رواية عشق ليس ضمن التقاليد للكاتبة أسيل الباش

الفصل الثاني وعشرون
محتارة بالفرح أو البكاء احببتكَ..
يتيمة بقيتُ لحنين العشق بجواركَ..
والى الفناء سرتُ راضية في نهجكَ..
كفيفة القلب والعقل على كلمة عهدكَ..
وبسهمٍ كاذب غادرتَ ليلكَ ونهاركَ..
وسط توسل صوت امل يتشبث بثغركَ..
ورجاء من سراب يطلب مكلومًا طيفكَ..
وصراخ سنين تتمنى بحرارة عودتكَ..
واستشهاد سرمدي والتراب يواري جسدكَ..

————————–
تقطع قلبها وهي ترى شحوب وجهه.. منذ عدة أيام لا ينام كما يجب.. ساعة أو ساعتين ينام ويقضي بقية وقته بالتفكير والمساعدة بالحرائق التي تحدث منذ أيام ليست بقليلة..
اجواء القبيلة كلها في حالة فوضى عارمة.. واعباء القبيلة كلها لا يحملها الا زوجها.. تنهدت خنساء بآسى ثم زلفت من قسورة ببطء لتسأله بحنو:
– هل انت بخير حبيبي؟

  • أحتاجك!
    كلمة واحدة فقط ما خرجت من فمه قبل أن تنتقل إلى عالم مجنون يبثها به قسورة كل مشاعر الحب والتيه المجنون..
    كان بحاجة ليشعر بها بين ذراعيه.. تنتمي إليه.. تغدقه بحنانها وروحها المفعمة بالعاطفة.. بغزلها الذي يراه بعض المرات مبالغ به إلا أنه يحبه.. كان بحاجة ليستمد قوته من جبروت هذه اللبؤة التي لا تخشى اي شيء في هذه الدنيا.. حتى اسدها لا تخافه!

غمغمت خنساء بحب وهي تتوسد صدره بعد جولة جنون دارت بينهما:
– احبك قسور!

ابتسم قسورة وقبل جبينها بهدوء والتزم الصمت للحظات قبل أن يسمعها تسأله:
– ما الذي حدث؟ أخبرني.

تنهد قسورة بإرهاق وقال:
– الشخص الذي يحرق البيوت هو من القبيلة يا خنساء! اشعر بذلك! ليس فقط عزيز وامينة.. هناك لغز لا زلت غير قادرًا على فهمه.. ثم ظهور وسيم العثماني بصورة مفاجئة وضغطه علي.. هناك احد ما يحاول أن يدعني اتوه واتوغل بعدة مشاكل ومصائب حتى أغفل عن العديد من الأمور.. وانا اشعر انني بدأت افعل! خاصةً بتخلي جدي عني نهائيًا وعدم مساندته لي ولو بكلمة!

بحنو أحاطت خنساء وجنته الخشنة بينما ترسخ حدقتيها المغرمتين بعينيه وهمست بنبرة صادقة:
– انا اثق بك! أساندك بروحي قسور.. انا احبك.. وحبي لك سببه قوتك ورجولتك الطاغية.. سببه تفهمك وتعاملك مع المشاكل بأقل خسارة.. بشهامتك التي لا يمتلكها الا القليل.. اعترف انني مجنونة في بعض الأحيان ولكن كل ذلك لأنك شخص رزين يجيد التعامل مع كل انواع الجنون.. فما بالك بمشاكل كهذه تحدث في القبيلة؟

لثمت جانب أنفه برقة قبل أن تستأنف:
– ما يهم حبيبي أن لا أحد تأذى حتى الآن من هذه الحرائق.. أجل نحن فقدنا طفلنا الا ان الله سيعوضنا أن شاء الله.. ولكنني ميقنة أن ذلك المجرم لا يريد أن يؤذي اي احد من القبيلة.. هو يحاول فقط أن يشغل عقلك كما تقول بأمور عدة.. لا ادري ما يريد ولكن هدفه ليس حرق البيوت فقط.. الحقائق ستُكشف قريبًا.. انت فقط توكل على الله وكربك كله سيزول يا روحي.

إرتسمت على شفتيه ابتسامة ساحرة كادت تهوي بفؤادها وهي تتأمله مأخوذة كليًا برجولة هذا الانسان الذي يكون زوجها.. وكادت أن تصيبها نوبة قلبية وهي تسمعه يتغزل بها بما تطوق له دائما دون ملل ولا ملل:
– والله اعشقك يا فهداوية.. أجل مجنونة أنتِ إلا أن جنونك هو ما يجعلك مميزة تختلفين عن أي امرأة أخرى قد قابلتها يومًا.. بقوتك وعنفوانك وشجاعتك وعاطفتك.. انتِ أكثر إمرأة نادرة الوجود يا خنساء!

رمقته خنساء مذبهلة للحظات قبل أن تنهمر دموعها وتغمغم بتأثر مبالغ به بعض الشيء:
– سيقف قلبي يا قسور عن العمل! رباه لا زلت لم اعتاد بعد على هذه الكلمات منك!

انفجر قسورة ضاحكًا بقوة وهو يضمها الى صدره، مغمغمًا بصعوبة:
– لن اتغزل بك مجددًا حبيبتي.. أخشى على قلبك انا.. ولكن لا تبكي!

بسرعة رفعت خنساء رأسها وزجرته:
– قسورة كفى غباءًا.. تغزل بي طيبة الوقت.. سيقف لأقل من دقيقة.. لا تقلق لن اموت خلال هذه الوقت!

ثم تابعت بهيام:
– ولكن إذا توقف ثغرك الحبيب عن إغداقي بكلمات الحب سيقف الى الابد.. لذلك استمر يا حبيبي.. طيلة الوقت.


غمامة سوداء حاصرت رؤيتها بكل قسوة.. ضجيج مرعب اخذ يضج في قلبها.. انين وطنين بقسوة الصخر.. تيه وذعر من أن يكون الكلام الذي سمعته صحيحًا..
لا تدري ما هذه الحرارة التي لا تحتمل التي تشعر بها في وجنتيها.. أهي بسبب نار ما تحرق عينيها وخديها أم أن دموعها التي تنهمر من شدة وجعها وقوة فاجعتها هي السبب!
هل حقًا مات وتحققت مخاوفها؟ الى متى ستعيش حزينة تعيسة يا الله!
“لا حول ولا قوة الا بالله، ان لله وان اليه راجعون”

الم فتّاك كاد يهوي بقلبها صريعًا.. وكأنه مطرقة حديدية تضرب قلبها دون أدنى رحمة.. حاولت أن تفهم ما يدور حولها.. ولكن كان صعبًا.. مؤذيًا.. ممزقًا للروح حتى النخاع..
ما سمعته كان أكبر من قدرتها على التحمل لدرجة انها شعرت أن روحها ستفارق جسدها في التو.. كوابسيها تتجسد على أرض الواقع.. وقد كانت تدري ان كوابيسها لعنة مشؤومة.. لم تعي أن دموعها تنهمر دون توقف وان أنفاسها تكاد تنقطع الا بعد الصراخ الذي تغلغل أذنيها مزعجًا قاسيًا حد الموت..

هدرت خنساء بصراخ وبكاء وهي تشير بأصبع يدها نحو عائشة:
– هي وشقيقها السبب.. لا بد أن الحقير ساري هو القاتل.. الملعون الذي تسبب بدمار حياة شقيقي وياقوت.. يجب أن يموت كما مات شقيقي.

كانت شاردة متجمدة.. عيناها شاخصتان ودموعها تسيل مدرار تُبلّل خديها الناعمين.. كانت تنظر الى اللا شيء.. تنظر امامها دون أي هدف معين.. ولكن جسدها يرتجف كما لو أنها موضوعة في الثلاجة.. ترتجف رغم النيران التي تشتعل في جسدها..
لم تشعر بيدي خنساء التي أخذت تهزها وصراخها عليها.. خنساء كانت مصدومة مكلومة بفقدان شقيقها الأقرب إليها.. شقيقها التي تعشقه.. لم تكن واعية انها تلوم إنسانة بريئة مظلومة..
كانت غشاشة الالم ومرارة الفقد تعمي بصيرتها فلا تفهم ولا تدرك أنها تدوس على قلب طفلة بريئة لم يعرف الا الالم رغم أن لا ذنب له.. لا تدري ان هذه الفتاة المنبوذة مشاعرها حالما بدأت الدنيا تشرق في عينيها غابت وغربت وكأنها لن تعود..

ابعدت واحدة من النساء خنساء عن عائشة التي لم يكن ردها سوى البكاء والحسرة على شباب احمد وشبابها هي..
جلست عائشة على الأرض.. لا تدري هل جلست بهدوء ام وقعت ولكن شعرت رويدا رويدًا بشيء يُسحب من جسدها وكأنها تنازع.. وآخر ما مر بعينها قبل أن يحتل السواد عينيها هو جمال تعابير زوجها ولمعة عينيه بلونها الساحر بينما كان يتغزل بها بليلتهما الأخيرة سويًا..


معرفة ياقوت بموت احمد كانت صاعقة قاتلة.. حبها الاول وفارس أحلامها منذ الطفولة.. لم تتمنى له الموت وهي.. وهي لا زالت تحبه يا الله! دموعها ونشيجها الذي يبجس من ثنايا روحها كادا أن يجعلا قلبها يتوقف..
بكت احمد ورثت الحب الضائع والظلم الذي تعرضا له الاثنين.. بكت بحرقة قلب كان مغرمًا ببراءة ونقاء..
لا يبعدها عنه الان فقط مسافات قبائل بل أصبح هو في عالم وهي في عالم.. انتقل الى رحمة الله.. وهي يا الله لا زالت تريده!! ولكنها خسرته.. الى الابد!

اجهشت ياقوت ببكاء مرير وهي تضم ساقيها الى صدرها بوضعية الجنين.. لا زالت لم تخبره انها غفرت له.. لم تخبره أنها ستنتقم من ساري الذي مزّق رباط حبهما بكل قسوة.. لم تخبره انها كانت فقط غاضبة وان مهما حدث لا تستطيع أن تكرهه.. لم تتمنى له السعادة حتى لو مع غيرها..
الندم مرعب ومهلك.. نادمة لانها لم تبرر له فعلته على الأقل بينها وبين قلبها الذي يعشقه.. لقد كان احمد رجلها الوحيد الذي تردد اسمه من الطفولة.. لقد كان حياتها وكيانها قبل أن يغزو ساري بكل جبروت مملكة عشقهما.. لقد انتهت الاحلام متأخرًا وهي تغرق بحقدها اكثر واكثر.. ووعت على حقدها على فاجعة اقرب انسان الى قلبها بعد أن توفى..

ضربت فراش السرير بقبضتها الصغيرة وهي تغمغم بوهن وبكاء:
– لعنك الله يا ساري.. لعنك الله.. لماذا دخلت حياتي؟ لماذا اغتلت احلامي وسرقت مني سعادتي؟ لماذا!
ثم استأنفت والغصة تستشرس لذاعتها في حلقها:
– سامحني احمد.. سامحني يا رجلي الاول.. سامحنا.. رحمك الله وغفر لك ذنبك.

لم تكن ياقوت واعية لاي شيء حولها فما أن عرفت هذا الخبر الصادم حتى انفصلت عن العالم تمامًا.. حتى ساري لا تعرف اين هو او ما الذي يجري معه.. كانت غائبة كليًا.. وكأن روحها انتقلت مع روح احمد الى رحمة الله..


كان موت احمد كالقشة التي تقسم ظهر البعير.. الحزن والهم والغم اثقل ظهر قسورة الا انه بصبر جبّار كان يحاول أن يتماسك.. أن يشتد.. ليس قسورة من يواجه المصائب بقوة متزعزعة وروح مكسورة.. بل عليه أن يتصرف بكل بسالة وصمود.. هذا هو قسورة وهذا ما تربى عليه..
تم التحضير لدفن احمد وسط صخب بكاء النساء.. وسط انهيار عائشة وخنساء ووالدة احمد.. الصراخ والعويل كان مفجعًا فهذا احمد.. اوسم شاب في القبيلة.. محبوب النساء.. ذو القلب الطاهر.. الرجولة الحانية.. والعاشق الموجوع..

أصّر قسورة ان يدفنه بيديه ولوحده رغم إصرار اخوته ويوسف صديق احمد المفضل على مساعدته.. الا انه بإصرار كان يرفض بينما ينهال بالتراب على جسد احمد ليدفنه..
هتف قسورة بصوت يثير الرعب في النفوس:
– قسمًا بربي العظيم قسمًا ليس بعده رجوع انني بنفسي سأنتقم لموت احمد.. سأحضر قاتله ولو كان تحت الارض وسأقتله أمام الجميع.. مهما كان هذا الشخص.. لا يهم من يكون واين يختبئ.. سواء كان من القبيلة أو خارجها.. سواء كان عدونا أو صديقنا.. حق احمد سأخذه بنفسي.. انا قسورة الفهدي أعلن لكم جميعًا انني ساثأر لموت ابن عمي وشقيق زوجتي احمد الفهدي.

تعالت التكبيرات بينما يوسف يجلس بجانب قبر احمد بإختناق.. ينتظر فقط مغادرة الجميع ليبكي.. ليبكي رفيق دربه منذ الطفولة.. ليبكي ايامهما معًا بحلوها ومرها.. احمد كان اقرب من كل اخوته إليه.. على الرغم من كونه ابن عمه إلا أن الصداقة التي كانت تجمعهما وكأنهما يتشاركان الروح نفسها.. كان بئر أسراره وحامل همومه.. كان كل شيء وخسر يوسف اغلى الرجال على قلبه..

بعد أن غادر الرجال واقترب والد احمد من يوسف ليضع يده على كتفه بينما تسيل دموعه بحزن لم يقاوم يوسف أن لا يرفع رأسه ويدفنه بصدر والد احمد ويبكي بقهر شديد.. بقهر وحزن رجال:
– لقد مات امامي.. دون أن احميه.. كنا نعد بعضنا البعض دائمًا أن كل واحد منا يحمي الآخر عند الخطر وها انا خذلته ونكست بوعدي.. قُتِل أمام عيناي يا عمي.. مات وانا مكتوف الأيدي.

ضمه حامد بقوة أكبر يحاول أن يشعر بأحمد ويوسف بين ذراعيه.. ثم همس بفؤاد محروق:
– أنه نصيبه.. قدّر الله وما شاء فعل.. أن لله وان اليه راجعون.


بعد عودة ساري من رحلته مع ياقوت والتي كانت من اجمل رحلات عمره تلقى ساري خبر موت احمد بصدمة مفاجئة.. رغم كل شيء ورغم كل كرهه له إلا أنه أبدًا لم يتمنى أن يموت مقتولًا وبهذه الطريقة.. وشقيقته لا تستحق أن تترمل في حين لم يمر على زواجها من أحمد نصف سنة!!

لم يقدر ساري على المكوث برفقة زوجته فهناك واجبات عليه القيام بها قبل أن يعود إلى زوجته ليرى وضعها..
توجه برفقة رجال قبيلته الى قبيلة الفهدي لحضور العزاء والوقوف بجانب شقيقته ليساندها.. وقد رافقه قاضي العشائر وابنه فؤاد وبقية الشيوخ..

حالما ولج ساري الى مجلس الرجال في منزل الجد كريم والذي كان مكتظًا بالرجال شعر بالأنظار التي تم تسليطها عليه باستهجان! يليه اندفاع يوسف بجنون نحوه ليمسكه من تلابيب قميصه بينما يزمجر بشراسة:
– ايها الحقير.. كيف تتجرأ وان تأتي لتحضر عزاء أحمد؟ انت قهرته يا نذل.. لا بد انك انت من قتله! اين كنت مختفيًا؟ انت الوحيد الذي تكره احمد.. انت من قتلته.. انت!!!

قبل أن يتدخل اي احد كان يدفعه ساري بعنف وهو يهتف بقوة حادة:
– لو كنت انا من قتلته لم اكن سأفعلها بالخفاء.. ساري العرّابي يقاتل بكل رجولة علنًا، لا يختبئ كالنساء!

  • أنا متأكد أن القاتل من قبيلتكم.. انت من بعثتَ برجلٍ ليقتله.. يجب أن نثأر منك!
    بغل وكره شديد صاح يوسف وهو يدنو من ساري ليردعه صوت قاضي القبائل ابو مالك:
  • كفى يا يوسف!! في حين لا توجد أدلة بحوذتك ضد ساري لا يمكن أن تقول إنه القاتل.. انا بنفسي سوف اعمل على إيجاد القاتل مهما واين كان.. ولكن الان يجب علينا أن نحترم بعضنا البعض وبعد العزاء سنبدأ بالتحقيق.

بهدوء شديد قال قسورة:
– نحن نريد القاتل حيًّا ولن تخمد نيران دمائنا الا بدماء قاتل احمد وبسيفي انا فقط! الدم بالدم يا ابا مالك!

تعالت الكلمات المشجعة لكلام قسورة فتنهد ابو مالك بآسى:
– هذا ما سيحدث.. لكن لا يجب أن نظلم احدًا وبعد أن نتأكد من هوية القاتل ومعرفته ستثأر لدماء ابن عمك يا قسورة.
وبجدية وحزم استرسل:
– وكما قال ساري انا كلي يقين أنه ليس القاتل.. ربما احد من قبيلته أجل.. ولكنني واثق أنه ليس هو.

  • اصابع الاتهام كلها موجهة نحوه فالأحداث السابقة لا تساعده البتّة يا حضرة القاضي.. وانت خير من يعلم.
    علّق الجد كريم ليبتسم ساري باستهزاء للحظة قبل أن ينظر إلى والد احمد ويهتف بجمود:
  • اريد شقيقتي.. يجب أن تعود إلى قبيلتها.. الان وحالًا.

بعد أن ترك ساري شقيقته عائشة المستنزفة كليًا برفقة والدته وشقيقته غزالة توجه إلى جناحه الخاص متلهفًا لرؤية ياقوت..
رآها على السرير نائمة وكأنها لا تنتمي إلى عالم البشر.. عقد ساري حاجبيها وهو يزلف منها بخطوات متريثة ليتفاجأ بذبول وجهها ودموعها التي تبلل وجهها.. كانت منهارة بالمعنى الحرفي وتهذي بكلمات غير مفهومة ابدًا..

لقد توقع أن تتأثر بموت احمد وان تبكي ولكن أن تنهار وتتقوقع على نفسها بذكريات حب لعين يقهره حد اللعنة هذا ما لم يتوقعه ولم ولن يتقبله ابدًا..
من بين هيجان أعصابه وفوران دمائه الحارة سمعها ساري تغمغم بنبرة تشي بمدى المها وحزنها الذي لم يتقبله اطلاقًا:
– احمد.. عد لتسامحني.. عد الي.. ارجوك!

والمزيد والمزيد من الهذيان وكلماتها التي لم تفاقم الا من جنونه واكفهرار عينيه الذي يُبنئ بعاصفة قاتلة لا محال..
واضمحل صبره وقوة تماسكه وياقوت تسترسل دون وعي:
– رجلي لم اخبرك كم احبك.. حبيبي احمد!!

خلال ثوان معدودة كان جسدها يرتفع عن السرير بينما ساري يهتف باحتدام وغيرة حارقة:
– اصحي.. اصحي على نفسك.. انا رجلك الوحيد.. انا حبيبك الوحيد.. هيّا اصحي لأعاقبك على جنون كلماتك.. لا يحق لك حب غيري وانت ملكي انا.. لا يحق لك الحلم والخيال.. قلبك وجسدك وروحك ملكي انا فقط.. انت امرأة ساري العرّابي وحده لا غير!

كانت ياقوت مستمرة بهذيانها غير واعية كليًا الى الوحش الذي أخذ يهز جسدها بعنف ولو كانت واعية له لفقدت روحها من شدة الرعب..
إقترب ساري بوجهه من وجهها بعد أن وضع يده بقسوة على شفتيها ليردع كلماتها من الانبلاج ثم بفحيح همس:
– إخرسي ونامي.. نامي كي لا يزيد عذابك.. لن ينقذك من قبضتي اي احد على جرأتك بالنطق امامي بحبك له.. نامي واهربي مثلما تشائين حاليًا فقط!


في الأسفل ارتمت عائشة في حضن والدتها مجهشة ببكاء مرير مزق نياط قلبها.. تبكي العاشق المكلوم الذي كان عليه احمد.. تبكي غربة قلبه وهو بين ذراعيها.. تبكي مقدار الالم الذي قاساه احمد وهو يجد نفسه زوج أخت قاتله.. قاتل حبه لياقوت.. قاتل احلامه..
كان ما يقتلها حقًا أن احمد لم يؤذيها.. رغم كل الأذى الذي تسبب به شقيقها له.. رغم كل المعاناة.. رغم كل القسوة إلا أنه كان صبورًا محترمًا..
ربما مرة واحدة فقط اذاها حينما اخذ حقه منها وهي لا تريد بينما في المرات السابقة كان يجاهد ليُرمم بقايا قلبه وليهبها ما تستحق.. الاحترام.. التقدير.. والحنان.. ولكن الحب كان بعيدًا كل البعد عنهما.. هي وهو مستحيل أن يحبا بعضهما.. فهو يحب.. لا هو عاشق يائس.. لا يجد سبيلًا يصله إلى حبيبته..

كان يعيش الكره.. الندم.. الحقد على الذات لظلمه لامرأتين.. لياقوت ولها هي.. بتخليه دون وعي عن ياقوت وبارتباطه بها خسر احمد معنى الراحة..
لقد مات مقتولًا بعد الامل في العيش.. له ولها.. بعد أن كانت منبوذة.. بعد أن كانت مركونة على ناصية الرصيف ترجو نظرة اهتمام.. بعد أن كانا سيستهلان في السير في أول طريقهما نحو المستقبل الصحيح خسرته وانتهى كل شيء..
لمسات والدتها الحانية لم تزد دموعها الا تدفقًا.. هي أرملة بحق الله.. لا زالت في السابعة عشرة من عمرها.. لا زال لم يمر على زواجها أشهر قليلة جدًا لتترمل!.. لا زالت طفلة تهفو نحو الاحلام..

  • لا بأس عليك حبيبتي.. لا بأس.
    كلمات والدتها التي طاقت لحضنها ولدفأها طويلًا جعلتها تقر دون أي مجهود لكل ما يعتمل يصدرها من الم وخوف ووحدة:
  • امي انا حلمت به حلمًا بشعًا.. كنت مرعوبة من فكرة خسارته.. لا لا.. كان كابوسًا وانت تدرين بي وبكوابيسي.. عشت خائفة.. اردت أن اشعر بالامان فوهبته كل ما تقدر نفسي أن تمنحه.. لأول مرة كنت راضية وانا امنح ما يستحق رجلًا مثله عانى الم فراق الحبيبة.. لقد كان مجروحًا حد النخاع..

صدرت شهقة بكاء عن غزالة التي تصغي الى شقيقتها الصغيرة.. هي لا تعرفه لأحمد كما يجب.. ولكن تعرف أن انتقام ساري لها كان بالتفرقة بين العاشقين قبل اي شيء اخر..
احست بأحشائها تلتوي وشعورها بالذنب يحتد قساوةً.. خاصةً حينما تفكر انها السبب الرئيسي لانتقام ساري من قبيلة الفهدي ومعاناة احمد وياقوت..

  • أمي كان يعدني بالاحترام.. كان حنونًا رغم المه.. وحينما.. وحينما قررت أن اعوضه وان اتشبث به هذه المرة صدقًا وأحاول أن أسعده واعوضه عن عذابه.. فقدته الى الابد.. كان يتألم أن ياقوت صارت تكرهه.. انني ابغضه.. كان يرى نفسه صغيرًا ويعاتبها دون رحمة.. وانا.. وانا الغبية كنت أزيد من اوجاعه في الكثير من الأحيان بلومي وعتابي له..

صدرت آهة مختنقة ملتاعة من أغوار روحها بينما وجهها يشحب لونه وهي تسترسل:
– آه يا امي.. عندما تلقيت خبر موته شعرت إن الدنيا تدور بي لتلقيني داخل دوامة عميقة شديدة السواد لا مفر منها.. عيونهم يا امي لو تدرين كم كانت تلومني دون أي رحمة.. شعرت بالخوف.. بالوحدة.. خاصةً أنه لم يعد موجود على هذه الأرض.. خنساء اخذت تلومني وتتهمني انني وساري السبب.. خفت.. خفت ان يكون كلامها صحيحًا.. ساري لن يفعل ذلك بي ويجعلني اترمل وانا لا ازال صغيرة.. اليس كذلك امي؟

هزت هدية رأسها تنفي أن ابنها قد يفعل شيئًا كذلك بشقيقنه بينما دموعها تتصبب على خدّيها بشجن بسبب بكاء طفلتها المرير:
– لا حبيبتي.. شقيقك لن يفعل.. شقيقك عاد بعد أن عرفنا بخبر موت احمد.. ساري كان برفقة زوجته برحلة.. شقيقك مستحيل أن يقتله هكذا.. لا تخافي حبيبتي.

  • ضميني أمي.. اشعر بالخوف والوحدة.. عانقيني بقوة لعلي اشعر بالامان.
    غمغمت عائشة بنبرة خائفة.. ذلك الخوف القاتل.. الجارح.. الخوف الذي يهلك الأوصال حالما تشعر النفس بالوحدة والألم الشديد.. حينما تصبح الدنيا كئيبة تعيسة مفعمة بالالم..
    ضمتها والدتها بقوة شديدة وهي تقرأ عليها آيات من القرآن الكريم حتى تنام مطمئنة بينما غزالة تشاهد انهيار شقيقتها وهي تتخيل كيف سيكون انهيار العاشقة الصغيرة التي تكون زوجة شقيقها؟!…

في صباح اليوم التالي..
بصعوبة فتحت ياقوت عينيها وهي تشعر بعظام جسدها تتهشم.. عدة لحظات وكانت تستوعب القوة العنيفة التي يضمها بها ساري الى صدره لتحاول دفعه بكره ودموعها رغمًا عنها تسيل وهي تتذكر موت احمد..
كان مستيقظًا قبلها.. بالكاد وفاه النوم بعد نطقها بهذا الجنون ليلة البارحة.. طيلة الليل وهو يتنفس بصعوبة من شدة غيظه وغضبه.. واجبر نفسه بصعوبة على النوم بعد صلاة الفجر بينما هي في عالم اخر.. عالم يحرق أعصابه وهو يفكر انها تحلم بشخص صار تحت التراب..
كلماتها لا تزال ترن في أذنيه كإنذار حريق لأعصابه وبالتأكيد لن يكون ساري العرّابي اذا بقي صامتًا يحترق بسعير كلماتها..

  • دعني يا ساري انهض.. ابتعد عني.
    هتفت ياقوت بغضب وهي لا تزال تدفعه فضاعف من عنف عناقه اكثر بينما يهدر من بين اسنان تصطك ببعضها البعض:
  • بيننا حساب كبير على جنون كلماتك البارحة.

اطلقت ياقوت آهة الم وصاحت بقهر:
– لم اراك البارحة فأي كلام هذا؟ ابتعد عني يا مجنون! دعني وشأني!

دفعها ساري قليلًا لترقد على السرير ويصبح هو فوقها ثم بقوة ثبّت يديها على السرير وهمس بجانب وجهها بشراسة مخيفة:
– من هو حبيبك؟ من هو رجلك؟!

لم ترد عليه غير بإتساع عينيها وانفاسها اللاهثة.. مصدومة بسؤاله.. مستنكرة سؤاله التافه.. كان يبدو مجنونًا مرعبًا بطريقة جعلت قلبها يئن من شدة الخوف..
انتفض جسدها وهو يصيح بها بعصبية:
– اجيبي.. من؟ من هو حبيبك؟

حينما لم يجد منها غير الصمت المستمر ابتسم بقسوة وقال:
– احمد حبيبك أم انا؟ اجيبي.

بخشونة وحقد زمجرت ياقوت:
– لا تجلب اسمه على لسانك.. لن اسمح لك.

هتف ساري بإحتدام وهو يقبض على فكها:
– انت لن تسمحين لي؟!! انت!!! لا تنسي من انا!
ترك فكّها بعنف مؤلم ونهض عنها وهو يحاول أن يهدأ ولا يؤذيها بعصبيته التي لن تقدر على تحملها دون أدنى شك..
استأنف ساري بتهديد جاد:
– دعيني المح مجرد دمعة واحدة تنزل من عينيك لأجله أو المحك فقط تفكرين مجرد تفكير به!

وثبت ياقوت عن السرير وزأرت كلبؤة عاشقة متألمة:
– هل تظنني سأخاف منك أن افعل؟! انت السبب.. لو لم تفرق بيننا بظهورك اللعين في حياتي كنا سنكون لبعضنا البعض.. انت السبب في موته.. قهرته وقهرتني.. اكرهك وسأنتقم له منك! انت مجرد لا شيء.. مجرم.. حقي…

صفعة قاسية هوت على وجنتها اسكتت كلماتها الحاقدة المجنونة بينما تهوي هي على الأرض من قوتها..
أحست بشعرها يكاد يقتلع من جذوره وساري يشده لها بغضب أسود:
– لو قتلتك الآن لن يسأل أحد عنك.. اعتذري على ما تفوهتِ به كي لا اريك المعنى الحقيقي للإجرام والحقارة.

بعناد وتحدي رفضت:
– لن أفعل.. لم أعد اخاف منك يا همجيًا.

فقد أعصابه وهو يرفعها عن الأرض من شعرها بينما يصيح بها بنبرة مخيفة:
– لماذا لا تحبين سلامتك؟ لماذا تحبين أن اؤذيك وانت تدرين بجنوني؟ لماذا تهوين أن اعاقبك بأكثر الطرق ايلامًا؟ هل تظنين أن تحديك لي هو قوة؟! جنونك لن يزيدني الا جنونًا.

رغمًا عنها انهمرت دموعها على خديها بخوف وألم وحزن.. ثم غمغمت بوجع مرير نابع من اعماق روحها بينما تهدل كتفيها بعجزٍ منهك:
– انت قتلته وقتلتني.. كان كل شيء بالنسبة لي.. ومات مقهورًا مني ومنك.. مات مقتولًا وانت الوحيد الذي تكرهه.. فلا أحد يكرهه.. انا لم أخبره انني لست حزينة منه ولم اطلب العفو منه.. لقد تركني اعاني لوحدي بعد كل الاحلام…

حرّر ساري شعرها من قبضته ليمسك كتفيها بقهر ويقول بصراخ وغيرة قاسية:
– لقد مات.. انا زوجك انا.. لا يوجد شيء اسمه احمد في حياتك.. انا رجلك.. انا زوجك.. انا حبيبك الوحيد.. لا يحق لك البكاء عليه.. لقد تخلى عنك.. باعك.. انا الوحيد الذي يريدك كيفما كنتِ.. انا الوحيد الذي عليك أن تتمني قربه.. وذاك ممنوع أن تفكري به.. انا لوحدي ساري العرّابي رجلك!

دفعته ياقوت عنها بكراهية ثم بغضب أشوس رفعت يدها وصفعته بكل قوة..
– انت الوحيد الذي لا اريدك.. لا اريد ان افكر بك.. لا اريد ان اراك.. انت الوحيد الذي اريده خارج حياتي.. انت فقط.. طلقني.. طلقني واعدني الى اهلي!


يتبع..

رأيكم في الأحداث يهمني..
ساري وياقوت؟
غزالة؟
عائشة؟
قسورة ووعيده؟
قسورة وخنساء.؟

قراءة ممتعة..
مع حبي:
اسيل الباش

 

error: