رواية “جواد بلا فارس”

الحلقة ( 24 )

دخل “مدحت” بيته ليجد “مديحة” جالسه تبكى فوق الأريكة .. نظرت اليه ومسحت عبراتها وهى تحاول أن تتمالك نفسها .. اقترب منها وقال :
– فى حاجة
نظرت اليه ورفعت حاجبها بسخرية قائله :
– ومن امتى بتهتم يعني اذا كان فى حاجة ولا لأ
زفر بنفاذ صبر وتوجه الى غرفة النوم لتبديل ثيابه .. توجه الى بعد ذلك الى المطبخ وفتح الثلاجة يبحث عن طعام ليسد به رمقه .. أغلق الثلاجة بعنف بعدما وجدها خاليه الا من بعض الطعام الفاسد أو الذى أوشك على الفساد .. توجه الى غرفة المعيشة حيث تجلس “مديحة” وقال بغضب مكبوت :
– هو مفيش أكل
قالت وهى تفتح التلفاز :
– لأ مطبختش
– ليه مطبختيش
نظرت اليه بعناد قائله :
– مزاجى .. هو انت فاكرنى الخدامة بتاعك .. مش احنا متفقين على الطلاق .. أطبخلك بتاع ايه بأه .. انا لما بطبخ بطبخ لنفسى مش ليك ومكنش ليا مزاج النهاردة أطبخ
أطلق سبة بصوت منخفض وتوجه الى غرفة النوم يخرج هاتفه من جيب بنطاله ليطلب الطعام من أحد المطاعم .. لحقت به “مديحة” وقالت :
– انت بتشتمنى ؟
نظر اليها بأعين تشع غيضاً وقال :
– “مديحة” غورى من أدامى دلوقتى
نظرت اليه بشئ من الإحتقار ثم توجهت الى غرفة “أسماء” التى أصبحت غرفتها التى تقيم بها وأغلقت الباب بعنف .. اطلق “مدحت” سبة أخرى وجلس ينتظر عامل التوصيل .. أحضر العامل الطعام فوضعه على الطاولة وشعره فى تناول طعامه .. خرجت “مديحة” من الغرفة ونظرت اليه بغيظ وقالت :
– طول عمرك أنانى .. طيب على الأقل شوف الكلبة اللى أعده جوه دى عايزه تاكل ولا لأ
نظر اليه بغضب وصاح :
– مش قولتى اننا هنطلق وانك مش الخدامة بتاعتى عشان تطبخيلى .. أهو أنا بأه مش ولى أمرك عشان أصرف عليكي
صاحت قائله :
– طول عمرك كده وهتفضل كده مبتشوفتش نفسك غلطان أبداً .. دايماً أنا اللى غلط وانت باشا مبتغلطش
قام من فوره وأزاح الكرسى الى الخلف بعنف حتى وقع على الأرض وصاح :
– انتى بتقولى شكل للبيع .. انتى واحدة معندكيش دم ولا ذرة احساس .. سيبتى بنتك تضيع من ايدك والتيييييييييت ابن أختك يتحرش بيها ولا فتحتى بقك بكلمة .. ده انتى أفشل أم وزوجة على وجه الأرض
– لأ انت اللى زوج مثالى .. يا راجل يا شايب يا ياللى رايح تتجوز واحده أد بنتك .. أهى سبيتك زى التيييييييييت واطلقت منك
دفعها بقبضتيه فى كتفيها من شده غيظه وقال :
– أنا اللى طلقتها زى ما هطلقك وأرميكى فى الشارع تشحتى عشان تلاقى لقمة نضيفه .. اما خليتك تقولى حقى برقبتى مبقاش أنا “مدحت”
توجهت “مديحة” الى غرفة “أسماء” مرة أخرى وأغلقت الباب فى وجهه بعنف شديد حتى كاد أن ينخلع من مكانه .. جلس “مدحت” أمام الطاولة ثم ما لبث أن دفع الطعام بيده بعصبيه حتى تساقط وتناثر على الأرض

*****************************************
اتكأت والدة “آدم” على الأريكة وبيدها طبق من الأرز تنقى ما به من شوائب .. دخل “آدم” الشاليه واقترب منها قائلاً :
– ازيك يا ست الكل
ابتسمت فى وجه بطيبه وقالت :
– ان شاله تسلم يا ابنى
جلس “آدم” بجوارها .. رآها تضيق من عينيها وهى تعاود النظر الى الطبق فى يدها .. انحنى الى الأمام وسألها بإهتمام :
– ماما انتى حسه ان نظرك ضعف ولا حاجة
نظرت اليه وقالت وهى ترمش بعينيها :
– والله ما أنا عارفه يا ابنى بقيت أحس ان عيني مزغلله
قال بجديه :
– طيب وليه ما قولتليش يا ماما
ثم قال :
– طيب سيبى ده دلوقتى وتعالى نكشف أكيد هتبقى محتاجه لنضاره
قالت بلا مبالاة :
– لا ملهاش لازمه .. مش مهم
نهض “آدم” وأخذ الطبق من يدها ووضعه على الطاولة وقال :
– مفيش حاجة اسمها ملهاش لازمه .. اذا مكنتش صحتك مهمة أمال ايه اللى مهم يعني
قالت وهى مازالت جالسه لا تريد النهوض :
– يا ابنى ما أنا شايفه أهو .. ملهاش لازمه النضارة
جذبها من يدهل ووجها الى غرفتها قائلاً :
– يلا ادخلى البسى يا ماما لو سمحتى
لاحت ابتسامه على شفتيها تشى بسعادتها لإهتمام “آدم” بها .. انطلق بسارته الى احدى عيادات العيون .. أثناء انتظار دورها فى الكشف مالت عليه وقالت وهى تتطلع الى وجهه بتمعن :
– انت كويس يا ابنى
التفت اليها وابتسم بوهن وقال :
– أيوة متقلقيش عليا
نظر اليه بحزن وقالت :
– انت ندمان انك سيبت الشغل ؟
قال على الفور بثقة شديدة :
– لأ طبعاً مش ندمان أبداً
ثم أحاط كتفيها بذراعه وقربها منه قائلاً فى حنو :
– متقلقيش عليا .. أنا عارف انى هقدر أقف على رجلى تانى
قال وبقلب مخلص :
– ربنا يكرمك ويرزقك من وسع ويديلك على أد نيتك يا ابنى
قالت بحماس وبطيبة الأمهات المعهودة :
– عارف يا ابنى الحرام ده بياكل فى جسم الانسان وبيقلل بركة ماله وصحته وعفيته .. لكن الحلال حتى لو كان قليل بس ربك بيبارك فيه .. عارف يا “آدم” أبوك كان مرتبه قليل أوى أوى .. بس سبحان الله والله يا ابنى عمرنا ما ممدينا ايدنا لحد .. كنا أول كل شهر نعد نفكر ازاى هنقضى الشهر بالمرتب الصغير ده .. بس سبحان الله كنا بنحس ببركة ربنا فى كل حاجة وكان ربك بيسترها معانا لحد آخر الشهر وساعات كان يتبقى فلوس كمان .. كنت آجى أشيلها ألاقى أبوك الله يرحمه يقولى لازم نطلع منها صدقة عشان ربنا يباركلنا فى مالنا وصحتنا وابننا “آدم” .. كنت ساعات اقوله خليهم يمكن نحتاجهم فى وقت عوزه كان يقولى متقلقيش لو معاكى 10 جنيه وطلعتى منها لله 5 جنية يتبقى كام ؟ .. كنت أقوله يتبقى 5 جنية .. يقولى لا يتبقى 10 لأن الفلوس اللى بتطلعيها لله مبتقللش المال أبدا دى بتزود بركته
ابتسم “آدم” وهو ينظر الى أمه بتأثر .. قبل رأسها حتى انتبه اليه بعض الجالسين فى العياده .. وقال لها وهو مازال محيطاً كتفيها بذراعه :
– ربنا يرحمه .. ويبارك فيكي يا ماما .. انتى وبابا سبب اللى أنا فيه دلوقتى .. لانكوا بعملكوا الطيب ربنا كافئكوا وهدانى .. لو مكنتوش انتوا كده كان ممكن أفضل تايه طول عمرى
قبل رأسها مرة أخرى .. فنظرت اليهما احدى السيدات الجالسات بتأثر وقالت :
– ربنا يخليهولك يا حجه
التفتت اليها أم “آدم” وهى تشعر بسعادة غامر من معاملة ابنها البارة بها .. شعرت كأنها ملكته التى يدللها ويعتنى بها ويحث نفسه على نيل رضاها .. ربتت على قدميه وقالت بإبتسامه واسعة :
– انشاله يارب

**************************************
واجهت “أسماء” مشكلة مع أحد العاملين بالقرية فبحثت عن “على” الى أن وجدته واقفاً أمام أحد البوابة .. يتحدث الى أحد الحرس معطياً اياه بعض التعليمات .. اقتربت منه وقالت :
– لو سمحت يا أستاذ “على”
التفت اليها “على” ثم أخفض بصره وقال :
– ثوانى بعد اذنك
التفت الى الرجل وأنهى حديثه معه .. انصرف الرجل فالتفت اليها على ونظر الى الأرض قائلاً :
– اتفضلى
اقتربت منه “أسماء” لتريه المكتوب على احدى الورقات يديها .. غزى عطرها الفواح أنفه .. فابتعد خطوة الى الخلف .. نظرت اليه “أسماء” بشئ من الضيق وقالت :
– فى 2 من عمال البوفيه بتوع حفلة بكرة اعتذروا وطالبين أجاره بكرة وسلمونى طلبهم ده .. واحد تعبان والتانى مسافر وأنا مش عارفه هل نطلب اتنين غيرهم ولا الموجودين هيكفوا
قال “على” بهدوء وهو يأخذ منها الورقة ليقرأها :
– أصلاً دى مش شغلتك يا آنسة .. المفروض كانوا يجولى انا مباشرة
نظرت اليه “أسماء” بضيق وظنت أنه يهمش دورها فقالت بتحدى :
– لأ دى شغلتى الأستاذ “كريم” قال كده
طوى “على” الورقة وعض على شفتيه قليلا ثم قال بهدوء :
– حضرتك فهمتى كلام الأستاذ “كريم” غلط .. حضرتك مسؤلة عن السائحات ومشاكلهم اللى بيوجهوها فى القرية لو كانت مع أحد الموظفين حضرتك بترجعيلى .. ولو كانت مع أحدى الموظفات بترجعى للآنسة “آيات”
قالت بحنق وقد أيقنت أنها اساءت الفهم :
– طيب فهمت .. وبعدين اصلا عامل البوفيه هو اللى جالى وسلمنى الورقة وأنا جيت لحضرتك عشان معرفتش أتصرف
قال “على” بهدوء وهو يستعد للإنصراف :
– مفيش مشكلة .. بعد اذنك
غادر فى هدوء .. فالتفتت اليه “أسماء” ترمقه بنظراتها المتهكمة .. ثم ما لبثت أن عادت الى عملها من جديد

**************************************

انطلق “أحمد” بسيارته يشق طريقه الى العين الساخنة لحضور الإفتتاح المقام فى يوم غد .. كان يسير على الطريق بسرعة ولهفة .. لملاقاة “آيات” التى افتقدها فى الأيام الماضية .. قال “فؤاد” الجالس بجواره :
– فاضل كتير يا “أحمد”
التفت اليه “أحمد” قائلاً :
– لا يا بابا متقلقش نص ساعة ونوصل بالسلامة
قال “فؤاد” بإعجاب :
– تعرف .. “كريم” ده طلع راجل وقد المسؤلية .. أنا حاسس اننا هننجح جامد فى المشروع ده
قال “أحمد” وقد أسعده أن يشيد والده بـ “كريم” :
– ان شاء الله يا بابا .. هو فعلاً باين عليه راجل محترم
عبرت سيارته بوابة القرية فى تؤدة .. ابتسم “فؤاد” عندما رآى “كريم” واقفاً فى استقباله بصحبة أحد الرجال .. تبادل الجميع عبارات التحية وقدم “كريم” اليهم “على” قائلاً :
– الأستاذ “على” .. أخويا وصحبى وأحد نوابى فى القرية
رحب به “فؤاد” قائلاً :
– تشرفنا يا أستاذ “على”
قال “على” بحررج :
– الشرف ليا يا فندم
دخل الجميع الى مكتب “كريم” وجار بينهم حديث عن العمل الى أن قال “أحمد” :
– طيب هستأذن أنا .. هخدلى لفه فى القرية
سار فى القرية يتأمل ما حوله بنظرة رضا .. أخذته قدماه شرقاً وغرباً .. الى أن توجه عائداً فى طريقه الى المكتب .. فجأة لمحها .. كانت واقفة تنظر الى أحد الملفات فى يدها وهى تخط بقلمها بعض الملاحظات .. علت الابتسامة ثغره وقال مقترباً منها :
– “آيات” ازيك
التفت “آيات” اليه ورسمت ابتسامه صغيره على شفتيها وقالت بحرج :
– الحمد لله .. حمد الله على السلامة
اتسعت ابتسامته وهو يتأملها بعيناه قائلاً :
– الله يسلمك .. ها ايه أخبار الشغل هنا طمنيني مرتاحه ؟
أومأت براسها وقالت ممتنة :
– أيوة الحمد لله
قال بحنان :
– فرحتيني كنت قلقان عليكي
شعر “أحمد” بيد تبت على كتف فإلتفت ليجد “كريم” .. ابتسم له فى حرج وقال :
– ما شاء الله يا “كريم” المكان هنا روعة زى ما شوفته على السى دى بالظبط .. قال “كريم” بهدوء وان كانت ملامحه تنم عن الضيق :
– الحمد لله انها عجبتك يا “أحمد” .. على فكرة باباك منتظرك فى المكتب .. “على” هياخدكوا على الأوضتين بتوعكوا
التفت “أحمد” الى “آيات” قبل أن ينصرف قائلاً :
– سلام يا “آيات” أشوفك بعدين
كادت “آيات” أن ترحل بدورها لكن “كريم” أوقفها .. نظرت اليه بحرج وقالت :
– عارفه انك هتقولى انك مضايق ان “أحمد” كان واقف يتكلم معايا .. بس هو اللى جه كلمنى وأنا يدوبك رديت على أد السؤال
صمت “كريم” وهو يتطلع اليها ثم قال :
– بصى يا “آيات” أنا ليا عنين وعقل بفكر بيه .. واضح جداً من نظرات “أحمد” ليكي ومن اهتمامه بيكى انه حاسس بحاجة نحتيك
ارتبكت “آيات” ونظرت أرضاً وهى لا تجرؤ على اخباره بأنها تعلم ذلك جيداً .. فأكمل “كريم” :
– أنا مقبلش ان راجل يبص لأختى كدة .. مركز عينه عليكي وواقف يتكلم معاكى أكنه محرم ليكي .. مينفعش يا “آيات”
بلعت ريقها بصعوبة ونظرت اليه قائله :
– طيب خلاص هحاول معدتش هقف معاه تانى
أحاطت كتفيها بذراعه وسار بها فى اتجار البحر يمشى بخطى بطيئة .. التفت اليها وقال بهدوء :
– بصى يا حبيبتى .. عايزك تعرفى انى بعمل كده عشان أحافظ عليكي .. أنا أخوكى الكبير وانتى رعية ربنا ائتمنى عليها وهيسألنى عنها يوم القيامة .. انتى لسه صغيرة وفى حاجات كتير ممكن تعمليها ببراءة بس هى بتكون غلط وغلط كبير كمان
أومأت “آيات” برأسها وهى شاردت تنظر الى الرمل الذى تخطوه بقدميها .. فأكمل “كريم” :
– مفيش حاجة اسمها صحوبيه بين ولد وبنت .. وأى ولد يقول لبنت احنا صحاب واصدقاء والكلام ده يبقى بيضحك عليها وعلى نفسه .. لأن ميل الذكر للأنثى والأنثى للذكر دى حاجة فطرية ربنا خلقنا عليها
ثم قال :
– وبعدين أى اتنين بيقولوا انهم صحاب أكيد هتحصل بينهم تجاوزات غصب عنهم .. زى مثلا انهم يبصوا لبعض ويركزوا نظرهم على بعض وهما بيتكلموا .. ربنا سبحانه وتعالى بيقول “قل للمؤمنين يغضوا من ابصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك ازكى لهم ان الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ” .. يعني زى ما الراجل مأمور بإنه يغض بصره .. البنت برده ربنا أمرها تغض بصرها
توقفا عن السير أمام الشط فالتفت اليها وأنزل ذراعه قائلاً بهدوء :
– وفى حاجة أنا لاحظتها فيكي يا “آيات” .. لما بتيجي تتكملى مع “أحمد” أو “على” أو أى راجل بتتكلمى وانتى بتبصيله
قالت “آيات” بتوتر وقد احمرت وجنتاها :
– بس أنا مبيبقاش قصدى حاجة .. أنا ببص عادى يعني مش قصدى أركز معاه
ابتسم “كريم” قائلاً :
– عارف انك مبيبقاش قصدك حاجه وحشة .. بس برده مينفعش .. لان ربنا هو اللى أمرك بكده .. حتى لو نيتك كويسة برده مينفعش
أطرقت “آيات” برأسها .. فقال “كريم” :
– النبي صلى الله عليه وسلم قال “ما تركت بعدى فتنة هي أضر على الرجال من النساء” .. عشان كده ربنا أمر النساء وقالهم “لا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ” .. وأنا مش هقبل أن حد يطمع فى أختى
أومأت برأسها مرة أخرى وهى مازالت مطرقة .. ألقى “كريم” نظرة على البحر أمامه ثم التفت اليها قائلاً :
– ساكته ليه .. اضايقتى من كلامى
نظرت اليه قائله بصدق :
– لا والله بالعكس .. أنا فرحانه انك بتنصحنى .. لأن فى حاجات كتير أنا معرفهاش
ابتسم اليها وقال :
– لو فى اى حاجة حابه تعرفيها اسأليني فيها على طول
ابتسمت وقالت :
– ماشى
– يلا نرجع ورانا شغل كتير .. حفلة بكرة تخرج أحسن ما يكون
عادا ادراجهما .. وعقل “آيات” شارداً فى كلمات “كريم” .. تعيدها فى رأسها مرة أخرى كشريط المسجل

*********************************

فى المساء .. أطلقت “إيمان” ضحكة عالية وقالت وهى تنظر الى وجهها فى المرآة وقد كساه سائل لزج ذو لون أخضر :
– بقيت شبه الرجل الأخضر
ضحكت “آيات” الجالسه خلفها تضع على وجهها نفس السائل وقالت :
– معلش اللى عايز الورد يتحمل شوكه
نظرت “إيمان” الى “أسماء” الذى اكتسى لونها هى الأخرى باللون الأخضر وقالت بمرح :
– “أسماء” انتى حطه ايه فى البتاع ده .. عارفه لو اتشوهت هعمل فيكي ايه
قالت “أسماء” ضاحكة :
– يا ابنتى ما أنا و “آيات” حطين زيك أهو يعني لو فى حاجه وحشة مكناش حطيناه على وشنا
قالت “إيمان” وهى تجلس بجوارها :
– يعنى البتاع ده لما هشيله هبص فى المراية ألاقى نفسى بقيت مزه
ضحكت “آيماء” وقالت :
– ليه هو أنا عمله خلطة سحرية .. قال مزه قال
نظرت اليها “إيمان” بغيظ .. فقالت “آيات” :
– أصلاً انتى يا “إيمان” بشرتك رايقه أوى ما شاء الله يعني مش محتاجه ماسكات خالص .. بس أهو تجربى معايا العك بتاع “أسماء”
قالت “أسماء” بغيظ :
– طالما عك طلبتى منى أعملهولك ليه .. زى القطط صحيح
ثم نظرت اليهما وقالت بحماس :
– شكل الحفلة دى هتبقى جامده .. ناس ستايل وأجانب بأه ورجاله لوووووز
صاحت “إيمان” مستنكره :
– يخرب عقلك ايه رجالة لوووز دى .. خليتى ايه للولاد
قالت لها “أسماء” بمرح :
– خليكي انتى فى البتاع اللى حطاه على وشك ده .. كفاية عليا أخوكى
– ماله “على” بأه
– ممالوش يا ستى .. بس تحسيه عنده كلكيعه أد كده .. شكله كان بيحب واحده زمان وهى اللى كرهته فى الصنف
ضحكت “إيمان” وقالت :
– لا ” على ” مش كاره الصنف ولا حاجه
صاحت “أسماء” بإستنكار :
– أمال لو كان كاره كان عمل ايه .. ده بيتكلم من مناخيره وبالقطاره بيحسسنى انى بشحت منه مش بشتغل معاه .. على فكرة أخوكى بجد مغرور أوى
قالت “إيمان” بجديه :
– لا والله “على” مش مغرور خالص بالعكس هو حد بسيط أوى
مطت “أسماء” شفتيها وقالت :
– معرفش .. بس أنا شيفاه مغرور
ثم نظرت الى “آيات” قائله :
– وأخوكى انتى كمان مغرور وشايف نفسه
ألقت عليها “آيات” الوسادة فأصابت وجهها وقالت :
– احترمى نفسك ومتقوليش على “كريم” كده
نظرت “أسماء” بأسى الى الوسادة التى اتسخت بالماسك وهتفت :
– بوظتيلى الماسك ربنا على الظالم والمفترى
قالت لها “آيات” بتشفى :
– أحسن عشان متتكلميش عن أخويا تانى
نهض “أسماء” بتبرم لتضع الماسك مرة أخرى على وجهها فأطلقت “آيات” و “إيمان” الضحكات العالية وقالت “إيمان” بمرح :
– أحسن تستاهل

***********************************

فى مساء يوم حفل افتتاح قريــة الماســة .. استعد الجميع لهذا الحدث الكبير .. بدا التوتر على البعض منهم .. وبد الحماس والتفاؤل على آخرين .. كان الجميع يعمل كالنحل فى الخليه .. من أجل الخروج أمام الناس والصحافة الإعلام بأفضل صورة لائقة ..
كانت قاعة الإحتفال من الداخل تحتوى على طاولات للنساء فى جهة وطاولات للرجالة فى الجهة الأخرى .. راقب “كريم” كل شئ بدأ من جودة الطعام الى الفقرات الترفيهية والبيرزينتيش للتعريف بالقرية .. وقف “على” أمام باب القاعة يرتدى حلة أنيقة يرحب بالرجال ويرشدهم الى مكان القاعة .. ووقفت “أسماء” على بعد خطوات منه وقد ارتدت فستاناً أبرز بعض مفاتنها وزينت وجهها بالمكياج .. ولفت حجابها الى الخلف حتى بدت رقبتها عارية من الأمام .. حانت منها التفاته الى “على” الذى يقف بزاوية مولياً اياها ظهره .. رفعت حاجبيها فى دهشة وهى تنظر الى سيارة “ساندى” التى توقفت على بعد خطوات لتهبط منها متوجهة الى القاعة .. تسمرت “ساندى” فى مكانها وهى ترى “أسماء” .. اقتربت منها قائلة :
– ايه ده “أسماء” .. مش “أسماء” برده ؟
أومأت “آيات” برأسها مبتسمه فسألتها “ساندى” بإستغراب وهى تراها واقفة على باب القاعة :
– ازيك يا أسماء بتعملى ايه هنا ؟
اتسعت ابتسامة “أسماء” وهى تقول بنعومة :
– هاى “ساندى” .. أنا بشتغل هنا
رفعت “ساندى” حاجبيها فى دهشة فقالت “أسماء” بنظرات ماكرة :
– منورة قريتنا يا “ساندى”
تجاهلت “ساندى” حديثها وتوجهت الى داخل القاعة .. نظرت بمزيج من الدهشة والإمتعاض الى ترتيب الطاولات .. والى الصوانى المحملة بالعصائر التى تُقدم للضيوف .. ألقت نظرة سريعة ثم ما لبثت أن عادت أدراجها وانطلقت بسيارتها الى خارج القرية
أقبلت احدى الزائرات فابتسمت “أسماء” فى وجهها ورحبت بها .. قالت المرأة بإعجاب :
– القرية بتاعتكوا ممتازة .. أخدت جولة فيها بجد رائعة وكمان الأوفرز اللى عاملينها هايله .. ربنا يوفقكوا
قالت “أسماء” بأدب :
– شكراً لحضرتك وان شاء الله نكون دايماً عند حسن ظنك
قالت المرأة بحماس :
– يا ترى فين مدير القرية أو حد من المسؤلين هنا .. عايزه أشكرهم بنفسى
أشارت “أسماء” الى “علي” الذى كان مستمعاً الى الحوار وقالت :
– ده الأستاذ “على” نائب مدير القرية
التفتت المراة الى “على” وقالت ببشاشة وهى تمد له يدها للمصافحة:
– أهلا بحضرتك .. بجد بحييكوا على المجهود العظيم ده
نظر “على” الى يدها الممدومة ثم أبعد عينيه وقال بأدب :
– أهلا بحضرتك معلش آسف مبسلمش على ستات .. ان شاء الله تلاقى الإقامة عندنا فى القرية ممتعة
تلاشت ابتسامة المرأة وأعادت يدها بجوارها ودخلت القاعة دون أن تتفوه ببنت شفه .. زفرت “أسماء” بضيق وهى تتابع المرأة بعينيها ثم التفتت الى “على” قائله بحنق شديد :
– مكنش فيها حاجة يعني لو سلمت عليها بدل ما تحرجها كده
أطرق “على” برأسه دون أن يجيب .. شعرت “أسماء” بالحنق أكثر وهتفت :
– بقول مكنش فيها حاجة يعني لو سلمت عليها بدل ما تحرجها كده
تمتم “على” بهدوء دون أن ينظر اليها :
– سمعتك
زاد رده من حنقها أكثر و أكثر .. فقالت بحده :
– طالما سمعت جاوبنى
قال “على” وهو يعقد حاجبيه بضيق وهو لا يزال ينظر أمامه دون أن يلتفت اليها :
– حضرتك مسألتيش حاجة عشان أجاوبك
زفرت “أسماء” بحنق ونظرت أمامها صامته .. قال “على” فجأة بنبرات هادئة :
– النبي صلى الله عليه وسلم قال ” لئن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خير له من أن يمس امرأة لا تحل له ” .. وأنا معنديش استعداد أتحمل العذاب ده عشان أرضى واحدة أو محرجهاش
ظلت “أسماء” صامته .. حانت منها التفاته اليه لتجده يقف كما هو لا ينظر اليها .. نظرت أمامها وقد بدا عليها الشرود .. فى تلك اللحظة أقبلت “آيات” بصحبة “إيمان” فهتفت “أسماء” بتهكم :
– ما لسه بدرى
قالت “آيات” بعجالة :
– كان ورايا شوية حاجات بخلصها
التفت “على” وألقى نظرة رضا على ملابس أخته المحتشمة وعلى وجهها الخالى من الزينه .. قالت “آيات” :
– ادخلى انتى يا “أسماء” .. هقف بدالك شوية
توجهت “أسماء” الى داخل القاعة بصحبة “إيمان” واهتمتا بالضيوف بالداخل .. جالت “إيمان” بعيناها فى القاعة تتفحص المكان فوقع نظرها على “كريم” الذى يمر بين طاولات بخفة مرحباً بهذا وضاحكاً مع هذا .. أشاحت بوجهها سريعاً وجلست على احدى الطاولات
وقفت “آيات” ترحب بالنساء .. عندما تقدم منها “أحمد” بحلته الأنيقة وعطره الراقى وقال مبتسماً :
– ايه الأخبار
قالت وهى تبعد عينيها عن وجهه متذكره كلمات “كريم” :
– تمام الحمد لله
نظر اليها قائلاً :
– لو تعبتى ادخلى وواحدة من البنات تقف مكانك
قالت على الفور دون ان تنظر اليه .. وقد بدأت تشعر بالضيق من تدخله المتزايد فى شئونها :
– لا متعبتش
دلف “أحمد” الى داخل القاعة وقام بمهمة مجالسه الضيوف والترحيب بهم شأنه شأن “كريم” الذى بدا نجم الإحتفال بأناقة ملبسه وعذوبة لسانه وبشاشة وجهه وثقته بنفسه وحديثه المرح

*************************************
عدلت أم “آدم” من وضع عويناتها الجديدة فوق أنفها وتوجهت الى غرفة ابنها تتطلع اليه وهو واقف أمام مرآته بحلته الأنيقة الفاخرة يصفف شعره فى تؤدة فابتسمت قائله :
– ربنا يحرسك من العين يا ابنى
ثم اقتربت منه ووضعت كفها على رأسه تقرأ له فاتحة الكتاب والمعوذتين .. بعدما انتهت التفت اليها مبتسماً .. فقالت له :
– على فكرة أنا خلاص يا ابنى جهزت الشنط
قال لها وهو يتوجه الى الكمودينو يحمل هاتفه ومفاتيحه :
– تمام .. أنا مش هتأخر عليكي ان شاء الله يا ماما .. يعني كلها ساعة ساعة ونص بالكتير
ثم نظر اليها وقال :
– برده مش عايزة تيجي معايا ؟
قالت وهى تجلس على فراشه :
– لا يا ابنى أنا مليش فى الحفلات والجو ده .. انا هستناك هنا
قبل راسها وقال :
– طيب شغلى التليفزيون اتسلى فيه على ما أرجع .. وأنا هاخد الشنط دلوقتى أحطها فى العربية
حمل “آدم” الحقائب ووضعها فى حقيبة السيارة .. اتصل بـ “زياد” وهو ينطلق بسارته وقال :
– ها انت فين .. انا فى الطريق
– وأنا كمان لسه طالع حالاً نتقابل هناك هستناك بره عشان ندخل سوا

**************************************
– التفت “على” يقول لـ “آيات” وهو غاضاً بصره :
– خلاص كده أعتقد مفيش حد جاى بعد كده .. ندخل أحسن
دخلت “آيات” ولحق بها “على” .. توجهت الى طاولات النساء ترحب بهن وتقدم لهن المشروبات الباردة المنعشة .. بدا على الجميع الرضا من الأنظمة المتبعة فى القرية ولكن الأمر لم يخلو من بعض الإنتقادات اللازعة !

توقفت سيارة “زياد” فى القرية وقبل أن يترجل من السيارة أتى “آدم” بسيارته .. تصافح الصديقان وقال “زياد” وهو ينظر حوله متأملاً :
– يلا بينا ندخل نشوف الناس دى بتعمل ايه بالظبط ده أنا سمعت عن قوانين غريبه عمر ما حد نفذها قبل كده
– يلا بينا
دخل الاثنان القاعة .. لأول وهله شعر كلاهما بالدهشة لوجود طاولات مخصصه للنساء وأخرى للرجال .. وبد كل قسم مندمجاً وشبه مستقل عن الآخر .. نظرا الى بعضهما البعض .. وتوجها الى طاولات الرجال .. أدار “آدم” عينيه فى المكان متفحصاً وجوه الرجال .. وقع بصره على “أحمد” .. فجأة صاح “زياد” قائلاً :
– مش ممكن
التفت اليه “آدم” ينظر اليه مستفهماً .. لكن “زياد” تركه وتوجه الى “كريم” الذى كان واقفاً مع رجلين يتحدثون بمرح .. وقف أمامه قائلاً بدهشة ممزوجة بالسعادة :
– “كريم ضياء” !
التفت “كريم” لينظر الى “زياد” ثم ما لبث أن اتسعت ابتسامته وصاح قائلاً :
– “زياد” .. مش ممكن .. وحشنى أوى يا ابن الايه
تعانق الاثنان وكل منهما ينظر الى الآخر بسعادة .. صاح “زياد” :
– انت بتعمل ايه هنا ورجعت من النمسا امتى ؟
قال له “كريم” مبتسماً :
– رجعت من أقل من شهر .. وبعمل ايه هنا فسيادتك أنا مدير القرية
هتف “زياد” بدهشة :
– والله العظيم .. ده ايه الصدفة الجميلة دى
أشار “زياد” لـ “آدم” الذى تركه واقفاً على بعد خطوات .. أقبل “آدم” ينظر الى “كريم” .. فقدم “زياد” كلاهما الى الآخر قائلاً :
– أعرفكوا ببعض .. “كريم ضياء” .. دكتور “آدم خطاب”
تصافح الرجلان ورحب كل منهما بالآخر .. قال “زياد” بمرح :
– “آدم” يا “كريم” يبقى أخويا وصحبى من واحنا صغيرين
ثم نظر الى “آدم” قائلاً :
– “كريم” اتعرفت عليه فى شرم لما كنت بشتغل فى القرية اللى هناك .. راجل محترم جداً .. وآخر مرة شوفته فيها قبل سفره النمسا بأيام
ثم عادر ينظر الى “كريم” وهو يقول :
– وأهو رجع أهو وبأه مدير قرية الماسة
نظر اليه “آدم” بدهشة قائلاً وهو يتأمله بلحيته التى لم يرى من قبل مدير قرية سياحيه يحملها :
– انت مدير القرية ؟
ابتسم “كريم” قائلاً :
– أيوة مدير القرية بس مش لوحدى معايا شريك .. “فؤاد ……”
– أيوة طبعاً أسمع عنه
فى تلك اللحظة اقترب “فؤاد” فعرف “كريم” كل منهم على الآخر .. فرفع “فؤاد” حاجبيه قائلاً وهو ينظر الى “آدم” :
– “آدم خطاب” ! .. مدير قرية جولدن بيتش
قال “آدم” مصححاً :
– سابقاً : أنا و “زياد” سيبنا الشغل من يومين
نظر اليه “كريم” بدهشة وقال :
– مكنتش أعرف انك سبتها
ثم نظر الى “زياد” وقال بدهشة :
– ولا كنت اعرف انك بتتشغل فى جولدن بيتش
قال “زياد” بضيق :
– دى قرية ما يعلم بيها الا ربنا كويس اننا خلصنا من الشغل فيها
قال “كريم” بإهتمام :
– نازلين فين دلوقتى ؟
قال “زياد” شارحاً :
– لا احنا راجعين النهاردة على القاهرة .. كان عندنا فضول بس نحضر الافتتاح ونتفرج على القرية اللى الناس ملهاش سيرة غير عنها
ابتسم “كريم” مرحباً وقال :
– القرية وصحاب القرية تحت أمركوا
قدم لهما واجب الضيافه وهو يتطلع حوله خوفاً من حضور “عاصى” .. حاول أن ينظر تجاه النساء للبحث عن “آيات” لكنه لم يجدها لأول وهله فأشاح بوجهه

هتفت “آيات” بإستغراب :
– طيب ومشيت بسرعة ليه
قالت “أسماء” ساخره :
– أنا عارفه يدوبك دخلت دقيقة وخرجت تانى تتمخطر وركبت عربيتها ومشيت
قالت “آيات” وهى تفكر :
– أكيد كانت جايه تشوف النظام ايه مش احنا نعتبر قرية منافسة لقرية باباها
فكرت “آيات” بقلق .. تُرى هل “ساندى” فقط من دفعها الفضول لحصور الإفتتاح .. أم أن “آدم” أيضاً لربما دفعه فضوله للحضور .. نفضت تلك الفكرة من رأسها وهى تقول .. لا تقلقى نفسك يا “آيات” .. وحتى لو حضر فلا شـأن لكِ به .. تناست أفكارها واندمجت فى الحديث مع احدى السيدات

وقف “آدم” ينظر بإعجاب شديد الى الشاشة التى تعرض صور للقرية ولأنظمة العمل بها .. اقترب منه “كريم” قائلاً :
– يهمنى أعرف رأى شخص خبرة زيك يا دكتور
التفت اليه “آدم” وقال بإعجاب ظاهر :
– بصراحة ممتاز .. أفكار جريئة محدش نفذها قبل كده .. وفى نفس الوقت تريح ضمير أى واحد شغال فى السياحة
ابتسم “كريم” قائلاً :
– وأنا سعيد ان ده رأيك يا دكتور
– بس انت دراستك ايه
ضحك “كريم” قائلاً :
– تقصد عشان الأنظمة اللى حطينها فى القرية والأفكار اللى نفذناها .. لا كل دى اقتراحات أختى .. هى اللى قدمت المشروع وبعدها كلمتنى عن أفكارها وعجبتنى جداً ودخلت شراكة مع الأستاذ “فؤاد”
قال “آدم” مبتسماً :
– بجد هايل ربنا يوفقكوا
بعد ما يقرب من الساعة استأذن “آدم” و “زياد” للإنصراف .. فهتف “كريم” :
– بتهرج يا “زياد” ملحقناش نعد ما بعض
– هجيلك تانى أكيد هتروح منى فين
– طيب ابقى اعملها انت بس وانت عارف القرية تحت أمرك انت ودكتور “آدم” .. منتظر ان شاء الله زيارة منكوا قريب عشان تشوفوها على الطبيعه
قال “آدم” مصافحاً اياه :
– أكيد ان شاء الله هيبقى فيه زيارة تانية .. بس اعذرنى عشان سايب والدتى منتظرانى فى الشاليه .. وعشان كمان السفر أدامنا 3 ساعات على الطريق
قال “كريم” مودعاً اياهما :
– ربنا يحفظوا ان شاء الله .. اتشرفت بمعرفتك يا دكتور
ثم عانق “زياد” قائلاً :
– مستني زيارتك ان شاء الله
رحل “آدم” بصحبة “زياد” متوجهاً كل منهم الى سيارتهما

كانت “آيات” مندمجة فى الحديث مع احدى السيدات .. وفجأة ارتطمت بها فتاة من الخلف .. فالتفتت الفتاة و “آيات”فى نفس الوقت ولترتطم يد الفتاة المحملة بكوب العصير بـ آيات” ويتساقط العصير على ملابسها .. صاحت الفتاة بحرج :
– أنا اسفة .. معلش بجد أنا اسفة أوى
قالت “آيات” وهى تنظر الى ملابسها التى اتسخت بالعصير :
– لا أبداً ولا يهمك
قالت الفتاة وهى تخرج منايلها من حقيبتها وتمسح آثار العصير عن ملابس “آيات” :
– أوف مش هيطلع .. طيب اعمليه فى الحمام بماية وشوية وهتنشف
نظرت اليها “آيات” مبتسمة وقالت :
– مفيش مشكلة هروح الشقة أغير
قالت الفتاة بأسف شديد :
– معلش والله مخدتش بالى أنا آسفة مرة تانية
– لا أبدا ولا يهمك
التفتت “آيات” لتقابل “أسماء” التى تحاول كتم ضحكاتها وقالت :
– شكلك فظيع بالعصير المدلوق عليكي ده .. تخيلى لو حد من الصحفيين صورك ونلاقى بكرة صورتك ومكتوب فوقها بالبنط العريض .. احدى المسؤلات فى قرية الماسة تسكب العصير على ملابسها كالأطفال
نظرت اليها “آيات” بغيظ وقالت :
– “أسماء” مش وقتك
قالت “أسماء” وهى مازالت تضحك :
– طيب روحى غيري هدومك بسرعة مش معقول هتقضى بقية الحفلة بالمنظر ده
لم تجد “آيات” حلاً آخر فتوجهت تشق طريقها بين النساء

ما كاد يصل “زياد” الى سيارته حتى هتف :
– أوبس نسيت آخد رقم “كريم”
نظر الى “آدم” قائلاً وهو ينصرف :
– ثوانى يا “آدم” هاخد منه الرقم بسرعة وأجيلك

أومأ “آدم” برأسها ووقف واضعاً يديه فى جيب بنطاله يتطلع الى المكان حوله منتظراً عودة “زياد” .. دخل “زياد” القاعة فكاد أن يصطدم بـ آيات” التى كانت تهم بالخروج .. رجع خطوة للخلف قائلاً :
– اتفضلى
خرجت “آيات” وهى تحاول بالمناديل مسح بقع العصير التى ترسبت فوق ملابسها .. كانت عينا “آدم” تدور فى المكان .. ثم التفت ينظر الى باب القاعة منتظراً خروج “زياد” .. توقف الزمن .. بل توقف كل شئ .. توقف قلبه عن مهمته فى ضخ الدماء الى جسده .. وتوقفت رئتيه عن امداد قلبه بالأكسجين .. .. وتوقف عقله عن التفكير .. لم تعمل سوى عيناه التى تعلقت بتلك الفتاة الخارجة من القاعة .. اتسعت عيناه وهو يراها تمر أمامه .. لم يتمكن من رؤية وجهها الا للحظة لكنها كانت كافيه ليتعرف عليها .. عادت أجهزته للعمل ولكن بسرعة جنونيه .. لم يشعر بنفسه الا وهو يسرع الخطا ليلحق بها .. هتف بلوعة وبصوت مرتجف وكأنه قادم من مكان سحيق :
– “آيات” !
توقفت .. لم يقل الا كلمة واحدة لكنها عرفت صوته .. وكيف تستطيع نسيان ذلك الصوت التى كانت تستمتع اليه فى محاضراته بالساعات .. حبست أنفاسها .. كرر ندائه .. الذى لم يكن نداءاً بقدر ما كان استفهاماً ملهوفاً ممزوج بالتعجب :
– “آيات” !
اضطرب تنفسها وتسارعت نبضات قلبها .. بلعت ريقها بعصوبة وأخذت نفساً عميقاً لتلتفت ببطء وتقف فى مواجهته .. غارت عينا “آدم” فى محجريهما وتحركتا بسرعة على وجهها بتفاصيله وكأنهما لا تصدقان ما تراه أمامها .. هربت الدماء من وجهه وكأنه يرى شبحاص أمامه .. اضطرب تنفسه بشدة وبدا كمن يجاهد ليبقى قلبه الذى يخفق بجنون حبيس صدره .. اقترب منها أكثر وقال بذهول ولهفة وجزع :
– آيات
بلعت “آيات” ريقها بصعوبة وهى تنظر اليه .. حاولت أن تفهم مشاعرها فى تلك اللحظة فلم تستطع .. بدا وكأن قلبها وعقلها يتحدثان معها بلغة لا تفهمها .. ثم .. استدارت لتغادر .. اندفع “آدم” بسرعة جاذباً اياها من ذراعها .. التفتت تنظر اليه بدهشة واستنكار .. فأمسك بيده الأخرى ذراعها الآخر وأدارها لمواجهته .. نظرت اليه بحدة وصاحت :
– سيبنى
لمعت الدموع فى عينيه وعلى شفتيه ابتسامة حائرة متردده وهو يقول بصوت مضطرب :
– “آيات” .. انا مش مصدق
تحولت دهشتها وسكونها الى غضب .. حاولت جذب نفسها من بين يديه الممسكة بذراعيها وهى تصيح :
– بقولك سيبنى
لكن “آدم” تشبث بها بقوة لم يترك لها فرصة للإفلات من بين يديه ..قربها منه أكثر واتسعت ابتسامته وهو يقول بصوت باكى وهو يتأملها بلهفة :
– حبيبتى .. مش مصدق .. “آيات” أنا مش مصدق
جذبت نفسها للخلف وقد بدأت تشعر بالخوف منه .. صاحت قائله بحزم :
– سيبنى لو سمحت
جذبت ذراعيها من يديه بعنف .. لم يتركها إلا ليمسك وجهها بين كفيه يتحسسه كما لو كان يتأكد من أنها حقيقيه .. قرب منها بوجهه قائلاً بحيرة ولهفة :
– ازاى .. انتى مكنتش معاها .. افتكرت معاها
تساقطت عبراته فوق وجنتيه وهو يقول بصوت باكى وهو يتذكر البناء المنهار والحريق والجثة المتفحمة التى دفنها ظناً منه أنها “آيات” :
– افتكرتك كنتى معاها .. “آيات”
صاحت بغضب وهى تحاول الابتعاد عن مرمى يديه :
– انت اتجننت .. سيبنى بقولك يا إما هنادى الأمن
بدا وكأنه لا يسمعها .. كل ما كانت ترسله حواسه الى عقله المضطرب هو أن “آيات” على قيد الحياة وأنها واقفة أمامه الآن .. نظرت “آيات” اليه وقد تزايد خوفها فضلاً ضيقها الشديد من اقترابه منها بهذا الشكل .. حاولت ابعاده عنها بعنف شديد .. فنبهه عنفها الى حالة الخوف التى اعترتها .. نظر اليها بدهشة وقال وهو ممسك ذراعها يأبى أن يتركها :
– “آيات” براحه متخفيش
فى تلك اللحظة خرج “زياد” يبحث عن “آدم” .. صُدم عندما وجده واقفاً على بعد عدة خطوات ممسكاً بفتاة تحاول افلات نفسها من بين يديه .. لمحته “آيات” فصرخت له قائله وهى تستنجد به بلهفة :
– لو سمحت تعالى .. خليه يسيبنى
اقترب “زياد” فى دهشة وأمسك “آدم” يبعده عنها وهو يقول بإستغراب مما يفعل صديقه :
– “آدم” سيبها يا “آدم”
صرخت “آيات” بحده وقد تقطعت أنفاسها بعدما نجحت فى افلات ذراعها من يده :
– انت معندكش دم ولا ذوق .. اياك تقرب منى تانى .. سامع
نظر اليها “آدم” مصدوماً وكأن عقله لا يستوعب كل ما يحدث وقال بإضطراب :
– مكنش قصدى أخوفك .. بس انتى متعرفيش أنا .. أنا كنت هناك فى القاهرة عند بيت ……..
لم تتوقف “آيات” لتستمع الى حديثه بل أولته ظهرها وانطلقت فى طريقها .. انطلق خلفها وجذبها مرة أخرى من ذراعها يوقفها فصرخت وهى تعنفه قائله :
– والله لو مسبتنى لهنادى الأمن أخليهم يرموك بره
لحق به “زياد” وجذبه الى الخلف وهو يصيح به :
– “آدم” .. مالك يا “آدم” .. سيبها بأه متعملناش مشاكل .. “آدم” فوق
جذب “زياد” ذراعها من قبضة “آدم” المتشبثة بها بقوة .. وجذبه فى اتجاه السيارة .. سار “آدم” للخلف وعيناه معلقتان بها وهى تجرى مسرعة فى اتجاه شقتها .. نزع “آدم” نفسه من “زياد” وود أن يلحق بها مرة أخرى .. فأوقفه “زياد” وصرخ به :
– “آدم” انت اتهبلت .. انت فيه ايه
نظر اليه “آدم” ومازالت الدماء هاربة من وجهه وقال بأعين دامعة وابتسامة مرتجفة :
– “آيات” يا “زياد” .. دى “آيات”
تجمد “زياد” فى مكانه للحظات ثم صاح :
– ازاى يعني
قال “آدم” وقد اتسعت ابتسامته وقال بلهفة :
– بقولك هى .. مماتتش يا “زياد” .. “آيات” عايشة ممتتش
التفت “زياد” ينظر الى الاتجاه الذى ذهبت منه “آيات” ثم جذب صديقه فى اتجاه السيارة .. توقف “آدم” قائلاً بحده :
– واخدنى على فين مش همشى .. أنا هروحلها .. مش هسيبها
صاح به “زياد” بعنف :
– تروحلها فين البنت مرعوبة منك لو طلبتلك الأمن هتبقى مشكلة .. تعالى نرجع الشالية وتهدى كدة وبعدين تفكر
بدا وكأن “آدم” لم يستمع اليه ..صاح مرة أخرة بسعادة :
– “آيات” عايشة يا “زياد” .. عايشة
ابتسم “زياد” وربت على كتفه وجذبه الى سيارته وسأله بقلق وهو يرى تعبيرات وجهة الغريبة وتنفسه المضطرب :
– هتعرف تسوق ؟
أومأ “آدم” برأسه وعيناه متعلقة فى الاتجاه الذى غادرت منه .. انطلق فى طريقه وقد اتسعت ابتسا

 

error: