رواية روضت الذئب بقلم اسراء على/كاملة

رواية روضت الذئب بقلم اسراء على الفصل السابع

ولكل مُستقبل سوءة ماضٍ يُخفيها حاضر مجهول

خرجت من المرحاض وهي تُجفف خُصلاتها لتجده قد إرتدى ثيابه وعلى وشك الخروج..قذف المنشفة على الفراش وإتجهت إليه تسأله

-رايح فين يار رائف!!…

وضع الساعة حول معصمه ثم إستدار إليها مُجيبًا إياها

-رايح أشوف ممكن أقدر أعمل إيه للبنت اللي حكتيلي عنها
-بالسرعة دي!!
-أومأ بـ رأسهِ وقال:وأسرع من كدا كمان..لو طلع عندك حق ورجعت التجارة بـ البنات دي تاني..يبقى لازم أتحرك بسرعة..الموضوع خطير…

شحب وجهها بـ التدريج لتتقدم منه تحتضن خصره قائلة بـ نبرة شبه مُتحشرجة

-لو الموضوع فيه أذى ليك..بلاش يا رائف..أنا أما صدقت رجعتلي
-داعب خُصلاتها المُبتلة وقال:هششش يا زهرة..متخافيش عليَّ جوزك سبع…

دفنت وجهها بـ صدره تُحرك رأسها نافية..لا تدري على ماذا تنفي..ألذهابه إن كان به ضرر!!..أو أنه ليس منيع ضد الخطر! وأنه سيطوله لا محالة

شدد على عناقها هو الآخر ليُقبل رأسها بـ حنو..ويده تتحرم على طول ظهرها ثم قال بـ هدوء ظاهري

-حبيبتي..مينفعش ترمي الطوبة فـ المياة من غير أما تحركها..وأنتِ رميتي طوبة وأنا لازم أتحرك..مينفعش أهرب…

أبعد رأسها عن صدره المُبتل بـ فعل خُصلاتها..ثم حاوط وجهها بـ يده هامسًا بـ نبرته العميقة

-أنا لما بدأت الموضوع دا من سنتين كان لازم أنيهه وأقفله..مش بس أعلقه وأسيبه فـ إيد حكومة يومها بـ سنة..وربنا كان له حكمة فـ رجوعي لهنا..وهو.أنهي الموضوع دا
-همست بـ نبرةٍ خفيضة:بس أنا خايفة
-قَبّل جبينها وهمس:وأنا أكتر منك…

نظرت إليه وقد تشوشت رؤيتها بـ فعل العبرات ليُزيلها بـ إبهاميه ثم أكمل

-بس مش خوف علي..خوف إني أخسر نفسي فـ أخسرك
-إتسعت عيناها وهي تُردد بـ تلعثم:أنت تُقصد إيه!!
-إبتسم إبتسامة لم تصل إلى عينيه وقال:مقصدش يا حبيبتي..مش عاوزك تخافي…

وهبط يُقبل ثغرها الكرزي بـ رقة ثم أُخرى على وجنتها وتركها واقفة بـ مُنتصف الغُرفة تضع يدها على قلبها ولسان حالها يُردد أن يحفظه الله

***********************************

لم تعي نظراته التي تلتهمها هي وصغيرته المُندمجة وبـ شدة..وضحكاتها البريئة تملأ وجهها فـ تُطرب قلبه وتُبهجه..ظلت عيناه مُركزة عليها حتى رفعت فجأة نهلة عيناها لتصطدم بـ خاصته التي لم ترتبك بل أكملت تحديقها و بـ قوة حتى إرتجفت نهلة وقررت النهوض وترك الفتاة للمُمرضة وإستأذنت الرحيل

وصلت إلى باب الغُرفة لتجد أحمد قد حال بينها وبين الخروج..إرتبكت وشحب وجهها فـ أشفق عليها ليقول بـ إبتسامة هادئة رزينة

-إزيك دلوقتي يا نهلة!!…

إيماءة بسيطة تدُل على أنها بـ خير وكادت أن تتحرك ولكنه سد عليها الطريق وأكمل حديثه

-فعلًا فيه تحسن..أول مرة من وقت أما إشتغلت هنا أشوفك…

لم ترد عليه أيضًا..وبقت تنظر إليه بـ شحوب..لفتت أنظاره يدها المضمومة على هيئة قبضة تعتصرها حتى لا تفقد قوتها بـ أي لحظة..تنهد وقال بـ هدوء

-ممكن أتكلم معاكِ!!
-نظرت إليه مصعوقة وغمغمت:مش بتكلم مع رجالة
-مال بـ رأسه إلى الجانب وقال:بس أنا أحمد يا نهلة
-هدرت بـ عنف خفيف:ولو..بعد إذنك…

كادت أن تتحرك خطوة ولكنه قال فجأةً

-ملك بنتي..أنتِ كنتِ بتلعبي مع ملك بنتي
-إتسعت عينيها وهمست بـ عدم تصديق:البنوتة الجميلة دي بنتك!..بنت سوزي مش كدا؟!…

غامت عيناه بـ حزن وأومأ بـ خفوت لتعقد حاجبيها ثم تساءلت وهي تعود إلى الخلف خطوتين

-أومال هي فين!
-عض على شفتيه قبل أن يقول بـ نبرة حزينة:توفت من سنة…

شهقت بـ خفة وهي تنظر إليه بـ عدم تصديق..ليضع يده خلف عنقه ثم تشدق بـ نبرة شبه متوسلة

-ممكن أتكلم معاكِ..أنا بجد محتاج للكلام أوي مع حد
-تنفست بسرعة وقالت:وليه أنا؟!
-حرك كتفيه وقال:وليه مش أنتِ..فـ فترة كنتِ أكتر واحدة فهماني
-هدرت بـ قسوة:والفترة دي إنتهت..حتى أنت..إنتهيت…

أخذ نفسًا عميق ثم أردف دون أن يفقد هدوءه

-وعشان كدا محتاج أتكلم معاكِ أنتِ بالذات…

لاحظ إمارات الخوف على وجهها ليقول بـ سرعة

-هنتكلم فـ الكافيتريا تحت..يعني مكان مفتوح
-همهمت بـ إعتراض:مش دي الفكرة
-أكمل بـ تفهم:فاهم المُشكل يا نهلة..وصدقيني أنا نسيت كل اللي حصل زمان..ومحتاج صديقة أتكلم معاها
-تمسكت بـ أخر خيطٍ لها:بابا هيقلق لو مش لاقاني
-خمس دقايق..ومش هأخرك عن كدا…

لم تجد مفر من الموافقة..لتومئ بـ رأسها..أشار لها بـ أن تتقدمه لتفعل ذلك بـ تردد ولكنه تفهم خوفها وترددها..فتاه لم تكن سوى ضحية لإمرأة مريضة..والأدهى أنها حفيدتها وتوأم صديقه..تلك الفتاة تعرضت إلى الإعتداء الجسدي وذاقت ألوان من العذاب وهي منبوذة لا أحد يعلم من هي أو أين هي

وصلا إلى مقهى المشفى لتجلس نهلة أولًا ثم تبعها أحمد الذي سألها

-تحبي تشربي إيه!
-ردت بـ تلقائية:قهوة
-إبتسم وقال:مظبوطة على ما أفتكر…

أومأت بـ تردد ليذهب ويُحضر قهوتها وكأس عصير من البُرتقال له..لتقول نهلة على عجالة

-عاوزني فـ إيه!
-تلاعب بـ هاتفه وقال:عاوز أتكلم فـ حاجات كتير..أهمها موت سوزي
-غمغمت بـ حزن:البقاء لله…

أومأ بـ رأسه لينظر إلى عينيها الزرقاوين..كانتا زائغتين بـ طريقة أثارت شفقته عليها..تلك الفتاة ولمدة سنتين لأول مرة ترى العالم الخارجي مرةً أُخرى وتعود لتعاملها مع البشر..ويشاء القدر أن يكون أحمد وإبنته أول من تعاملت معهم مُذ أن خرجت إلى العالم

تنهد أحمد ثم قال و هو يُضم يديه على الطاولة

-موت سوزي هزني أوي..يمكن مكنش حُب عميق اللي هو يسيب أثر مهم..بس عشرتنا والتفاهم اللي بينا..رغبتنا إحنا الإتنين إننا نبني حياة جديدة ونضيفة خلتني أتعلق بيها..خصوصًا إنها إحتوتني وإتحملتني كتير…

صمت قليلًا ثم تلاعب بـ إصبعه بـ الكأس وأكمل

-موتها كان صدمة..هي كانت بتتمنى تكون أم..ولما عرفت إنها حامل فـ ملك مكنتش الدنيا سياعها..مع إني خوفت عشان كان سنها كبير شوية على الحمل
-إبتعلت غصة بـ حلقها وقالت بـ خفوت:ماتت وهي بتولدها!!
-حرك رأسها بـ نفي وقال:لأ..ماتت بعدها بـ ساعة وهي فـ العمليات..الدكاترة قالوا لي إن حصلها نزيف مقدروش يوقفوه فـ ماتت…

نظر إلى عينيها اللتين غيمهما الحُزن ثم أكمل

-أنا مش مصدق إنها ماتت بـ السبب النزيف
-عقدت نهلة حاجبيها وتساءلت:قصدك إيه؟
-هتف دون مُواربة:إتقتلت…

***********************************

توقف رائف بـ سيارته أمام مدخل الحارة الشعبية التي يسكن بها والدي زوجته ثم إتجه بعدها إلى منزلهم

طرق الباب لتأتيه صفاء والتي تعجبت بـ شدة وهي تجد رائف أمامها..لتهتف بـ توجس

-خير يا رائف بيه!
-خير..بس أنا عاوز أكلم الأستاذ عبدالله
-همست صفاء:إسراء حكتلك!!
-أومأ بـ خفة وقال:أيوة..ولو اللي بتفكروا فيه صح..يبقى مينفعش نتأخر..عشان كدا كلميلي والدة البنت دي تيجي معايا القسم
-طب إتفضل…

أومأ رائف ودلف لتذهب صفاء و توقظ زوجها تُخبره أن زوج إبنتها بـ الخارج..أما هي هاتفت والدة نجلاء كي تأتي فـ قد أتى الفرج

نهض رائف ما أن خرج عبدالله الذي هتف بـ جدية

-تحت أمرك يا رائف بيه
-جلس رائف وقال:أنت شاكك زيي بالظبط!!…

لم يكن سؤالًا بل تقرير ليومئ بـ موافقة قائلًا

-أنا مُتأكد يا رائف بيه..واحد من إياهم جه هنا وكان بيكلمني أرجع أشتغل معاهم
-إتشعلت عينا رائف وهو يسأله بـ إتهام: و وافقت!
-رفع عبدالله كفيه وقال:حد الله بيني وبين السكة دي تاني..أنا رفضت و رفضت بـ قوة كمان..بس هما مش هيسيبونا فـ حالنا..وكان بدايتهم أحمد بيه صاحب حضرتك
-إرتد بـ ظهره إلى الخلف وهمس بـ تردد:أحمد!!…

نظر عبدالله إلى رائف الذي ذُهل تمامًا مما قال فـ أكمل حديثه

-أيوة..يوم موت مراته جالي هنا وقعد يهددني وقالي “أنت عارف مين اللي قتلها”
-هدر رائف بـ إستنكار:قتلها!!!
-عاد يومئ بـ قوة وقال:أيوة يا باشا..حكالي إنها ماتت بعد أما ولدت بنته..بيقول على ما أذكر يعني إنه نزيف..بس هو مش مُقتنع لأن الدكتورة كانت بتقول إن الحمل كويس وإحتمال تعرضها لأي حاجة لا سمح الله صفر…

إنقبضت معالم وجهه بـ قسوة وخوف إلا أنه حافظ على هدوء نبرته وهو يهتف

-أنا أول مرة أسمع الكلام دا..عمومًا إحنا هنروح القسم لحد أعرفه هناك يقدر يساعدنا..وأنت هتيجي عشان تقول اللي سمعته منك دلوقتي
-حاضر…

إنتظرا قليلًا قبل أن تأتي والدة نجلاء التي ما أن رأت رائف كادت أن تُقبل يده قائلة بـ لهفة أمومية صادقة

-إيدك أبوسها يا بيه..ربنا يكتر من أمثالك
-أبعد رائف يده وقال بـ هدوء:إحنا هنروح القسم دلوقتي زي ما قولت لـ أستاذ عبدالله..وهتحكي كل حاجة تعرفيها
-حاضر..حاضر..أي حاجة بس بنتي ترجعلي…

أومأ بـ رأسه ثم إتجه إلى الخارج وتبعه الباقيين حتى وصلوا إلى سيارته فـ صعد وهم كذلك ثم إنطلق بها

وعلى الجانب الآخر من الطريق..أمسك شابًا ما هاتفه وهاتف أحدهم وهو جالس بـ سيارته

-أيوة يا جهاد باشا..لسه طالعين دلوقتي
-أتاه صوت جهاد من الطرف الآخر:كُنت عارف إن الكلب دا هيعملها…

صمت جهاد وبدا وكأنه يُفكر ثم قال بـ نبرة جامدة

-أنت عارف هما هيرحوا فين..لما يطلعوا خلص زي ما قولتلك بـ الظبط..مش عاوز غلطة..يلا إقفل و وصلي الأخبار
-حاضر يا باشا…

أغلق هاتفه ثم إنطلق بـ سيارته خلف سيارة رائف

***********************************

ما أن أغلق هاتفه حتى قذفه بـ الحائط مُزمجرًا بـ غضب..ليتجه إلى نجلاء التي إنكمشت على نفسها بـ خوف..ليضع يده على وجهه ثم إتجه إليها راسمًا إبتسامة مقيتة على وجهه

-متخافيش يا نوجة..شوية سوء تفاهم…

إبتعدت نجلاء عنه بـ نفور ولكنه لم يهتم..بل جلس على طرف الفراش وملس على وجنتها هامسًا

-تعرفي إني بهدا لما بشوفك!..أه والله
-همست بـ تحشرج:أنت عاوز مني إيه؟!…

إتسعت إبتسامته المقيتة مما جعل الرعب ينتشر بـ جسدها ثم همس بـ فحيح أفعى

-كل دا ولسه مفهمتيش!..أنا عاوزك يا نوجة..عاوزك ليا لوحدي…

ضغطت على شِفاها السُفلى تكبح رغبتها المُلحة عليها بـ التقيؤ..ويدها تحكم الغطاء حول جسدها حتى لا يُدنسه أكثر بـ يده..ثم عادت تهمس بـ صوتها المبحوح

-أنا عاوزة أمشي من هنا
-قهقه بـ خفة وقال:ياريت كان ينفع..بس أنتِ ضيفة عندي هنا…

عض شِفاه السُفلى وهو يتفحص جسدها المُدنس به ثم أكمل بـ خُبث

-وبعدين مش عاجبك إقامتك هنا!..دا إحنا حتى بنسلي بعض…

سقطت عبرة وحيدة على وجنتها ليُزيحها هو بـ إبهامه ثم أردف بـ نبرة ممطوطة

-ليه بس البُكا!..ميهونش عليا دمعتك…

أبعدت يده عن وجهها بـ نفور ثم إبتعدت أكثر حتى كادت أن تسقط ولكن يده التي جذبتها إليه حتى إلتصقت بـ صدره أحالت دون ذلك..تلوت بين يديه هادرة بـ نفور وتقزز

-إبعد إيدك النجسة دي عني
-قهقه بـ قوة وهو يميل إليها:نجسة!!..دا أنا إيدي تتلف فـ حرير وأنتِ شاهدة…

ثوان و دوى صوت صفعة مدوية هبطت على صدغه جعلت وجهه يلتف تاركًا جسدها لتنتفض بعيدًا عنه وعيناها تذرف العبرات كـ سيول..إحساسها بـ النفور والتقزز من لمساته لجسدها لا يُقارن بـ إحساس القهر والظُلم اللذين تعرضت لهما

قهر من مُجتمع يُحمل أحد الطرفين الذنب كاملًا ولا يلتفت إلى التفاصيل..قهر لأُنثى لا يحق لها العيش بـ كرامة وسط غابة مليئة بـ الذئاب الجائعة

الظلم من قانون لا يردع ولا يحد..بل يُشجع يُكافئ الجاني والمذنب و يُحرضهم على فعل المزيد..ظُلم لأُنثى ضعيفة إما أن تتزوج وتخدم رجل لا يُريدها سوى خادمة وعبدة فراشه..أو تُصبح ضحية لذئاب ضارية تنتهك عرضها بلا شفقة أو رحمة..ويقف القانون يُصفق

وما بين القانون والدين..يقف الشاهد بـ أحد الأركان يُتابع الحدث دون الجرأة على قول الحق تحت مُسمى “ملناش دعوة..خلينا ماشيين جنب الحيط”..الحائط الذي تشقق وبكى مما يُشاهده بشر ينصبون أنفسهم الحاكم وتتاداول الأقاويل تنتشر مواقع التواصل بـ “هاشتاج نجيب حقها” ولكن لا يجرؤ أحد على قول الحق..لكن لا يمنع ألسنتنا من التحليل و التعاطف أما المُساعدة على وضع حد!!..يقع هذا على عاتق القانون والذي ينتظر أن ينتفض الشاهد حتى يردع

نظرت إلى عينيه التي تحولتا إلى براكين مُشتعلة بـ غضب جعلها تصرخ بـ جزع..تنكمش على نفسها وجسدها حمايةً لها من بطشه

عيناها المتوسعتان بـ قوة جعلته يرى لمحة من ماضيه..بؤبؤي عينيها جعلاه يعيش تلك الذكرى السوداء مرةً أُخرى

طفل لا يكاد يبلغ العاشرة من عمره..يتعرض إلى العنف الجسدي..ضربًا وإنتهاكًا..لسنوات طويلة بقى يخضع هذا الطفل إلى ذلك العُنف من زوج والدها..ذلك الوحش الذي أطلق مارد شيطاني جعل حياته تسلك مسار أخر غير ما أراده

“عودة إلى وقتٍ سابق”

يوم هادئ كـ أيام حياته السابقة..ولكن مساءه لم يكن

كان يجلس الطفل يستذكر دروسه و زوج والدته خارج المنزل..رُبما يتعاطى المخدرات أو يرتكب الفواحش لا يعلم ولكنه إعتاد على تلك الأفعال المُشينة..حتى إنتفض على صوت صرخات والدته التي تستغيث بـ جيرانها ولكن من سيغيثها من بين براثن ذلك الذئب المُتجبر

فـ خرج الطفل ليجده يضرب والدته حتى فقدت الوعي..هرع إليها ولكن يد السكير منعته وهو ينظر إليه بـ شيطانية وبـ نبرة ثقيلة تشدق

-أخيرًا يا حلو فضيتلك…

إتسعت عيني الطفل بـ هلع وهو يرى نظرات زوج والدته المُخيفة..ويده التي هبطت على وجنته..صرخ وبكى ولكن الآخر كان تحت تأثير المخدر فـ بقى يضربه حتى تهالك الصبي

نزع عنه حزام بنطاله ومزق كنزته المنزلية ثم بدأ بـ جلده حتى أفرغ طاقة غضبه ليتفرغ إلى طاقته الشهوانية

تعرض ذلك الطفل إلى أبشع أنواع القسوة والذل..القهر النفسي والجسدي..كان ذلك اليوم الأسود هو بداية مُعاناة إستمرت وإستمرت ولم يقدر على شئ سوى الصمت وإشباع رغبات مريض لم يرحم سنوات عمره الصغيرة

“عودة إلى الوقت الحالي”

أغمض عيناه يُبعد الذكرى المشؤومة عن عقله..فـ قبض يديه لكي يتحكم بـ طاقة الغضب التي تُهدد بـ الإنفجار..ثوان وهدأ ثم نظر إلى التي لا تزال تصرخ وقد أرتسمت على معالمها أقصى معاني الفزع

نهض وتقدم منها لتصرخ بـ قوة أكبر ورجاء يخرج منها بـ توسل

-أسفة والله أسفة..ياريت إيدي إتقطعت ولا ضربتك..بس أبوس إيدك متقربش مني…

توقف على مسافة خطوتين منها لمدة دقيقة مرت عليها سنة..قبل أن يتقدم منها مرةً أُخرى لتعود وتصرخ وتنكمش..وضع يده على خُصلاتها ثم ربت عليها وهو يُهمس بـ جمود

-هششش..خلاص مش هقرب منك…

ولكنها ظلت تصرخ وتبكي ليصرخ بها بـ حدة جعلتها تنتفض بـ جزع

-قولت بس..وإلا وديني ما هسيبك…

وضعت يدها على فِيها تمنع نفسها من الصراخ والبكاء ولكن ظلت عبراتها تنسكب بـ غزارة..تنفس جهاد بـ قوة وحدة..أنفاسًا سريعة آلمت صدره ولكنه تحامل على نفسه..يحملها بين يديه فـ تلوت تضربه لكي يضربها ولكنه ضمها إليه وهمس بـ جفاء

-قولتلك مش هقربلك..يبقى إهدي بدل أما أهديكي بـ معرفتي…

سكنت خاضعة ذليلة لتجده يتجه بها إلى مرحاض غُرفته ثم وضعها بـ الداخل وقبل أن يخرج هدر

-خديلك شاور وهتلاقي هدوم عندك…

أشار إليها بـ سبابته بـ تحذير ثم أردف بـ صرامة

-متفكريش تهربي ولا تقتلي نفسك..عشان ساعتها هلحقك وهعذبك بـ طريقة تخليكِ تتمني الموت ومطوليهوش…

ثم صفق الباب بـ قوة..وإستند عليه يُحاول بـ قدر الإمكان محو تلك الذكريات التي جاهد نفسه على نسيانها..ضرب على الحائط بـ قبضته بـ قوة وصرخ بـ حدة

-مووت بقى..موووت بقى وإرحمني…

***********************************

رافقه ذلك الضابط الشاب إلى باب مكتبه ثم أردف

-أنا ههتم بـ الموضع دا عشان خاطرك يا رائف باشا
-حرك رائف رأسه نافيًا:لأ مش عشان خاطري..دا الصح..في حاجات قذرة بـ تحصل فـ البلد ولازم يتقطع دابرها
-أومأ الضابط بـ تفهم:معاك حق..بس الموضوع دا مش سهل زي ما أنت مُتخيل..حسب أما بتقول في ناس كُبار أوي متورطة فـ الموضوع دا ومش سهل نمسكهم..فـ أكيد هنحتاج حضرتك
-ربت رائف على منكبه وقال:وأنا فـ الخدمة..يلا لازم أمشي أنا
-مع السلامة يا رائف باشا…

تحرك رائف إلى خارج المكتب ليجد والدة نجلاء تجلس بـ جانب عبدالله ..فـ نهضت ما أن لاحظت خروجه تهتف بـ لهفة وتوسل حار

-قولي يا بيه..هيجيبوا بنتي!!
-أجابها بـ جدية:طبعًا..بس هما عاوزين شوية أدلة..واسم البنت اللي جابت لبنتك الشُغل مُجرد اسم حركي مش أكتر..ودا مش هيساعدنا أبدًا
-لطمت والدة نجلاء وجهها بـ حسرة وقالت:أعمل إيه دلوقتي ياربي؟!
-هدأها عبدالله قائلًا:وحدي الله يا ست أم نجلاء..إن شاء الله رائف بيه بعد ربنا سُبحانه وتعالى هيرجعلك بنتك
-رفعت يديها إلى أعلى تهتف بـ تضرع:يارب..لأجل حبيبك النبي رجعلي بنتي سليمة يارب…

توجه الجميع إلى الخارج ومن بعدهم رائف..سقط من رائف هاتفه لنحني بـ جذعه ويلتقطه مما جعله يتأخر عن عبدالله الذي سار بـ المُقدمة ثم من بعده والدة نجلاء

إنتفض رائف على صوت سيارة مُسرعة تعرف وجهتها جيدًا فـ نظر إليها بـ أعين مُتسعة قبل أن يصرخ وهو يركض ناحية الطريق

-عبدالله!!!….

ولكن قد سبق السيف العزل..لتصطدم به السيارة ثم ترحل مُسرعة..توقف رائف مكانه مشدوهًا وأعين تُحدق بـ جثة عبدالله الساقطة أرضًا بـ فزع

تجمهر المارة ليهتف أحدهم وهو يضرب كف بـ آخر

-لا حول ولا قوة إلا بالله
-ليقول آخر:تلاقيه شاب طايش
-صرخت والدة نجلاء:إسعاف يا خلق هووه!!!…

تخاذلت أقدام رائف أن تتقدم من ذلك التجمهر..قُتل أمام أعينه وأما القسم دون خجل أو خوف

**********************************

هرولت إسراء بـ أقدام لا تحملها إلى داخل المشفى وهي تسقط فـ تُعاونها رحمة على النهوض..حتى وصلت إلى رائف الجالس على أحد مقاعد المشفى الخاص بـ والده

وقفت أمامه دون أن تجرؤ على الحديث..فـ إنتبه رائف إلى ذلك الظل الذي يقف أمامه ليرفع رأسه سريعًا وهو يجد زوجته تقف أمامه بـ عينين متورمتين من كثرة البُكاء

نهض يأخذها بـ أحضانه سريعًا وهو يُقبل رأسها بـ قوة فـ سمع صوتها المُتهالك

-بابا فين يا رائف!!…

رفعت رأسها إليه تهمس بـ توسل

-بابا عايش مش كدا!!…

وقبل أن يرد وجد والده يخرج من غُرفة الجراحة يُبعد الغطاء عن وجهه وهو يُحركها بـ نفي مُخفضًا إياها بـ أسف..فـ أغمض رائف عيناه بـ ألم وصمت

عاد صوتها يسأله بـ تشكك

-رائف!..بابا فين؟!
-شدد من عناقها وهمس بـ صوتهِ المُتحشرج:البقاء لله يا زهرة..والدك فـ ذمة الله…

صرخت إسراء بـ قوة وهي تشعر بـ حجم فاجعتها والتي لم يستوعبها عقلها المسكين فـ سكن مُطالبًا بـ راحة بعيدًا عن العالم و قسوته

 

error: