لي الأخبار.
انطلقت خارجة من الفيلا وهي تلوح بيدها هاتفة :
– شور مام، باي.
قادت سيارتها حتى وصلت لحي راق، توقفت أما إحدى الفيلات الأنيقة به وهي تهاتف صديقتها وسرعان مافتحت بوابة الفيلا لتدلف إليها بالسيارة، ترجلت منها واتجهت لباب الفيلا الذي فتح قبل أن تصل إليه وظهرت على عتبته فتاة قصيرة نوعا رقيقة الملامح ترتدي ملابس منزلية قصيرة وترفع شعرها الناعم على شكل ذيل الحصان، مدت ذراعيها لـ (دينا) التي اقتربت منها لتمسك بيديها وتتبادلان قبلتين في الهواء وهي تهتف :
– دوني مش ممكن، أخيرا افتكرتيني، أكيد وراكي كارثة.
قالتها وضحكت فبادلتها (دينا) الضحك وقالت وهما تدخلان للفيلا :
– كارثة كبيرة يابوسي، عاوزة منك بيج فيفر Big favor .
قادتها (بوسي) لغرفتها بالطابق العلوي للفيلا وهي تتساءل :
– شور يادوني.
ثم جلستا على مقعدين كبيرين في غرفتها مكملة :
– ها، واتس يور بيج فيفر What’s your big favor ؟
أخرجت (دينا) من حقيبتها الصور الخاصة بها وبـ (أدهم) و أوضحت :
– بما إنك أشطر ديزاينر شفتها عاوازكي تظبطي لي الصور دي.
التقطت منها الصور وتطلعت إليها ثم رفعت حاجبيها في دهشة متسائلة :
– ايه ده ؟ ده أدهم ؟ وايه اللي انت عاملاه مع تيام ده يامجنونة إنت؟
اقتربت منها (دينا) وهي تجيب :
– أيوة أدهم، هابقى احكي لك بعدين المهم عاوزاكي تظبطي الصور بحيث صور أدهم مع سارة أبقى أنا مكانها وصور تيام معايا يبقى أدهم مكانه، ها هتعرفي تعمليهم كويس ولا أدور لى على حد تاني؟
نظرت لها باستخفاف قائلة :
– ايه السؤال الاهبل ده ؟ طبعا أعرف، بس قبل مااعمل حاجة عاوزة اعرف التفاصيل.
تأففت (دينا) وهي ترد :
– طيب هاحكي لك وانت بتشتغلي لي عليهم.
قامت (بوسي) متجهة لمكتب في أحد أركان الغرفة لتعمل على تعديل الصور وهي تقول :
– طيب يلا، شكلك مستعجلة.
جلستا تثرثران أثناء تعديل الصور حتى انتهت المهمة فهتفت (بوسي) :
– يامجنونة يا دينا، كل ده عشان أدهم، ومين دي أصلا اللي تعمل لك قلق؟
أجابت (دينا) بحقد :
– حتى لو مفيش منها خوف، إنت عارفة إني مش باحب اسيب حاجة متعلقة أو ممكن تعمل مشكلة بعدين، لازم أزيحها من طريقي بأي شكل.
تساءلت (بوسي) :
– طيب مش خايفة أدهم يعرف وتبقى مشكلة ؟
هزت كتفيها بلامبالاة وهي تجيب :
– وايه اللي هيعرفه؟ مااعتقدش انها ممكن تقوله ولا سهام حتى تفتح معاه موضوع زي ده، ده عاملهم فيلم رعب يابنتي في الشركة.
ثم ضحكت بسخرية، ثم أكملت بكره :
– أدهم ده بتاعي وبس واللي تفكر تقرب منه نهايتها على ايدي.
شعرت (بوسي) بنوع من القلق لكنها لم تعلق وتركت (دينا) تلملم أشياءها وترحل عائدة لمنزلها، بعد وصولها اتجهت من فورها لوالدتها وجلستا تشاهدان التعديلات التي قامت بها صديقتها على الصور لتتحول تماما لشكل مختلف أعجب والدتها للغاية حتى أنها واتتها فكرة جديدة تزج بـ (أدهم) نفسه بالأمر وتجبره على الزواج من ابنتها، فكرت بعرض الصور على والدة ووالد (أدهم) ليجبره والده على الزواج من ابنتها لكن الأفعى الصغيرة لم تعجبها الفكرة، لم تكن تريده مجبرا خاصة أنه سيكذب الأمر، كانت تريده مدلها بحبها عاشقا ذابلا يجري خلف تراب قدميها مقبلا، فصمتت والدتها على مضض وتركت لها محاولة جذبه إليها.
********
في اليوم التالي اتجهت (دينا) لعملها بالشركة واختارت وقتا تعلم فيه بوجود (جمانة) في مكتب (أدهم) لتتجه إليه وتقابل (سهام) لتكمل خطتها، ارتدت في ذلك اليوم ملابس مثيرة ضيقة، كانت تعلم أن (أدهم) لن يراها فلم يهمها، كل ما كان يشغل بالها هي (جمانة) ومدى تأثير فتنتها عليها والصور التي ستجبرها على مشاهدتها، دلفت لمكتب (سهام) لتجدها منكبة على عدة أوراق أمامها تطالعها في اهتمام، اقتربت منها في هدوء ثم رسمت ابتسامة ود مصطنعة على شفتيها وهي تقول :
– سيمو إزيك؟
هتفت (سهام) بداخلها “أصبحنا وأصبح الملك لله” ثم رفعت رأسها تنظر لـ (دينا) وما إن لمحت ماترتديه حتى عقدت حاجبيها في ضيق ظهر واضحا على صوتها وهي :
– أهلا يادينا الحمد لله، باشمهندس أدهم مشغول بالمناقصة الجديدة ومنتظر دكتور آدم و مدام جمانة.
اتسعت ابتسامة (دينا) وعلقت :
– لا لا أنا مش جاية لأدهم، أنا جاية أقعد معاكي شوية وافرجك على صور حفلة دادي من يومين، كنت عاوزاكي تيجي طبعا بس أنا عارفة إنك مش بتسهري وباباكي بيتضايق مش كده.
شعرت (سهام) بالغيظ من تكلف (دينا) وتصنعها وإدعاءها وجود صداقة بينهما لكنها قالت بهدوء :
– معاكي حق طبعا يادينا، بابا راجل محافظ جدا.
وضغطت على كلمتها الأخيرة لتغيظها لكنها لم تهتم، بل فتحت حقيبتها وهي تخرج منها عدد من الصور وتجذب كرسي لتجلس بجوارها قائلة :
– تعالي بقى وقولي لي رأيك في فستاني، ماليش صحاب هنا غيرك ياسيمو وباتبسط معاكي.
ابتسمت (سهام) مجاملة وهي تعلم كذب (دينا) الواضح، التقطت منها الصور لتشاهدها عندما دلفت (جمانة) للمكان وهي تحمل ملفا ضخما في يدها باهتمام وما إن لمحتهما حتى ابتسمت كعادتها وألقت السلام الذي ردته (سهام) بحبور واكتفت (دينا) بإيماءة من رأسها قالت بعدها :
– إزيك ياجمانة؟ تعالي شوفي الصور دي، كانت بارتي حلوة أوي في الفيلا عندنا عشان دادي مضى عقد جديد مع شركة انجليزية كبيرة، كان نفسي تكونوا كلكم موجودين.
احتفظت (جمانة) بابتسامتها وتساءلت :
– سهام هو دكتور (آدم) جه ولا لسه ؟
ردت (سهام) :
– لا لسه.
(جمانة) بابتسامتها الصافية :
– طيب خليني أشوف الصور معاكي.
واتجهت تجلس بجوراها لتشاهدا الصور سويا، كان البذخ واضحا في كل صورة، من ديكورات الحفل للبوفيه الخاص بها حتى ماترتديه النساء ويتأنق به الرجال، فجأة في أثناء تقليب الصور ظهرت صورة تجمع بين (دينا) و (أدهم) وهو يراقصها بحميمية شديدة، حيث يظهر ظهرها ووجهه للصورة، هي تضع رأسها على كتفه، يتلاحم جسديهما بطريقة غير لائقة، ويداه مستقرتان على أسفل ظهرها العاري، تراجعت كل من (سهام) و (جمانة) في نوع من الصدمة، صدمة لرؤية صورة كهذه بهذا النوع من الجرأة والتبجح ولرؤية رئيسهما الصارم الذي تكنان له كل احترام بهذا الشكل الغير لائق على الإطلاق، تطلعت (دينا) إليهما ولـ (جمانة) بالتحديد في شماتة ومالت تتطلع للصور متسائلة باهتمام مصطنع :
– ايه مالكم يابنات في ايه ؟
ثم أصدرت صرخة اعتراض مستنكرة وهي تنظر للصورة، جذبتها من يد (سهام) وهي تتظاهر بالإحراج قائلة :
– ياخبر، معلش دي صورتي انا وأدهم مش صور تبع الحفلة، للأسف المصور لقطها مخصوص وقالي كنتو تحفة مع بعض، قلت هاخليها عشان أدهم يشوفها بعدين.
وما إن سحبتها حتى ظهرت أسفلها صورة أكثر إثارة للاشمئزاز تجمع بينها وبين (أدهم) في وضع لا يليق مطلقا حتى أن (جمانة) أطلقت شهقة واتسعت عينا (سهام) في تقزز، وعندما تأكدت (دينا) من رد فعلهما اصطنعت هي الأخرى شهقة مصحوبة بخجل لا يليق بها وهي تهتف :
– ياخبر، مش ممكن ايه جاب الصور دي هنا بس؟
تطلعت إليها الفتاتان في صدمة وهي تسحب الصورة لتظهر أخرى أسفلها مشابهة لها لتعود فتهتف :
– ياربي مش ممكن، المصور ده كان مستقصدني أنا وأدهم بقى.
ألقت إليها (سهام) كالملسوعة ببقية الصور وهي تهتف بنوع من القرف:
– كفاية كده خدي الصور يادينا.
تظاهرت بالأسف وهي تلمح الشرود يرتسم على وجه (جمانة) و ردت :
– أوه، سوري يابنات، مش كان قصدي تشوفوا الصور دي، لأن دي حاجة تخصني أنا وهو بس، عموما في فيديوهات برده للحفلة لازم تشوفوها، معايا اتنين ع الفون بجد نفسي أعرف رأيكم في ستايل الحفلة والثيم اللي اخترته، كله كان ذوقي.
ثم أمسكت بحقيبتها باحثة عن هاتفها والفتاتان تتطلعان لبعضهما البعض في صمت، أخرجت هاتفها وفتحته، قامت بتشغيل أحد الفيديوهات وناولته لـ (سهام) التي نظرت إليه بلامبالاة، كان الفيديو ينقل ديكورات الحفل والكاميرا تجوب وجوه الحضور وتلتقط صورهم، حتى ظهرت (دينا) من بعيد يجذبها شخص ما يرتدي بذلة سوداء لأحد الأركان الهادئة في الحديقة وهي تضحك بدلال بدا واضحا، ويبدو أن المصور قد أعجب بها وكيف لا وهي تبدو كفتنة مجسمة تسير على قدمين فقام بتقريب الصورة مظهرا تفاصيل فستانها من أسفل لأعلى ومركزا على مابداخل الفستان من جسد مثير، حتى دخل صاحب البذلة السوداء بين عدسة الكاميرا المقربة وبين جسد (دينا) وهو يضمها إليه ويقبلها وتبادله هي القبلة في شغف، كان ظهر الرجل هو الواضح للكاميرا في حين تلتف ذراعاها حول عنقه ويحيط هو جسدها بذراعيه، ما كان من (جمانة) بعد أن رأت المشهد حتى قامت من مقعدها تنظر إليها بنوع من التقزز بدا واضحا في عينيها، في حين تظاهرت هي بالبرود وعدم الفهم وتساءلت :
– مالك ياجمانة، مش هتكملي الفيديو؟
ثم مالت تنظر للهاتف في يد (سهام) والكاميرا لازالت تظهر المشهد ثم تراجعت وهي تشهق وتخطف الهاتف من (سهام) وتهتف بذهول مفتعل :
– مش ممكن، الفيديو ده انا ماشفتوش قبل كده، المصور ده بيستهبل، مركز معايا أنا وأدهم أوفر أوي لدرجة يصور حاجة زي دي بيننا، أنا هاوديه في داهية.
تطلعت إليها (جمانة) في صمت وهي تستغفر ربها بقلبها في حين قالت (سهام) وملامح الصدمة تبدو على وجهها :
– دي حاجة تخصكم يادينا، ماكانش المفروض حاجة زي دي نشوفها إنتم أحرار مع بعض.
ردت في أسف :
– أكيد ياسهام معاكي حق، بس مش عاوزاكم تاخدوا فكرة وحشة عني أو عن أدهم، أحنا في حكم المخطوبين ومهما حصل بينا ولأي درجة فده بسبب الحب، غصب عننا حتى لو اتصرفنا بطيش.
فهمت الفتاتان تلميحها وشعرت (جمانة) بالضيق يكاد يخنقها ولم تدري له سببا، ظهر الاشمئزاز واضحا على ملامحها مما جعل (دينا) تتأكد من نجاح خطتها تماما، فقامت تلملم الصور عندما دخل (آدم) المكتب وفوجئ بوجود الثلاثة فقال :
– السلام عليكم، إزيك ياجمانة؟ عاملة ايه ياآنسة سهام ؟
وتطلع لـ (دينا) وملابسها بتساؤل وضيق ظهر جليا في لهجته وهو يتساءل :
– حضرتك بتشتغلي معانا في الشركة ؟
تطلعت إليه باستخفاف وقالت :
– ايه إنت مش فاكرني يا آدم ؟
استنكر (آدم) مخاطبتها له بتبسط هكذا مما دفعه ليعقد حاجبيه مجيبا في حزم :
– لا للأسف مين حضرتك ؟
اقتربت منه ووقفت أمامه كأنها تستعرض مفاتنها قائلة :
– أنا دينا، مش معقول تكون نسيتني.
تساءل :
– دينا بنت عمو مصطفى ؟
أومأت برأسها إيجابا وشعرت هي بالنصر كأنها تقول لـ (جمانة) : أرأيت نحن عائلة فلا تتدخلي بيننا، في حين ردد (آدم) :
– دينا؟ وبتقولي لي آدم كده عادي ؟ مفيش أونكل ولا حتى آبيه ؟ فرق السن بيننا أكتر من 13 سنة ولما سافرت كنت شبه طفلة.
ردت بسخرية :
– وماله يا أونكل، سي يو.
وتخطته مغادرة المكان بسرعة، كان الوجوم مرتسما على ملامح كل من (سهام) و (جمانة)، بعد انصراف (دينا) اتجهت (جمانة) لـ (آدم) وقالت وهي تناوله الملف الذي تحمله :
– اتفضل يادكتور آدم ده الملف، ظبطت التعديلات زي مااتفقنا وضفت شوية حاجات ياريت تطلع عليها مع الباشمهندس أدهم وتبلغوني لو محتاجة تظبيط أكتر، بعد إذنك.
وتخطته هي الأخرى لتغادر المكتب بخطوات سريعة وهو يتطلع إليها بدهشة، ثم التفت لـ (سهام) متسائلا :
– آنسة سهام هو ايه اللي حصل ؟ مالها جمانة ؟ هي دينا زعلتها ؟
هزت (سهام) كتفيها بلا داعي وردت بسرعة :
– لا لا، يمكن نسيت حاجة أو تعبانة.
تطلع إليها (آدم) محاولا فهم ما يدور حوله لكنه لم يصل لشيء فأومأ برأسه، واتجه لمكتب (أدهم)، طرق الباب ثم فتحه ودخل، فرفع (أدهم) رأسه إليه وابتسم مرحبا وعندما لاحظ أنه وحده تساءل :
– أمال مدام جمانة فين ؟
هز (آدم) كتفيه في عدم فهم وأجاب :
– رجعت مكتبها مش عارف مالها، لما جيت كانت قاعدة برا مع الآنسة سهام ودينا بنت عمو مصطفى ولما شافتني ادتني الملف وقالت لي أراجعه معاك وطلعت تجري من قدامي زي مايكون في عفريت بيجري وراها .
عقد (أدهم) حاجبيه وهو يتساءل :
– مع دينا ؟ ودينا كانت برا بتعمل ايه ؟
رد (آدم) بهزة أخرى من كتفيه :
– مش عارف، يلا نشوف اللي ورانا عشان عاوزين نخلص من المناقصة دي على خير باقي أسبوع بس وتنتهي وعاوزين نلحق نقدم عرضنا.
صمت (أدهم) لحظات أخرى ثم أومأ برأسه وهو يشعر بالحيرة ثم يبدأ العمل مع أخيه على الملف.
وفي الخارج رمت (سهام) بجسدها على كرسيها وتنهدت بضيق، كانت تشعر بحزن على رب عملها، ذلك الرجل الصارم الحازم الذي اعتقدته دوما مثالا للأخلاق والانضباط تجده بهذه الصورة التي أسقطته من البرج العالي الذي أنشأته له وجعلت إقامته فيه، كانت تعتبره كأخ أكبر يعتمد عليه أكثر من مجرد رئيسها، تراجعت للخلف في مقعدها وهي تجول بعينيها في المكتب في ضيق ثم التقطت منديلا تمسح به وجهها ومالت تلقيه في سلة القمامة أسفل مكتبها عندما وقعت عيناها على تلك الصورة، أول صورة تجمع بين (أدهم) و (دينا) أثناء رقصهما سويا، التقطتها وتطلعت إليها لحظة بقرف شديد ثم ألقتها داخل أحد أدراج المكتب حتى تعيدها لـ (دينا) في وقت لاحق.
********
يبدو أن اليوم لم يكن لينتهي بسهولة فلا يكفي الضيق الذي تعرضت له صباحا حتى لاحقها غيره، أثناء عودة (جمانة) من عملها في سيارتها وهي تقودها شاردة حزينة لا تدري سببا لحزنها علا صوت هاتفها ليخرجها من شرودها، التقطته وتطلعت لاسم المتصل لتجده والدتها، شعرت بالقلق الشديد ودعت الله أن يكون خيرا، أوقفت سيارتها إلى جانب الطريق وأعادت الاتصال بوالدتها التي أخبرتها أن أخا زوجها الأكبر سيأتي لزيارتهم الليلة لأمر هام، شعرت (جمانة) بالقلق أكثر ولم تدري ما تفعل سوى الانتظار حتى يحين الموعد المنشود، بعد صلاة المغرب وصل الضيف ورحبت به والدتها :
– أهلا ياحاج عبد الرحمن اتفضل، منورنا والله.
رد (عبد الرحمن) :
– البيت منور بأصحابه يا حاجة أم لميا.
قدمت إليه كوبا من العصير البارد قائلة :
– اتفضل ياحاج، دقيقة وجمانة هتيجي.
التقط منها الكوب وهو يرد :
– تسلم ايدك ياحاجة.
رشف منه رشفة عندما دخلت (جمانة) وهي تصطحب صغيرتها (ملك) لتسلم على عمها، ألقت السلام وقالت مرحبة :
– إزيك ياحاج عبد الرحمن وإزي الجماعة في البلد؟ يارب تكونوا كلكم بخير، سلمي على عمو ياملوكة.
ابتسم الرجل ومد يده للصغيرة التي شعرت بالرهبة فالتصقت في أمها فحثتها لتسلم عليه قائلة :
– عمو ياملك أنا عارفة إنك ماشفتيهوش من زمان.
ثم التفتت معتذرة :
– معلش ياحاج، أصلها خجولة شوية.
ظل محتفظا بابتسامته وهو يرد :
– معلش يا أم ملك بكرة تتعود علينا.
تلاقت نظراتها مع والدتها في تساؤل ثم قالت لـ (ملك) :
– طيب ياملوكة روحي العبي في اوضتك شوية واتفرجي ع التي في .
خرجت (ملك ) مسرعة من الغرفة وكأنها خائفة من أمر ما، في حين قال الحاج في حزم :
– ندخل في الموضوع على طول يا حاجة أم لميا، أنا جاي أطلب إيد أم ملك لأخويا كمال، وطبعا هيكون لها بيتها ومهرها وكل اللي تطلبه زيها زي أي عروسة بنت بنوت وأحسن كمان.
اتسعت عينا المرأتين في ذهول لطريقته أولا ثم لطلبه، لم تستطع (جمانة) الكلام أما الأم فهتفت :
– إنت بتقول ايه ياحاج ؟ كمال أخو حسام الله يرحمه اللي متجوز من سنين؟
أفاقت (جمانة) من الصدمة على كلمات والدتها المستنكرة فسألت هي الأخرى :
– ايه اللي انت بتطلبه ده ياحاج عبد الرحمن؟ حضرتك بتتكلم جد ؟
رفع الحاج حاجبيه في استهجان وهو يجيب :
– أمال جاي من السفر عشان أهزر معاكي يا أم ملك؟ وبعدين ياحاجة أم لميا فيها ايه لما يكون متجوز في الشرع يحق له مثنى وثلاث ورباع المهم يعدل بينهم وكمال أخويا مقتدر ويفتح بيتين و تلاتة.
شعرت (جمانة) أنها لو تحدثت فستقول كلاما ثائرا خارجا عن حدود اللياقة فاحتفظت بفمها مغلقا وتركت لوالدتها دفة الحديث، ردت الأم وهي لاتزال مندهشة وخاصة بعدما قاله الحاج :
– ياحاج هي مسألة مقتدر ولا لا ؟ إنت عاوز بنتي تبقى زوجة تانية وعلى ضرة ؟ لا ياحاج اللي ماارضاهوش لبنتي ماارضاهوش لغيرها.
رد الحاج :
– ومالها الزوجة التانية ياحاجة إذا كانت بشرع ربنا ولسبب، مرات أخويا عاملة زي الأرض البور مابتخلفش، متجوز من أكتر من ست سنين ولا حبلت ولا مرة، وأم ملك أهي ماشاء الله زي الفل بعد كم شهر كانت حبلة وجابت العيل وعقبال ماتجيب لكمال إن شاء الله.
ازدادت صدمة (جمانة) ودهشة والدتها من أسلوب (عبد الرحمن) وطريقة كلامه، وعندما حاولت والدتها الرد أشارت لها بالصمت فقد شعرت (جمانة) أنها لا تعبر جيدا عما بداخلها فاجتهدت في انتقاء كلماتها وهي تقول بأكبر قدر أمكنها استحضاره من الهدوء في صوتها :
– يا حاج اللي بتقوله ده ماينفعش، حتى لو حضرتك بتدور على واحدة عشان الولاد لأخوك أنا ماانفعش، الأولاد دول رزق ونعمة زيهم زي أي حاجة تانية لما ربنا بيريد إنها تحصل بتحصل وفي الوقت المناسب ليها لا قبل ولا بعد، وكون إننا نلف وندور عشان ناخد رزق مش مكتوب لنا ده مفيش منه أي فايدة، ده بالاضافة إني مستحيل أقبل اكون زوجة تانية، ده أولا، ثانيا بقى أنا مش هأتجوز بعد حسام الله يرحمه والموضوع منتهي بالنسبة لي من زمان فياريت ياحاج تخلينا أهل أحسن وبلاش نزعل من بعض إنتم أهل حسام وأعمام بنتي ويهمني وجودكم في حياتها، أعمامها وبس ياحاج لأن ماحدش هيحل محل أبوها.
تطلع إليها الرجل في صمت بعدما أنهت حديثها وبدا أنه يفكر في أمر ما جعله يقول بعدها ببطء وكأنه يزن كل حرف قبل أن ينطق به :
– يعني إنت مش عاوزة ترجعي تبقي واحدة من العيلة تاني يا أم ملك ؟
استغربت سؤاله وطريقة تفكيره وتفسيره لرفضها بهذا الشكل وبدا ذلك واضحا في كلامها عندما ردت :
– ياحاج أنا دايما هافضل جزء من عيلة حسام الله يرحمه، اللي بينا مش بس نسب ده صلة دم وملك بنتكم وهتفضل دايما منكم.
قال بنفس اللهجة :
– طيب يا أم ملك احنا مش هنغصبك على حاجة إنت مش عايزاها طبعا، بس في حاجة تانية تهمنا وكانت هتفضل لنا بجوازك من كمال.
تطلعت إليه في تساؤل وشعرت بنوع من الإهانة في كلامه لها كامرأة فاستطرد :
– أرضنا .. ورث حسام أخويا الله يرحمه من أرضنا، ماينفعش تبقى لحد تاني والأرض عندنا مابنملكهاش لحريم، وطبعا لو اتجوزتي يبقى الأرض بقت لجوزك وده مستحيل نوافق عليه.
وللمرة الثانية تشعر هي ووالدتها بالصدمة، لتفكيره ولكلامه الذي يختاره بعناية ليعبر به وكأنه يبغي إهانتهما عن عمد، ألجمت جملته (جمانة) فلم تستطع الرد أما والدتها فقالت بعصبية :
– ياحاج انا مش عارفة أقولك ايه، إنت جاي النهاردة عشان تهيننا، شوية عاوز تجوزها لأخوك وشوية تانية الأرض ومابنملكش لستات وكلام مالوش أي لازمة، الأرض ياحاج اتوزعت بشرع ربنا على ملك ومامتها وعليكم ونصيب ملك منها مامتها وصية عليه وده ملكهم بالشرع والقانون وماحدش يقدر ياخده منهم.
كان أبرد من الثلج وهو يرد :
– ياحاجة أنا لاقصدي إهانة ولا حاجة ماتفهمونيش غلط، كل مافي الموضوع إن طلبي لإيد أم ملك لأخويا كمال كان عشان الذرية والأرض ولما هي رفضت يبقى نتكلم في اللي يهمنا اللي هي الأرض، إنتم الأرض ماتفرقش معاكم في حاجة إنما عندنا أهم من الولد ومابنفرطش فيها أبدا، وأنا مش جاي لا سمح الله أقولكم هاخدها منكم، لو مفيش جواز يبقى تبيعوها لنا وتاخدوا فلوسها تعملوا بيها اللي انتم عايزينه، ها قلتوا ايه ؟
كانت (جمانة) لا تزال تعاني أثر الصدمة لكنها تبادلت نظرة مع والدتها لترى فيما تفكر ثم أجابت بصوت لا يكاد يسمع :
– طيب ياحاج أنا ماعنديش مانع، حضرتك تقدر تشتري الارض وقت ماتحب مادام هي اللي تهمك ونفضل عيلة واحدة من غير مشاكل.
ظهر الارتياح جليا على وجهه ثم ابتسم وقال :
– كويس حيث كده نبقى متفقين، السيولة اللي معانا دلوقتي قليلة ع الارض شوية بس احنا عيلة والكلام ده مايفرقش بيننا وعموما في أي وقت لو احتجتوا حاجة احنا تحت أمركم.
سألته الأم بسرعة قبل أن تتكلم (جمانة) :
– بكام ياحاج ؟
ظهر بعض التوتر على ملامحه لكنه أجاب بهدوء :
– تلتميت ألف جنيه.
كادت (جمانة) أن ترد بالموافقة لكنها والدتها أمسكت بيدها وقالت قبل أن ترد مرة أخرى بشئ من الحدة :
– إزاي الكلام ده ياحاج؟ الأرض دي ماتقلش عن مليون جنيه، دي أرض غنية وكبيرة إنت كده بتاكل مال اليتيم ياحاج.
تطلعت إليها (جمانة) في دهشة ثم هتفت :
– ماما !
صاحت الأم بحدة أكبر :
– بس ياجمانة إنت كمان بتستهبلي ولو فرطتي في حق بنتك وحقك ربنا هيحاسبك …
ثم التفتت للرجل مكملة :
– حرام كده ياحاج عبد الرحمن، مش كفاية الملاليم اللي بتبعتوها لنا كل موسم على انها إيراد الأرض كمان عاوزين تاخدوها مننا بالقوة وبتراب الفلوس، هي وصلت لحد كده ياكبير العيلة ؟
ازداد توتر الحاج لكنه لم يتراجع وقال :
– والله ده اللي عندي ياحاجة، انتم رفضتوا الجواز وكده كان هيبقى لها اكتر كمان من اللي ليها دلوقتي، يبقى خلاص أرضنا مادام ماتهمكوش في حاجة ناخدها واحنا أولى بيها وماقلناش ببلاش دي بتمن حلو أوي.
ظلت الأم ضاغطة على يد ابنتها لتمنعها من الكلام وهي ترد بعصبية شديدة :
– خلاص ياحاج لا جواز ولا بيع، الأرض بتاعتنا وهتفضل بتاعتنا ومش عاوزين منكم حاجة غير الايراد بتاعها وخلاص.
قابل الرجل عصبيتها ببرود وقال بحزم :
– لا ياحاجة ماهينفعش الكلام ده، بنتك لو اتجوزت يبقى ارضنا ضاعت مننا، ايه اللي يضمن لنا إنها ماتديهاش لجوزها ولا تبيعها لأي حد عشان تاخد فلوسها وتجيب لنا شريك في أرضنا، يا جواز يا حاجة يا تبيعوها لنا.
كان رد الأم حازما صارما :
– لا ياحاج لا جواز ولا بيع وورينا هتعمل ايه ؟
تطلعت (جمانة) لوالدتها في دهشة فهي ترى منها جانبا لم تره من قبل، جانبا قويا حازما أشعرها بالأمان في كنفه لكن كلمات الرجل التالية هوت بها أرضا في عنف بعد الأمان الذي شعرت به لوهلة، فقد قال ببرود :
– في حل تالت ياحاجة بس مش هيعجبكم أكيد، بنتنا تيجي تعيش معانا ونشتري نصيب أمها وبس وأهي تعيش مع عمها وتعوضه الذرية ولما تكبر تتجوز حد من العيلة ويبقى أرضنا لينا وزيادة.
كانت هذه هي الضربة القاصمة التي كانت الأحق بالنصيب الأكبر من الدهشة والصدمة ترجمتها (جمانة) وهي تشعر بقلة الحيلة في سؤال خافت :
– قصدك ايه ياحاج ؟
أجاب في حزم :
– قصدي أبقى انا الوصي على ملك وأهو أنا عمها وأولى بيها من جوز أمها.
صرخت (جمانة) في وجهه :
– جوز مين ياحاج ؟ انت عمال تتكلم من ساعة ما قعدت وكلامك كله إهانة وافتراضات ماحصلتش ولا هتحصل وعمال تبني عليها أوهام وتصدقها.
ثم هبت واقفة وهي تكمل في حدة :
– شوف ياحاج، بنتي هتفضل معايا وماحدش ممكن يقرب لها وإلا نهايته هتبقى على ايدي ، والأرض هتفضل بتاعتنا وجواز مفيش لا من كمال ولا من غيره.
قال في برود غير مبال بصراخها :
– يبقى بينا وبينك المحكمة يا أم ملك وبنتك هتبقى معانا في أقرب وقت ممكن حتى لو علمنا ايه عشان ناخدها، مادام الفلوس مهمة عندك أوي كده يبقى إحنا نتصرف ونحافظ على أرضنا بمعرفتنا.
ثم قام يلملم عباءته ويرفعها على كتفه متجها لباب المنزل، توقف مرة أخرى والتفت إليهما قائلا :
– فكري تاني يا أم ملك وشوفي مصلحتك ومصلحة بنتك فين بالعقل.
ثم انصرف تاركا جبل الصمت يتهدم على رأسيهما، بعد خروجه انهارت (جمانة) على مقعدها ولم تدري ماتفعل سوى البكاء، كانت دموعها سياطا تنهال على قلب والدتها لتمزقه فاقتربت منها وضمتها بين ذراعيها ثم همست وهي تربت عليها :
– ماتخافيش ياجمانة ماحدش يقدر يعمل حاجة ولا ياخد ملك مننا.
هتفت من بين دموعها :
– أنا تعبت يا ماما، تعبت أوي وقلبي وجعني أوي، اتحرمت من أكتر حد حبيته ودلوقتي بيهددوني يحرموني من الحاجة اللي اتبقت لي منه، وعشان الفلوس، خلاص خليهم ياخدوا الارض ولو ببلاش مش عاوزاها المهم بنتي تفضل في حضني، يااااارب.
ظلت الأم تربت على كتفها وقالت محاولة تهدئتها :
– ياجمانة مايقدروش يعملوا حاجة، لو اتنازلتي عن حقك انت حرة لكن كمان ده حق بنتك اللي انت مسئولة عنه قدام ربنا، ماتخليهوش يضيع منك وحافظي لها عليه.
بكت أكثر وهي ترد :
– حق ايه يا ماما ؟ دول عاوزين ياخدوها نفسها، ربنا عالم بحالي وعارف اني هاعمل كده غصب عني، المهم بنتي تفضل معايا.
أخذت والدتها نفسا عميقا تطفئ به النار المستعرة في جوفها ثم قالت مرة أخرى :
– جمانة ماتتسرعيش، مش من حقهم ياخدوها وأعلى مافي خيلهم يركبوه، أنا هاكلم لميا وأخليها تيجي ونشوف القانون في صف مين، صدقيني ما يقدروش، اوعي تضعفي وتتنازلي عن حقك وحق بنتك أبدا وكلنا معاكي ماتخافيش.
استكانت بين ذراعي والدتها وإن لم تكف دموعها عن الانهمار أويسكن قلبها عن الوجع .

error: