رواية الحبُ.. أَوْس

الفصل التاسع

انخفضت عيناه نحو تلك اللطخة التي أشارت إليها بعينيها المحتقنتين، بدا “أوس” واجمًا لبرهة وقد فهم سبب عصبيتها البائنة في نبرتها، قست نظرات “تقى” وتحولت للحدة حينما لاحظت صمته وفسرت الأمر على كونه يحاول اختلاق كذبة ما تبدو مقنعة بالنسبة لها ليبرر وجود تلك البقعة المثيرة للشكوك، كانت على وشك سحب قبضتها من أسفل يده حينما تمسك بها وشدد من أصابعه عليها، تشنجت صائحة بنبرة منفعلة:
-ده اسمه إيه يا “أوس”؟
رد عليها بهدوء عقلاني ليمتص ثورتها الأنثوية الغاضبة قبل أن تندلع من لا شيء:
-ولا حاجة
ضاقت عيناها من جوابه الفاتر، هتفت متسائلة بغيظٍ:
-يعني إيه ولا حاجة؟
تنفس “أوس” بعمق ليحافظ على ذلك الهدوء الحذر الذي يعتري ملامحه قبل أن يتابع بنبرة غير مبالية:
-موقف مالوش لازمة من “رغد” عشان تستفزني وتحرجني قصاد ضيوفي في الاجتماع
ارتفع حاجبها للأعلى متسائلة بوجه مشتعل:
-عادي كده؟
رد بجدية رغم هدوء نبرته:
-أها، هي عاوزة تعمل كده، بس أنا وقفتها عند حدها
تظل الأنثى كما هي في عقليتها مهما كانت رقتها، طباعها، ثقافتها الفكرية، أو حتى طبقتها الاجتماعية فحينما يتطرق الأمر لأنثى غيرها تتحول إلى شخص آخر مليء بالعدوانية والشراسة، أطلت شرارات الحنق من عيني “تقى” ثم عقبت باستنكارٍ وقد بدت غير مقتنعة بأي حرف مما يمليه على مسامعها:
-بالبساطة دي!
أومأ مضيفًا باقتضابٍ واثق:
-أيوه
ارتفعت نبرتها نسبيًا معلقة وهي تجذب يدها بقوة لتتحرر من قبضته:
-إنت كداب!
حملت جملتها إهانة صريحة واتهامًا لن يقبل به أبدًا، ضرب “أوس” بكفيه على الطاولة بعنفٍ صائحًا بخشونة ومدافعًا عن نفسه:
-مش محتاج أكدب يا “تقى”
تحولت نظراته للقسوة وهو يكمل:
-قولتلك “رغد” بنت عمي، وجت مخصوص عشان تعمل كام حركة تستفزني بيهم في الفندق، إيه الكدب اللي في كلامي؟!
هبت واقفة على قدميها ثم انحنت نحوه لتجذب المنديل من جيبه بإصبعيها، لوحت به أمام وجهه صارخة بنفس الصوت المتعصب:
-والروج اللي أنا شيفاه من الحركات دي؟!!!
ربما هي محقة في غيرتها عليه، حاول إقناع نفسه بذلك، وأخذ انفعالها على محمل الجد، زفر بصوتٍ مسموع ليقول بعدها بتريث عقلاني متحايلاً عليها:
-حبيبتي افهمي آ…..
صرخت محتجة:
-ماتقولش حبيبتي وإنت بتخوني!
احتدت نظراته من اتهامها الباطل، وتحولت ملامحه للجمود والتحجر وهو يرد معترضًا:
-“تقى”
لمعت حدقتاها بعبرات مترقرقة وحبيسة، نظرت له بعتابٍ لم يتحمله، نفخ بعمق كابحًا غضبه قبل أن يندلع من مكمنه ليقول ملطفًا:
-أنا من يوم ما عرفتك ومافيش واحدة غيرك في حياتي، مش عشان مقدرش أعمل كده، بس لأني بأحبك فعلاً
ثم مــد ذراعيه ليتلمس كتفيها لكنها انتفضت بعيدًا عنه صارخة فيه بسؤال مباشر وكأن عقلها حُجب عن التفكير المنطقي:
-ليه تعمل كده؟
هدر بنفاذ صبر وقد وضع قبضيه على كتفيها يهزها بقوة طفيفة علها تتخلى عن عنادها العقيم وتصغي لصوت العقل:
-يا “تقى” أنا مخونتكيش
نفضت ذراعيه متراجعة للخلف رافضة تصديق ما يقول، انسابت عبراتها عفويًا وتشوش تفكيرها بالكامل، ودون أي مقدمات اندفعت نحو صحون الطعام وأطاحت بكل ما فيها صارخةً بهياج:
-مالوش لازمة ده كله
ألقت بجنون الصحون وقذفت بالشموع المشتعلة عن الطاولة لتسقط على السجاد، وفي أقل من لحظة تحول كل شيء إلى فوضى عارمة، تفاجأ “أوس” بردة فعلتها المتهورة، خشي من حدوث الأسوأ، فالتف خلفها ليمسك بها من رسغيها قاصدًا تثبيتها وإيقافها عما تفعل، شدد من ضمه لها ومن إلصاقها بصدره وهو يرجوها:
-اهدي يا حبيبتي
بكت صارخة بانفعالٍ قد عايشه من قبل:
-ليه تعمل كده؟!
أوغر صدره كلماتها رغم براءته من أي شكوك، نفض خلف ظهره ما يظهر منها من عتابٍ قاس حتى ترضخ لصوت القلب وتتخلى عن ظنونها الواهية، سحبها بعيدًا عن الطاولة هامسًا لها بتأكيد:
-اقسم بالله ما حبتش حد إلا إنتي ولا هاحب حد غيرك!
كانت مغيبة عنه، تبكي بهيسترية، منساقة خلف شيطان رأسها، مصدقة لما زرعه فيها من شكوك أفسدت ليلة رومانسية وحولتها لجدال محتدم، لم يتخلَ “أوس” عنها وتفهم طبيعة تفكيرها، فالنساء تتشابه في اعتقادها في تلك الأمور، أدارها ببطءٍ دون إفلاتها، ثم أحنى جذعه للأسفل قليلاً ليتمكن من حملها بين ذراعيه، سار بها نحو غرفتهما راجيًا إياها أن تكف عن البكاء والصراخ، لم ينتبه لتلك الشرارة الصغيرة التي سقطت عن الشمعة المشتعلة الملاقاة أعلى السجادة فوجدت بيئة جيدة لإشعال جذوة أشد حرارة وخطورة.
……………………..……………………..………..
جلست ضامة ركبتيها إلى صدرها على الفراش محدقة أمامها في صمت وبنظرات شاردة، قاومت “ليان” تلك الرجفة الخفيفة التي اقشعر منها بدنها، تأملها “عدي” باستغرابٍ وهو يمسح وجهه بالمنشفة، وقف عند عتبة الحمام مسلطًا أنظاره عليها ومتعجبًا من حالتها المريبة، ألقى المنشفة بإهمال خلفه، ثم اقترب منها وجلس بجوارها على الفراش، نظرت له بذعر متفاجئ حينما حاوطها من كتفيها، سألها مندهشًا من تصرفها المثير للشكوك:
-مالك يا “ليوو”؟
ازدردت ريقها قائلة بتلعثم ملحوظ وهي تطالعها بنظراتها المتوترة:
-مافيش
ربت على كتفها بحنوً هاتفًا:
-مش عاوزك تشيلي هم المذاكرة، كله هيعدي
تصنعت الابتسام فأضاف بحماسٍ بائنٍ في نبرته ونظراته:
-بأقولك إيه تيجي أعملك عشا حكاية بدل ما نطلب ديلفيري؟ نفتكس أي حاجة ونعك سوا
اتسعت ابتسامتها التي أخفت خوفها مع مزاحه اللطيف، ثم ردت عليه موافقة بتنهيدة خافتة:
-اوكي
عاونها على النهوض من الفراش دون أن يحرر كتفها من ذراعه متابعًا بنبرة متشجعة مليئة بالتفاؤل:
-يالا يا بيبي، وبالمرة تتعلمي وتكتسبي خبرة من خبراتي المحدودة في المجال ده
اكتفت بالإيماء برأسها وسار الاثنان سويًا إلى خارج الغرفة ثم هبطا الدرج ليتجها نحو المطبخ، أرخى “عدي” ذراعه عنها ليقول:
-احنا ندور على مكان الحاجة ونشوف هنعمل إيه، ماشي؟!
انصاعت هامسة:
-أوكي
تبعته “ليان” في صمت، وانتظرت بفتور ما سيمليه عليها من أوامر ليشرعا في إعداد وجبة خفيفة على العشاء، فتح “عدي” الثلاجة مخرجًا منها بعض البيض وعلبة الجبن، واللحوم المدخنة، وغيره مما وجده يصلح للتناول، وضعهم على الطاولة التي انتصفت المطبخ ثم هتف بجديةٍ:
-“ليوو” اقلي البيض، عندك المقلاية هناك والسمنة أهي، دي حاجة بسيطة
ثم غمز لها بعينه مضيفًا بتسلية:
-مش عاوز فيها بسطرمة، فهماني طبعًا!
حكت جبينها بخجلٍ ملحوظ، فلم تكن تجربتها السابقة في إعداد البيض المقلي بالناجحة، أخرجت تنهيدة متعبة من جوفها وهي ترد:
-اوكي
أحضرت “ليان” المقلاة ووضعت بها القليل من السمن كما أرشدها زوجها، ثم بدأت في كسر البيض، كانت شاردة الذهن فلم تنتبه لمعظم ما تفعله، بدت كالآلة المبرمجة وهي تتحرك لتنفذ ذلك الأمر البسيط، ومع ذلك ألقت بمحتوى البيض في القمامة ووضعت القشر في المقلاة، استدار “عدي” نحوها ليرى ما الذي تفعله، اتسعت حدقتاه عن دهشة مصدومة وهو يرى ثقتها العمياء وهي تقلب القشور التي لا تصلح لشيء، ركز بصره عليها ليتأكد أنها بالفعل واعية لما تفعل، سألها وهو في حالة صدمة تامة:
-إنتي بتعملي إيه؟
ردت عفويًا وهي تهز كتفيها:
-بأسوي البيض، بس هو مش عاوز يتحمر!
-مش هايحصل يا “ليوو”، ده أخر يتحرق!
دققت النظر فيما تفعله، إلى حد ما كانت شبه مغيبة عن إدراك خطئها، علق عليها “عدي” مازحًا:
-والله أنا كنت عاوز اللي جوا البيضة مش قشرها، بس طالما منك مقبولة!
انفرجت شفتاها عن دهشة عجيبة، استوعبت الأمر بالفعل، التفتت نحوه لتنظر له وهي ترمش بعينيها وقد بدأت دمعاتها في التجمع عن طرفيها، اعتقد أنها ربما انزعجت من سخريته منها، أسرع بأخذ المقلاة منها قبل أن تحترق على شعلة النار، علق عليها مبتسمًا محاولاً التهوين عليها:
-عادي يا بيبي، ياما بيحصل، أنا ماليش نصيب معاكي أكل بيض مقلي خالص، نقضيها سندوتشات جبنة!
تلمس بيده الأخرى وجنتها ليداعبها برفق، أغمضت عينيها بوهنٍ حينما شعرت بذلك الدوار الغريب يزحف نحو رأسها، لم تقاومه من الأساس، كانت بحاجة لما يساعدها على الهروب ولو مؤقتًا من التوتر المنهك لقواها العقلية، ترنح جسدها للخلف معلنًا عن إغمائها المفاجئ، بادر “عدي” بتلهفٍ على الإمساك بها قبل أن تسقط وترتطم رأسها بحافة الطاولة، ضمها إلى صدره بذراعيه، تركز بصره على وجهها الذابل مرددًا بجزعٍ:
-“ليـــان”!
لم يفهم ما الذي أصابه لتفقد وعيها هكذا دون مقدماتٍ، انتابته حيرة قلقة وهو يتفقدها بنظرات شاملة، أطبقت أصابعه على فكها وظل يربت على وجنتها برفق علها تستفيق متابعًا ندائه الخائف:
-ردي عليا يا “ليوو”
……………………..……………………..
تلوت بجسدها بتشنجٍ وركلت بساقيها في الهواء لتتحرر منه رافضة أن يحملها بأي صورة، وكعادته حينما تنفلت زمام الأمور يلجأ للجمود والصرامة في التعامل، بدت مقاومتها وحركاتها الانفعالية لا تقارن بثباته وقوته الجسمانية، اتجه “أوس” بزوجته إلى غرفتهما، وبرفقٍ حذر مدد جسدها على الفراش، لم يترك لها المجال للهرب، بل جثا فوقها ليقلل من حركتها، ثم رفع ذراعيها أعلى رأسها وثبتهما بقبضتيه، حدق فيها بنظراته القوية هاتفًا بخشونةٍ:
-“تقى”، اهدي، مالوش لازمة اللي بتعمليه ده
زادت مقاومتها الشرسة له قاصدة التخلص من ثقله عليها، صرخت به بنبرة مهتاجة:
-ابعد عني
رد عليها بصوته الصارم:
-لما تسمعيني الأول
هزت رأسها رافضة وهي تقول:
-مش عاوزة، سيبني بقى، إنت إيه مابتحسش؟
أوجعته جملتها الأخيرة وجعلت عيناه تحتدان بدرجة مخيفة، أرخى كفيه عنها معتدلاً في جلسته ورامقًا إياها بنظرة قاسية تحمل العتاب الغليظ، ثم علق عليها هادرًا:
-براحتك يا “تقى”، بس خليكي فاكرة عنادك وصلنا لإيه!
زحفت بمرفقيها بعيدًا عنه لترد بقسوةٍ وغضبها الثائر متناثر في الأجواء:
-إنت بتدور لنفسك على أي مبرر عشان أصدقك بيه، اللي فيه طبع مش بيغيره يا “أوس” باشا، وإنت اتعودت على القرف ده!
قست نظراته وهاجت دمائه على الأخير، عض على جانب شفته مغتاظًا من هجومها الباطل عليه، هو يسعى لإقامة حب قائم على الاحترام والثقة والعطف والود، وهي في المقابل عند أول فرصة تسنح لها تتذرع افتعال المشاكل من لا شيء لتفسد بغبائها المستحكم ما يجاهد لفعله، قبض على ذراعها معتصرًا إياه بقوة هاتفًا من بين أسنانه المضغوطة:
-قولتلك أنا اتغيرت
تألمت من قسوة قبضته عليها، تأوهت قائلة:
-آه، إنت بتوجعني
ترك ذراعها ليقول بنفاذ صبر وقد بلغ ذروة حنقه وتحمله:
-أنا بأعمل كل حاجة عشان أثبتلك حبي، وأرضيكي، وتحسي معايا بالأمان، وإني فعلاً واحد تاني نضيف من برا ومن جوا، وإن مكانش عشان خاطرك فعشان خاطر بنتي، إنتو عيلتي اللي بجد، مش معقول هاضيع كل ده عشان كلام فارغ في دماغك إنتي وبس؟
ردت عليه بعصبية:
-مش كلام، والدليل إنت جاي بيه
هب واقفًا من على الفراش كي لا يتهور ويتصرف برعونة مزيدًا الأمور تعقيدًا، زفر بصوت مسموع موضحًا بجدية:
-“رغد” إنسانة حقودة، افهمي ده كويس، جاية عشان تنتقم وبس!
وضعت “تقى” يديها على أذنيها رافضة الاستمتاع لحججه الواهية من وجهة نظرها، صرخت بهيسترية:
-أنا تعبت من كل حاجة
حدجها بنظرة عكست الكثير من مشاعره المزعوجة بداخله والرافضة لحماقتها، هي لا تمهل نفسها الفرصة للتريث والحكم على الأمور بشكل منطقي، بالطبع لن يستسلم لإغواء أي امرأة مهما كانت تمتلك من مقومات مغرية تُذهب عقول الرجال وتسلب ألبابهم، لم يكن هذا بطبعه حتى وإن كان يمارس الرزيلة سابقًا، لم يسل لعابه على أنثى من قبل، فقد كانت هواجسه مسيطرة عليه وتحفزه لارتكاب أمور بعينها ليشبع تلك النزعة المريضة بداخله حتى قابلها وشرعت علاقتهما الشائكة في اتخاذ منحنًا جديًا، فتخلى عن كل شيء لأجلها ولازم العلاج النفسي ليقوم من انحرافاته غير السوية، وضع “أوس” يده على رأسه الذي يكاد ينفجر ليضغط عليها، تركته “تقى” في مكانه على وضعه المتأجج لتهرول نحو الحمام، ثم أوصدت الباب خلفها مفضلة الانزواء به باكية بحرقة وضيق.
……………………..……………………..
في تلك الأثناء، تضاعفت الجذوة وتحولت إلى ألسنة لهبٍ تغذت بشراهة على السجاد والمنسوجات المتناثرة على الأرضية لتزداد وهجًا وشراسة، بات المكان مثاليًا لاندلاع حريق مرعب، لحظات بسيطة وتصاعد الدخان سريعًا بعد أن انتشرت النيران في أجزاء كثيرة، التقط جهاز الإنذار الرائحة فبدأ يصدر صافرة مدوية، وعلى إثر ذلك الصوت المفزع انتبه “أوس” واستدار برأسه للجانب، خرج من الغرفة ركضًا ليجد مشهدًا مهولاً من الجحيم ينتظره بالخارج، تراجع بجسده مذعورًا وقد شخصت أبصاره، كيف حدث ذلك؟ لم يكن الوقت مناسبًا للبحث عن إجابات مرضية، هرول عائدًا لغرفته ليدق باب الحمام على “تقى” بقبضته المتكورة صارخًا بها:
-“تقى”، افتحي الباب بسرعة، مش وقت عناد
أفزعها صوت الصافرة وجعل قلبها يهوى في قدميها، حركت القفل لينفتح الباب وهي ترد متسائلة بخوفٍ كبير:
-في إيه؟
قفز قلب “أوس” رعبًا بين ضلوعه، بل كاد أن يقتلع منه وهو يردد بهلعٍ:
-“حياة”!
لم يفكر مرتين، حاوط زوجته من كتفيها وخبأ رأسها في صدره ثم اندفع بها كالمجنون نحو غرفة ابنته القريبة منهما واضعًا يده على أنفه ليمنع تلك الرائحة الخانقة للدخان من اختراق رئتيه، سعلت “تقى” عدة مرات كدلالةٍ على اختناقها، تشبثت بـ “أوس” وهتفت له من بين سعالها الحرج:
-الحق بنتنا
رد مطمئنًا رغم الخوف المفزع الذي سيطر على كيانه بالكامل:
-متخافيش
توخى حذره وهو يمر في الرواق حتى وصل إلى الغرفة، ولج إلى الداخل فتركته “تقى” وركضت نحو فراش رضيعتها، حملتها بين ذراعيها وضمتها بقوة إليها لتحميها من النيران التي كبر حجمها بصورة مخيفة، مرر “أوس” عينيه سريعًا على محتويات الغرفة باحثًا عما يمكن أن يحمي زوجته وطفلته من الأذى، التقط أحد الأغطية الموضوعة على الرف بداخل خزانة الثياب الجانبية ثم فرده في الهواء ليضمهما به معًا قائلاً لها بثباتٍ يظهر الرجال في أصعب المواقف:
-مش هاسيب حاجة تأذيكم، خليكي واثقة فيا
ردت عليه ببكاءٍ مرتعد:
-احمينا يا “أوس”
ضمهما إليه بعد أن تأكد من تخبئة جسديهما بالغطاء لحمايتهما وهو يرد بتأكيد غير قابل للتشكيك:
-متخافيش
شدد من إحاطة ذراعيه لهما وكأنهما كنزه الثمين الذي يخشى فقده أو هلاكه، قادهما بحذرٍ مضاعف نحو الخارج، اختنق صدره من كم الدخان الكثيف الذي استنشقه وشوش الرؤية لديه كثيرًا، أدارهما في سرعة للخلف ليحميهما بظهره حينما سقطت إحدى الستائر المشتعلة فجأة، تلقى ضربة عنيفة تكاد تقصم الأظهر من تهاوي الثقل الخشبي فجأة عليه، تحمل الألم الشديد واستدار مكملاً سيره الحذر باحثًا عن مخرجٍ آمن لهما، لم يعبأ “أوس” بنفسه أو بما قد يصيبه من أذى، فشاغله الأكبر هو إنقاذ عائلته، سعل مختنقًا لأكثر من مرة حتى استطاع المرور بهما نحو تلك البقعة الصغيرة الخالية من ألسنة النيران والتي تنتصف الصالة، قادته بسهولة إلى باب المنزل، أخرجهما منه وهو بالكاد يتنفس، تدافع الجيران لنجدة جارهم ومنزله الذي يشتعل بالكامل، تدخل الآمن سريعًا بأجهزة الإطفاء كمحاولة أولية لإخماد النيران ريثما تصل عربات الإطفاء، أسرع أحدهم بسحب “أوس” وعائلته بعيدًا عن المنزل، نزع الأخير الغطاء عن زوجته ليتأكد من كونها بخير، سألها بتلهفٍ وقد انقطعت أنفاسه:
-“تقى”، إنتي كويسة؟
أجابته بوجه مرتاعٍ:
-أيوه
أخفض نظراته ليطالع رضيعته التي بكت فزعًا، تنفس الصعداء لكونهما بخير، تمتم بارتياح غير مسبوقٍ:
-الحمد لله
لم يستطع جسده المتألم الصمود أكثر من ذلك، تثاقلت حركته وارتخت عضلاته فهوى جالسًا على الدرج وقد بدا عليه الإعياء الشديد، نظرت له “تقى” بخوفٍ وهي تناديه:
-“أوس”!
……………………..……………………
أفاقت من حالة الإغماء المفهومة بالنسبة لها على صوته الذي كان قريبًا من أذنها، حركت “ليان” رأسها للجانب بتمهلٍ، وببطءٍ متريثٍ قامت بفتح جفنيها المتعبين، نظرت إلى “عدي” الذي كان على رأسها بنصف عين، في وضع ما بين الغفلة واليقظة، أغمضت عيناها متسائلة بصوتٍ خافت:
-حصل إيه؟
سألها بجدية متلهفة:
-“ليوو”، سمعاني؟
أجابته بزفيرٍ بطيء:
-أيوه
عاودت فتح عينيها لتنظر له مطولاً دون تعليق، كانت إلى حد كبير خائفة من إخباره بالحقيقة، شردت في تأمل وجهه بوجهٍ مبهم التعبيرات، أردف “عدي” ممازحًا:
-مكانش شوية بيض طلبتهم، أنا محقوقلك
سعلت وهي تضحك، ثم سألته باهتمامٍ:
-أنا إيه اللي جابني هنا؟
أجابها موضحًا:
-إنتي دوختي في المطبخ وأغمى عليكي وأنا جبتك على هنا
مسد على رأسها برفق، تحرك من مكانه ليلتصق بها ثم مرر ذراعه خلف ظهرها لتشعر باحتوائه لها بين أحضانه، قبل جبينها متسائلاً:
-حاسة بإيه دلوقتي؟
رفعت “ليان” عيناها لتحدق في ملامحه بتردد مقروء، كان في شدة احتياجها لمن تفضفض له، وذلك السر يجثم على صدرها بصورة خانقة، توترت أكثر حينما سمعته يضيف:
-أنا كلمت الدكتور ولما هايجي هيطمنا
ردت عليه بحلقٍ جاف:
-مافيش داعي
رفض تهاونها في تلك المسألة مرددًا بإصرار:
-يا حبيبتي لازم نطمن، الموضوع ده لو كان حصل وإنتي سايقة، محدش عارف كان ممكن آ…..
قاطعته لافظة ما في جعبتها دفعة واحدة لتزيح ذلك العبء عن صدرها:
-“عدي” أنا حامل
رد بجدية غير مستوعبٍ لما باحت به توًا:
-مش سبب يعني إنك آ…..
قطم عبارته مصدومًا وقد تجمدت عيناه على وجهه المتوتر، شعر بدقات قلبه تتلاحق بقوة، ابتلع ريقه متسائلاً ببلاهةٍ:
-هــاه، قولتي إيه؟
أجابته وقد انكمشت على نفسها وهي بين أحضانه:
-أنا حامل ومكونتش أعرف
خشيت من ردة فعله، بل تذبذبت هواجسها مع نظراته ونبرته وذلك الحماس الفطري الذي كسا وجهه وانعكس على تصرفاته معها، برقت عينا “عدي” بوميض يشع سعادة غير مسبوقة، ردد بتلعثمٍ:
-إنتي حـ… حامل!
أومأت برأسها هامسة بخفوت مرتبك:
-أيوه
هلل صائحًا وهو شبه لاهث الأنفاس:
-يعني أنا هابقى أب؟
أكدت له:
-أه
سألها بنفس الحالة المصدومة التي تمزج بين الفرح والذهول:
-بتهزري؟
هزت رأسها نافية وهي تعلق:
-لأ، أنا كنت عند الدكتورة النهاردة وأكدتلي ده، أنا حامل في شهرين
عاتبها برقة متصنعًا العبوس:
-حرام عليكي يا “ليوو”، ومخبية عليا ده من بدري، طب ليه كده بس؟
تبددت مخاوفها مع فرط السعادة التي ظهرت عليه، همست بارتباكٍ:
-أنا ….
قاطعها بتهليلٍ:
-إنتي الحب كله!
مرر أصابعه بين خصلات شعره مكملاً وهو يسلط نظره على بقعة في الفراغ:
-يــــاه، أنا مش مصدق نفسي، أنا هايبقى عندي بيبي صغير، مش معقول!
بدا كمن يحدث نفسه حينما أضاف:
-أنا عمري ماتخيلت ده، كنت مستبعد حاجة زي دي تحصل، أنا مش مصدق نفسي!
ثم التفت نحوها ليقبلها بشغف وهو يزيد من ضمه لها قائلاً:
-بأحبك يا “ليوو”
لاحت ابتسامة اطمئنان على ثغرها قضت على الكثير من خوفها، سألته بعينين ترمشان:
-إنت مبسوط؟
وضع يده على طرف ذقنها يتلمسه برفقٍ قائلاً لها:
-مبسوط بس؟ ده أنا هاطير من السعادة
أنزل قدميه عن الفراش ليستقيم واقفًا وهو يكمل:
-لازم أقول لأخوكي وأفرحه!
استدار برأسه باحثًا عن هاتفه المحمول مستأنفًا بابتسامة عبثية:
-عشان محدش يبقى أحسن من التاني، وإنتي يا “ليوو” قولي لمدام “تهاني”، دي هتفرح جدًا
وقبل أن يضغط “عدي” على زر الاتصال به، كان هاتفه يضيء برقمه، نظر إلى “ليان” رافعًا الهاتف نصب عينيها وهو يقول:
-شوفتي، أخوكي بيجي على السيرة
أجاب عليه بعد أن وضع الهاتف على أذنه ووجهه يعبر عن فرحة لا مثيل لها:
-باشا …
بتر باقي عبارته قبل أن يشرع فيه لتتحول تعابيره للوجوم المضطرب، تبدلت نبرته متسائلاً بعبوس مخيف:
-بتقول إيه ……………………..……………. ؟!!!
……………………..……………………..……….

يتبع >>>>>>>>

 

error: