رواية (المحترم البربري)

الفصل السابع عشر
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،

أشاحت بوجهها بعيدًا عن أنفاسه التي لاطمت وجنتها قدر المستطاع، فحركته الدفاعية المباغتة قد وضعتها في مأزق، ومع ذلك استمرت “آسيا” في إظهار قوتها رغم إحساسها بالضعف، عمد “معتصم” إلى تقريب وجهه منها لتصبح كلماته ذات تأثير حسي وشعوري قوي، ثم تابع قائلاً بنفس الخفوت الخطير:
-لأنك هتخسري في النهاية!
استجمعت “آسيا” مقاومتها الهاربة أمام تفاخره بقواه الذكورية عليها لتنظر له بأعين رافضة للهزيمة، تشنجت قسماتها صائحة فيه بتحدٍ لا يقل خطورة عن كلماته التي تستثير أعصابها:
-مش أنا
ثم رفعت ركبتها لتضربه أسفل بطنه بكل ما أوتيت من قوة، تأوه من الضربة المفاجأة وأرخى يديه قليلاً عن معصميها فمنحها ذلك الفرصة للتخلص من قبضتيه عنها، دفعته “آسيا” من صدره لتفسح لنفسها المجال ووثبت على الفراش لكنه كان الأسرع في تدارك نفسه، ولاحقها قبل أن تفر من أمامه، أمسك بها “معتصم” من ساقها مما أعاقها عن الحركة وسقطت على الفراش، جثا فوقها مثبتًا ذراعيها أعلى رأسها على الفراش قائلاً بنبرة شبه غاضبة:
-رايحة فين؟
لم يكن أمامها أي مهرب منه، لذا صرخت طالبة للنجدة آملة أن يتسبب ذلك في ردعه وربما فضيحة له:
-الحقوني، المجنون ده بيتهجم عليا
أرخى يده اليمنى عن ذراعها ليكمم فمها قبل أن تفضح أمره، ولكن لحسن حظها كان الطبيب “مصطفى” في طريقه للاطمئنان على صحتها فتفاجأ بما يحدث، تخشب في مكانه مصدومًا من رؤيتهما على تلك الحالة، تجمدت حواسه لوهلة وهو يطالعهما بنظراته المذهولة، فغر ثغره معتقدًا أن “معتصم” يعتدي عليها، فورًا أغلق باب الغرفة كي لا يلفت الأنظار إليه، أو أن تنتبه الممرضات إلى ما يحدث مما يضعه أمام طائلة القانون، هرول ناحية الفراش ليبعده عنها وهو يوبخه بحدةٍ:
-إنت اتجننت يا “معتصم”، إيه اللي بتعمله ده!
استخدم ذراعيه في إبعاد ثقل جسمه عنها متابعًا تعنيفه:
-عاوز تودي نفسك في داهية
التقطت “آسيا” أنفاسها وتراجعت زاحفة على الفراش للخلف لتهدد خصمها اللدود بصوتها اللاهث:
-أنا هابلغ عنك البوليس!
تحشرج صوتها لكنها استمرت في تهديدها قائلة:
-خليك شاهد يا دكتور، الراجل ده حاول يعتدي عليا وأنا مش هاسكت عن حقي!
توجس “مصطفى” خيفة من حدوث فضيحة وشيكة قد تضر بالجميع وربما بمستقبله المهني إن عرف أحدهم بذلك، توسلها راجيًا بتوترٍ:
-إهدي يا هانم بعد إذنك، مافيش داعي للشوشرة
ردت عليه بصراخ:
-إنتو لسه شوفتوا مني حاجة!
سد “مصطفى” بجسده الطريق على “معتصم” كي لا يقترب منها، ومع ذلك كان اندفاع الأخير منذرًا بصدام أشد شراسة خاصة حينما نطق بصوته الجهوري ومشيرًا بسبابته:
-وأنا مش خايف من الفضايح
شحب لون وجه “مصطفى” من فرط الخوف، فرفيقه لن يتراجع عن تهديداته، وتلك الشابة لن تتركه لشأنه، فبات هو رغمًا عنه في خط النيران بينهما، حاول أن يفض الاشتباك صائحًا بارتباك كبير:
-إنت مش في وعيك يا “معتصم”، تعالى معايا
ثم سحبه بأقصى طاقته نحو باب الغرفة ليضمن ابتعاده كليًا عنها، ومع ذلك ظلت نبرته المهددة تصدح عاليًا:
-مش هاسيبك يا “آسيا”
صرخت فيه بعصبيةٍ:
-وأنا هاوريك مقامك!
دفعه “مصطفى” دفعًا نحو الخارج هاتفًا فيه:
-مش وقت حساب، امشي برا لو سمحت!
وبصعوبة بالغة تمكن من إخراجه من الغرفة بأقل الخسائر المحتملة، وبخه لتهوره قائلاً بضيق:
-إحنا في مستشفى يا “معتصم”، ينفع الجنان اللي عملته ده هنا؟ طب افرض ياخي أنا مكونتش موجود، كان إيه الحل دلوقتي؟ إيه عاوز تضيع نفسك وتعمل فضيحة من الهواء؟
رد عليه “معتصم” بنفاذ صبرٍ:
-سبني يا “مصطفى”!
رفض تركه وظل متشبثًا بذراعه قائلاً بعناد:
-لأ
زم الأخير فمه مرددًا بامتعاض:
-مش هاعملها حاجة، سبني بقى!
لم يجد بدًا من الاعتراض عليه خلال نوبة غضبه، فتركه مضطرًا وهو يرجوه:
-طيب، تعالى نتكلم في مكتبي!
نفض “معتصم” ذراعه في الهواء سائرًا بخطوات شبه متعصبة نحو مكتب صديقه، لكن ظلت انفعالاته هائجة داخل صدره، لا تجد ما يهدئها على الإطلاق.
……………………..…………………
تنفست الصعداء لوجود الطبيب في الوقت المناسب وإلا كان الأمر قد اتخذ منحنًا آخرًا، لملمت “آسيا” شتات نفسها واتجهت إلى خزانة الثياب المحفورة بالحائط لتبحث بين ضلفتيها عن ثيابها، التقطتهم بأيدٍ مرتعشة ثم اتجهت نحو المرحاض لتبدل ثيابها بالداخل، لم تبالِ بالوهن الناتج عن محاولة انتحارها، فتركيزها كان منصبًا على أمر بعينه وهو الهروب من هنا قبل أن يأتي ذلك المخبول من جديد ليعتدي عليها، وهي لن تصمد أمامه.
اتجهت “آسيا” نحو الرواق الفاصل بين غرف المرضى باحثة عن المخرج، حاولت أن تبدو هادئة وهي تسير كي لا ينتبه أحد لأمرها، وبمساعدة بسيطة من بعض الممرضين استطاعت أن تخرج من المشفى، اقتربت من الطريق الرئيسي ثم أشارت لإحدى سيارات الأجرة لتستقلها، بدأت في ترتيب أفكارها رغم التشوش الذي يشوب عقلها، فطنت إلى أن المكوث في منزلها ربما سيعرضها لمواجهة أخرى معه وهي في غنى عن ذلك – ولو مؤقتًا – ريثما تستعيد عافيتها وتعد أسلحتها لمجابهته، لذا الأسلم حاليًا أن تقيم في مكان آخر يؤمن لها الحماية، بالطبع لم تكن الخيارات متاحة، فهي لا تعرف إلا الفنادق كأماكن للإقامة، لذلك وقع اختيارها على فندق بعينه، أوقفت سيارة الأجرة أمام مدخل بنايتها آمرة السائق:
-استناني 10 دقايق هنا
التفت السائق ناحيتها قائلاً بوجهٍ متجهم:
-بس الأجرة يا مدام هتزيد والبنزين غالي و…
قاطعته بصرامة ومشيرة بيدها في نفس الآن:
-شششش، هاديك كل اللي انت عاوزه، خليك مستنيني زي ما قولتلك
اعتلى ثغر السائق ابتسامة عريضة وهو يقول:
-ماشي يا ست الكل، تحت أمرك طالما كله بحسابه
تفاجأ حارس البناية بعودة “آسيا” بعد برهة من ذهابها للمشفى، هلل صائحًا وقد هب واقفًا من مكانه لاستقبالها:
-حمدلله على السلامة يا ست هانم، احنا اتوغوشنا عليكي و…
رمقته بنظرة متعالية قبل أن تقاطعه بصوتها الآمر:
-بطل رغي، وتعالى ورايا خد الشنط من فوق
سألها الحارس بفضول وهو يحك مؤخرة رأسه:
-هو حضرتك مسافرة؟
توقفت عن السير لتحدجه بنظرة عدائية جعلته يتراجع خطوة للخلف وهي تنهره:
-إنت هتحقق معايا؟
ابتلع ريقه قائلاً بارتباك متلعثم:
-هو العين تعلى على الحاجب؟ ماتخذنيش يا ست الكل!
واصلت سيرها المتعجل فحاول الأخير اللحاق بها قائلاً بحذرٍ:
-يا ست هانم، مفتاح الشقة معايا
استدارت ناحيته كليًا لترمقه بنظرات مخيفة فتابع موضحًا قبل أن تسيء تفسير الأمور:
-ماهو أصل حضرتك لما غميتي الباب كان مفتوح، وأنا خوفت على الشقة لا تتسرق، فقفلتها بمعرفتي
سحبت نفسًا عميقًا فراقبها بتوتر شديد، لفظته دفعة واحدة لتقول بعدها:
-أوكي، هات المفتاح
دس يده في جيب جلبابه ليخرجه منه مرددًا:
-اتفضلي يا ست هانم
تناولته منه وأكملت خطاها في اتجاه باب منزلها لتفتحه، ظن الحارس أنها ربما ستكافئه لأمانته معها، لكن خابت توقعاته ولم يحصل على شيء، امتعض وجهه وعبست ملامحه، تردد في مفاتحتها في مسألة (النفحة) المادية، لكن حسم أمره بطلبها بسماجة منها، فرسم على شفتيه ابتسامة سخيفة متسائلاً:
-مافيش حاجة كده تشجيع يا ست هانم؟
نفخت مرددة بنفاذ صبر:
-يووه، بعدين، بعدين
لوى ثغره هامسًا بسخط كبير:
-أدي أخرت المعروف!
ظلت تعابيره واجمة مزعوجة من عدم تلقي ما كان يطمح فيه من أموال، وانتظر عند عتبة المنزل ليحمل حقيبتها كما أمرته، وما إن خرجت عائدة حتى أعطته بقشيشًا سخيًا ليكف عن ملاحقتها بإلحاحه الممل، وما إن دس المال في جيبه حتى أسرع بحمل حقيبتها بتلهف واهتمام مبالغ فيه قائلاً:
-تُشكري يا هانم، يدوم الكرم يا رب
صاحت فيه بحدة:
-بطل رغي ونزل الشنطة للسواق
-حاضر
قالها وهو يسرع في خطواتها منفذًا أمرها وثغره يعلوه ابتسامة رضا فقد نال مبتغاه بسماجته في الأخير.
……………………..……………….
-ده اسمه كلام يا “معتصم”؟ بقى في واحد عاقل يعمل كده؟ لأ وهنا كمان!
تساءل “مصطفى” بتلك العبارة المعاتبة لأسلوب رفيقه الحاد في التعامل مع “آسيا” بعد أن انفرد به بمكتبه، لكن بدا الأخير غير نادم على ما أقدم عليه، كانت تعابيره مشدودة على الأخير، ونظراته محتقنة بصورة مقلقة، ظل يتنفس بعمق ليسيطر على الحالة المستعرة بداخله، دومًا لا يجد التفسير المنطقي لتصرفاته الهمجية معها، لكنه متيقن من كونها أيقونة للاستفزاز واستثارة الأعصاب، فمعرفته المسبقة بتاريخها الغير مشرف يدفعه دفعًا لمعاملتها بتلك الطريقة الدونية المهينة، دس يديه في جيبي بنطاله وأخذ يجوب الغرفة جيئة وذهابًا محتفظًا بما يفكر فيه بداخل عقله، صاح فيه صديقه بنفاذ صبر:
-رد عليا يا “معتصم”، هو أنا بأكلم نفسي؟
التفت رفيقه نحوه قائلاً بعبوس:
-خلاص يا “مصطفى”، أنا اتخنقت، كفاية كلام عنها!
واصل رفيقه توبيخه له مرددًا بنفس النبرة الجادة:
-علشانك غلطان
رد “معتصم” بعصبية ملحوظة وقد تعقدت ملامحه:
-لأ، بس هي بني آدمة مستفزة، تفور الدم، إنت مش عارف حاجة
توجه ناحيته ليقف قبالته ثم رد بعتابٍ:
-ومش عاوز أعرف، بس دي مريضة، جاية في محاولة انتحار، وشوفتك وإنت بتحاول تعتدي عليها، عاوزني أفهم إيه؟
لم يتحمل “معتصم” أن يتم اتهامه بشيء لم يفعله، قهدر بصوت غاضب:
-كدابة، ده محصلش، أنا كنت بأتفاهم معاها
لوى “مصطفى” ثغره متسائلاً بتهكم:
-بجد! ده بقى أسلوب جديد للتفاهم؟!
رد مبررًا تصرفه معها بخشونةٍ:
-هي ماينفعش معاها إلا كده، وبعدين لو سبتها تعمل ما بدالها هتضيعنا كلنا، بما فيهم أمي
أشار بكف يده قائلاً بوجه ممتعض:
-ماشي، إنت عندك مبرراتك، بس هي طالما جت عندي المستشفى بقت مريضة وليها حق العلاج
زفر “معتصم” هاتفًا بتأفف وهو يشيح بوجهه:
-“مصطفى”، فكك من جو المثاليات ده، محدش عايش في العالم الأفلطوني بتاعك
تحولت نبرته للقتامة وهو يكمل:
-اللي زيها جاي من مستنقع قذارة، متعودة على الطريقة دي، دي متعرفش معنى الاحترام والأخلاق
ورغم استنكار “مصطفى” لوصفها بتلك الصفات إلا أنه رد مدافعًا عنها:
-وإن يكن، هي مريضة وليها حق عليا
بدا “معتصم” مزعوجًا من دفاعه عنها، لكن ظل رفيقه على موقفه نحوها، ثم أضاف بهدوء ليمتص حدة الأجواء:
-عمومًا مش هاتكلم معاك في الموضوع ده لأن واضح إن التفاهم هايكون صعب أوي، بس أتمنى إنك تهدى وتفكر بالعقل شوية وخصوصًا معها
رد باقتضابٍ:
-إن شاء الله
أشار له بيده متابعًا:
-طب يالا بينا، أنا هاوصلك
اعترض عليه بوجوم:
-معايا العربية
ابتسم له “مصطفى” هاتفًا بمزاح وهو يربت على كتفه:
-طيب هننزل سوا، ما هو أنا بصراحة ماضمنكش
تصنع “معتصم” الابتسام وهو يسير إلى جواره بخطواتِ شبه متهادية، فقد خبت ثورته نوعًا ما، لكن تضاعفت كراهيته لـ “آسيا” وزادت عدائيته نحوها، وما إن تأكد “مصطفى” من وجوده بسيارته حتى استطرد قائلاً:
-اسبقني إنت، أنا هاطلع أبص على حاجة
-مش كنت خلصت
-أيوه، بس بصراحة مقلق من موضوع “آسيا”، جايز تعملنا شوشرة وأنا عاوز أكلمها نلم الدور و….
تبدلت تعابيره للتجهم ونظراته للإظلام، قاطعه صائحًا بعبوس:
-كمان هتسترجاها؟
توجس خيفة من تقلب مزاجه، فرد بحذرٍ:
-لأ، بس ماتنساش إنها ممكن تتهمك بحاجة و…
هدر بعصبية وغير مكترث بما يمكن أن تفعله:
-أعلى ما في خيلها تركبه، تجدعن بس وتوريني هاتعمل إيه!
زفر “مصطفى” باستياء من ردة فعل رفيقه فقد كان الأخير متحجر التفكير فيما يخصها رافضًا الإنصات لصوت العقل، تمتم مع نفسه هامسًا:
-ربنا يستر من اللي جاي!
……………………..……………………..
نفضت شعرها المعقود بخصلة منه للخلف وهي تتبع خطوات العامل نحو غرفتها التي قامت بحجزها في أحد أشهر الفنادق، لم تكن “آسيا” قادرة على القيادة لذا تركت سيارتها عند البناية وأكملت مشوارها مع سائق سيارة الأجرة الذي بدا متحمسًا بعد أن تقلى منها أجرة مضاعفة نظير انتظاره لها، كذلك أعدت بعض النقود لتمنحها للعامل فور أن يضع حقيبتها بداخلها، استدار الأخير نحوها قائلاً بروتينية رسمية وهو يبتسم بتكلفٍ:
-إقامة سعيدة يا فندم
ردت “آسيا” متصنعة الابتسام:
-ميرسي
ثم مدت يدها بالنقود ليلتقطها منها، تابع قائلاً بعد وضع ما منحته إياه في جيبه:
-حضرتك لو احتاجتي أي حاجة دوسي زيرو في التليفون والريسبشن هيرد عليكي و…
قاطعته بإرهاقٍ:
-أنا عارفة، شكرًا
رد محافظًا على ابتسامته الباردة:
-تحت أمرك يا هانم، شرفتينا
راقبته وهو ينصرف مغلقًا الباب خلفه لتلقي بثقل جسدها على الفراش، كانت عضلاتها تئن من الأوجاع، وجسدها لم يكن بحالة جيدة بعد تجربة الانتحار، أما عن نفسيتها فقد بلغت الحضيض، كانت بحاجة لمن تشكو له همومها، بمن يشعر بما يختلج صدرها من آلام وأثقال أتعبتها حتى انهارت في لحظة ضعف ربما ستكرر إن تعرضت لنفس الضغوط من جديد، لكنها لم تجد من يحتويها، من يضمها إلى صدره ليطمئنها ويقول لها – ولو حتى كذبًا – أن الأمور ستكون بخير، أدركت أنها وحيدة بالفعل رغم وجود أبويها على قيد الحياة، شعرت بالخواء والفراغ، فقدت رغبتها في الحياة، اكتفت بالاستلقاء والتمدد على الفراش لتنسى كل ما مرت به خلال ذلك اليوم الطويل، خاصة وجه خصمها الذي انتزع ما افتقدته بالكامل منذ نعومة أظافرها ليحظى هو به؛ “معتصم”.
……………………..…………………….
لم تنم ليلتها وابنتها الوحيدة راقدة بالمشفى لا تعرف حالتها بعد، توسلها زوجها أن تمنح جسدها حقه في الراحة لكنها رفضت الاستماع له وأصرت على البقاء مستيقظة ريثما يبزغ الفجر، جلس “وحيد” إلى جوارها على الأريكة قائلاً برجاء:
-يا “نادية” ماينفعش كده، نامي بس ساعتين، خلاص الفجر إدن والنهار شقشق والزيارة مش قبل الضهر
ردت محتجة بإصرارٍ:
-مش عاوزة يا “وحيد”، من فضلك سيبني على راحتي!
سألها بضيقٍ:
-يعني عاوزة تقعي من طولك؟
أجابته بقلب أم متلهفٍ:
-لأ، أنا عاوزة أشوف بنتي!
حاوطها من كتفيها قائلاً بابتسامة صغيرة:
-حاضر يا “نادية”، هايحصل، بس لسه بدري
تابعت مرددة بتوجسٍ:
-“معتصم” كمان مجاش، أكيد في حاجة حصلت ومش عاوز يقولي!
سحب “وحيد” نفسًا عميقًا لفظه ببطء قبل أن يرد:
-يا ستي أنا كلمته، وهو في الطريق، وبيطمنك عليها
وكأن في كلماته البلسم لها، سألته باشتياق مضاعفٍ:
-بجد يا “وحيد”؟ هو قالك إن “آسيا” كويسة وفاقت
رد موضحًا:
-ما إنتي بنفسك سمعتي د. “مصطفى” وهو بيقول كده، وزيادة تأكيد “معتصم” طلع بص عليها وقال إنها بخير
-يعني هو شافها؟
-أيوه
تنهدت قائلة بامتنانٍ:
-ألف حمد وشكر ليك يا رب
-وجايز كمان يقنعها تيجي تقعد معانا
ردت بنبرة متلهفة وكأنها تتمنى حدوث ذلك
-يا ريت والله، ده اليوم اللي بأحلم بيه، إن بنتي تيجي تعيش معايا هنا وأعوضها عن السنين اللي فاتت
ربت على كتفها برفق ثم طلب منها بهدوءٍ:
-هايحصل يا حبيبتي، قومي بقى ارتاحي علشان لما تشوفيها
أومأت برأسها تلك المرة موافقة وهي ترد:
-حاضر
ساعدها “وحيد” على النهوض من على الأريكة، تأبطت في ذراعه وسار الاثنان سويًا نحو الفراش ليتمددا عليه، امتلأ قلب “نادية” بالآمال العريضة لرؤية ابنتها باكر، وما زاد من حماسها هو كلمات زوجها الأخيرة باحتمالية قدومها للعيش معهم، أغمضت عينيها بارتياح طامعة في نفسها أن تحمل الساعات القادمة السعادة لـ “آسيا” ……………………..…………….. !!
……………………..……………………..……

 

error: