قراءة رواية أنت لي كاملة

الجزء الثاني واربعون

~ إلا رغد ! ~

و أنا على وشك الخروج للعمل صباحا تلقيتُ اتصالاً من رقم هاتفٍ غريب، و عرفتُ بعدها أنه صديقي وليد شاكر!
أخبرني وليد بأنّ قريبته قد أُصيبتْ إصابة بالغة في رِجلها و يدها و أنّه تمّ إدخالها إلى المستشفى و إجراء عمليّة طارئة لها آخر الليل… و رجاني أن أصطحِب زوجته و والدتها إلى المستشفى…

صديقي وليد كان منهاراً و هو يتحدّث إليّ عبر الهاتف وكان صوته حزيناً و أقرب إلى النحيب. و لأنني صديقه الأوّل فقد كان وليد يلجأ إليّ كلما ألمّتْ به ضائقة أو أصابته كربة… و كان يضعف قليلا لكنّه سرعان ما يستعيد قواه و يقف صامداً دون انحناء… أمّا هذه الأزمة فقد دهورتْ نفسيته بشكل سريع و شديد للغاية، ممّا أدى إلى انحدار صحّته و قدرته على العمل تباعا.
يعاني وليد من قرحة مزمنة في المعدة و هي تنشط و تتفاقم مع الضغوط النفسية. و قد كان الأطباء ينصحونه بالاسترخاء و النقاهة كلما تهيّجتْ و بالإقلاع عن التدخين، و أظنّه أقلع عن السجائر و لكنّه أهمل علاج قرحته في هذه الفترة إلى أن تطوّر وضعها للأسوأ كما ستعرفون لاحقاً.

وليد متعلّق بشدّة بابنة عمّه المصابة هذهِ و أخالهُ يخبل لو ألّم بها شيء!
و قد كانت ابنة عمّه ترافقه كالظلّ عندما كنّا صغارا في سني المدارس و كان يحبّها جدا و كثيرا ما اصطحبها معه في زياراته لي و في تجوالنا سوياً… و قد افترق عنها سنوات حبسه في السجن… و رحلتْ مع عائلته بعيدا عن المدينة… ثمّ دارتْ الأيام لتعيد جمعه بها من جديد… و تجعله وصياً شرعيا عليها و مسؤولا أولا عن رعايتها…

عندما وصلنا دخلت ْ السيدتان إلى غرفة المريضة و رأيتُ وليد يخرج إليّ بعد ذلك…

و كما توقـّعت ُ بدا الرجل متعباً جداً… و كأنّه قضى الليلة الماضية في عملٍ بدني شاق… سألته عن أحواله و أحوال قريبته فردّ ببعض الجمل المبتورة و تمتم بعبارات الشكر

” لا داعي لهذا يا عزيزي ! إننا أخوَان و صديقان منذ الطفولة ! ”

ابتسم وليد ابتسامة شاحبةً جداً ثم قال:

” عليّ أن أسرع ”

قلتُ مقاطعا :

” لا تبدو بحالةٍ جيدةٍ يا وليد ! دعني أقلّك بسيارتي… ذهاباً و عودةً ”

و أعاد الابتسام و لكن هذه المرة بامتنان…
أوصلتُ وليد إلى منزله حيث قضى حوالي العشرين دقيقة رتّب خلالها أموره و شربنا سوية بعض الشاي على عجل…
الرجل كان مشغول البال جداً و مخطوف الفكر… و قد حاولتُ مواساته و تشجيعه لكنه كان قد تعدّى مستوى المساواة بكثير، و بما أنني أعرفه فأنا لا استغرب حالته هذه… إنه مهووس بقريبته و قد باح لي برغبته في الزواج منها رغم أي ظروف !
و قبل أن أركن السيارة في مواقف المستشفى الخاصة رأيته يفتح الباب و يكاد يقفز خارجاً

” على مهلكَ يا رجل ! هوّن عليك ! ”

قال و هو يمسك بالباب المفتوح قليلا :

” أخشى أن تستفيق ثم لا تجدني و تصاب بالفزع… إنها متعبة للغاية يا سيف و إن أصابها شيء بها فسأجن ”

ألم أقل لكم ؟؟

رددتُ عليه بتهوّر :

” أنت مجنون مسبقاً يا وليد ”

و انتبهتُ لجملتي الحمقاء بعد فوات الأوان. التفتَ وليد إليّ و قد تجلّى الانزعاج على وجهه ممزوجاً بالأسى…فاعتذرتُ منه مباشرةً :

” آسِف يا وليد ! لم أقصد شيئاً ”

تنهّد وليد و لم يعلّق… ثم شكرني و غادر السيارة… هتفتُ و أنا ألوّح له من النافذة و هو يهرول مبتعداً :

” اتصل بي و طمئني إن جدّ شيء ”

و توليتُ بنفسي إبلاغ السيّد أسامة المنذر- نائب المدير- أن وليد سيتغيب عن العمل و أوجزتُ له الأسباب.

السيّد أسامة كان نائباً للمدير السابق عاطف – أبي عمّار – البحري رحمهما الله، و كان على علاقة وطيدة بآل بحري، و على معرفة جيّدة بنا أنا و والدي و فور اكتشافه بأن وليد هو ذاته قاتل عمّار، قدّم استقالته و رفض التعاون مع وليد و العمل تحت إدارته. و لكن… بتوصية منّي و من والدي، و بعد محاولات متكررة نجحنا في تحسين صورة وليد في نظره و أفلحنا في إقناعه بالعودة للعمل خصوصا و أن وجوده كان ضروريّا جدا بحكم خبرته الطويلة و أمانته. و مع الأيام توطّدتْ العلاقة بين وليد و السيّد أسامة الذي عرف حقيقة وليد و أخلاقه و استقامته. و صار يقدّره و يتعامل معه بكل الاحترام و المحبّة. أما بقيّة موظفي المصنع و الشركة، فكانتْ مواقفهم تجاه وليد متباينة و كنتُ في خشية على وليد من ألسنتهم. غير أن وليد تصرّفَ بشجاعةٍ و لم يعرْ كلامهم اهتماماً حقيقياً و أثبتَ للجميع قدرته على الصمود و تحمُّل مسؤولية العمل مهما كانتْ الأوضاع.

~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

لوّحتُ لسيف بيدي و أسرعتُ نحو غرفة رغد.
وجدتُها لا تزال نائمةً… و إلى جوارها تجلسُ أروى و الخالة. سألتهما عما إذا كانت قد استيقظتْ فأجابتا بالنفي… اقتربتُ منها فإذا بأروى تمدّ يدها إليّ بهاتفي المحمول و تقول:

” تفضّل.. جلبته معي لكَ ”

تناولتُ الهاتف و جلستُ على مقربة أتأمل وجه رغد… و ألقي نظرةً بين الفينة و الأخرى على شاشةِ جهاز النبض الموصول بأحد أصابعها…

بعد قليل مرّتْ الممرّضة لتفقّد أحوال رغد و نزعتْ الجهاز عنها. خاطبتها :

” كيف هي ؟ ”

أجابتْ :

” مستقرة ”

قلتُ :

” و لماذا لا تزال نائمة ؟ ”

قالتْ :

” يمكنكم إيقاظها إن شئتم ”

و بعد أن غادرتْ بقينا صامتين لوهلة… ثم التفتُّ نحو أروى و سألتها:

” كيف وقعتما ؟ ”

ظهر التردد على وجه أروى و اكتسى ببعض الحمرة… ما أثار قلقي… ثم تبادلتْ نظرة سريعة مع خالتي و نطقتْ أخيرا :

” كنا… واقفتين على الدرجات… و… تشاجرنا… ثمّ…”

قاطعتها و سألتُ باهتمام :

” تشاجرتما ؟؟ ”

أومأتْ أروى إيجابا… و سمعتُ خالتي تُتمتم:

” يهديكما الله ”

قلتُ بشغف :

” في ذلك الوقت المتأخر من الليل؟؟ و على عتبات السلم؟؟ ”

و تابعتُ :

” لأجل ماذا؟؟ و كيف وقعتما هكذا؟؟ ”

قالتْ أروى مباشرةً و باختصار:

” كان حادثاً… عفوياً ”

انتظرتُ أن تفصّل أكثر غير أنها لاذتْ بالصمت و هربتْ بعينيها منّي…
قلتُ مستدرّاً توضيحها:

” و بعد؟ ”

فرمقتني بنظرة عاجلة و قالتْ :

” مجرّد حادثٍ عفوي”

انفعلتُ و أنا ألاحظ تهربّها من التفصيل فقلتُ بصوت ٍ قوي :

” مجرد حادثٍ عفوي؟؟ اُنظري ما حلّ بالصغيرة… ألم تجدي وصفاً أفظع من (حادث عفوي)؟؟ ”

نطقتْ أروى في وجس :

” وليد ! ”

فرددتُ بانفعال :

” أريد التفاصيل يا أروى؟ ما الذي يجعلكِ تتشاجرين مع رغد في منتصف الليل و على عتبات السلم ؟؟ أخبريني دون مراوغة فأنا رأسي بالكاد يقف على عنقي الآن ”

هنا أحسسنا بحركةٍ صدرتْ عن رغد فتوجهتْ أنظارنا جميعا إليها…
فتحتْ رغد عينيها فتشدّقتُ بهما بلهفة… و اقتربتُ منها أكثر و ناديتُ بلطف :

” رغد … صغيرتي … ”

الفتاة نظرتْ إليّ أولا ثم راحتْ تجوبُ بأنظارها فيما حولها و حين وقعتْ على أروى و القابعة على مقربة فجأة… تغيّر لونها و احتقنتْ الدماء في وجهها وصاحتْ :

” لا… أبْعِدْها عني… أبْعِدْها عنّي… ”

أروى قفزتْ واقفةً بذعر… و الخالة مدّتْ يديها إلى رغد تتلو البسملة و تذكر أسماء الله محاولة تهدئتها…

أمسكتُ بيد رغد غير المصابة و أنا أكرر :

” بسم الله عليك ِ … بسم الله عليك ِ … اهدئي رغد أرجوك ِ … ”

رغد نظرتْ إليّ و صاحتْ بقوة:

” أبْعِدْها عني… لا أريد أن أراها… أبعدها… أبعدها … أبعدها ”

التفتُ إلى أروى و صرختُ:

” ما الذي فعلتِه بالفتاة يا أروى؟؟ أُخرجي الآن ”

أم أروى قالتْ معترضةً :

” وليد ! ”

فقلتُ غاضباً :

” ألا ترين حال الصغيرة ؟؟ ”

و أتممتُ موجهاً الكلام إلى أروى :

” أُخرُجي يا أروى… أنا ما كدتُ أصدّق أنها هدأتْ قليلا… ابقي في الخارج هيّا ”

و أروى سرعان ما أذعنتْ للأمر و هرولتْ إلى الخارج… حينها التفتُ إلى رغد و أنا أحاول تهدئتها :

” ها قد ذهبتْ … أرجوك اهدئي يا صغيرتي… بسم الله عليكِ و يحفظكِ … ”

لكنها قالتْ و هي لا تتمالك نفسها:

” لا أريد أن أراها… أبْعِدْها عني… أتتْ تشمتُ بي… إنها السبب… أنا لا أطيقها…قلتُ لك لا أريد أن أراها… لماذا سمحتَ لها بالمجيء؟؟ هل تريد قتلي؟ أنتَ تريد لي الموت… لماذا تفعل هذا بي يا وليد ؟؟ ألا يكفي ما أنا فيه؟؟ لماذا قـُل لماذا… لماذا ؟؟ ”

جمّدني الذهول حتّى عن استيعاب ما أسمعه… لا أدري إن كان هذا ما قالته بالفعل أو إن كانت رغد هي التي تتكلّم الآن… أنا لن أؤكد لكم بسماعي شيء… إن أذنيّ فقدتا حاسة السمع و دماغي فقد القدرة على الفهم و ذاكرتي أُتْلفتْ من كميّة الفزع المهولة التي اجتاحتني منذ البارحة و لا تزال تدكّ عظامي دكا ً…

ثوان ٍ و إذا بالممرضة تدخل الغرفة و تسأل:

” ما الذي حدث ؟؟ ”

ترددتُ ببصري بين رغد الثائرة و الممرضة… ثم هتفتُ منفعلاً و موجهاً كلامي لها :

” أين هو طبيبكم دعوهُ يرى ما الذي حدث للفتاة إنها ليستْ بخير… ليستْ بخير…”

و بعدها جاء الطبيب – و هو غير الجراح الذي أجرى لرغد العملية – و لم تسمح له رغد بفحصها بل صرختْ :

” أخرجوا جميعكم… لا أريدكم… ابتعدوا عني… أيها المتوحشون ”

جنّ جنون الفتاة… و تصرّفتْ بشكل أقرب للهستيريا… نعتتنا بالوحوش و الأوغاد… و حاولتْ النهوض عن السرير… و نزعتْ أنبوب المصل الوريدي من ذراعها فتدفقتْ الدماء الحمراء ملوّنة الألحفة البيضاء… و سال المصل مبللاً ما حوله… و عندما حاولتْ الممرضة السيطرة على النزيف زجرتها رغد بعنفٍ و رمتها بالوسادة التي كانتْ تنام عليها…

” ابتعدوا عنّي… أيها الأوغاد… أخرجوا من هنا… لا أريد أحداً معي… أكرهكم جميعاً… أكرهكم جميعاً…”

لدى رؤيتي الحالة المهولة لصغيرتي أصابني انهيار لا يضاهيه انهيار… و تفاقمتْ شكوكي بأنها جنّتْ… لا قدّر الله… و بنبرةٍ عنيفةٍ طلبتُ من… لا بل أمرتُ كلاً من الخالة و الطبيب و الممرضة بالمغادرة فوراً… علّي أفلح في تهدئة صغيرتي بمفردي… لقد كنتُ مذهول العقل عليها و أريد أن أطمئن إلى أنها بالفعل لم تُجن !

أذعنوا لأمري و طيور القلق محلّقة فوق رؤوسهم… و بعد أن خرجوا التفتُ إلى صغيرتي و التي كانت لا تزال تردد بانفعال:

” اخرجوا جميعكم ابتعدوا عنّي… ”

قلتُ و أنا أسير عكس اتجاه أمرها و أراقب ثورتها و بالكاد تحملني مفاصلي من فزعي على حالها:

” لقد خرجوا يا رغد… إنه أنا وليد… ”

و ازدردتُ ريقي :

” هل تريدينني أن أخرج أنا أيضا ؟ ”

هذا أنا وليد… هل ترينني؟ هل تميزينني…؟ هل تعين ما تفعلين يا رغد؟ بالله عليك لا تجننيني معك…

رغد نظرتْ إليّ و هي لا تزال على انفعالها و قالتْ :

” أنتَ أحضرتها إليّ… تريدان قتلي غيظاً… أنتما تكرهانني… كلكم تكرهونني… كلكم متوحشون… كلّكم أوغاد… ”

طار طائر عقلي… انفصمتْ مفاصلي… هويتُ على السرير قربها… مددتُ يديّ بضعف شديد إلى كتفيها و نطقتُ :

” رغد… ما الذي تهذين به؟؟ ماذا أصاب عقلك أنبئيني بربّك؟؟ آه يا إلهي هل ارتطم رأسكِ بالسلّم ؟؟ هذا أنا وليد… وليد يا رغد… وليد… هل تعين ما تقولين؟؟ ردي عليّ قبل أن أفقد عقلي ؟ ”

و إذا بي أشعر بحرارة في جفوني… و بشيء ما يتحرّك على عينيّ…

رغد حملقتْ بي برهة و قد توقـّفتْ عن الصراخ… ثمّ أخذتْ تئِنّ أنين المرضى أو المحتضرين… و هي تنظر إليّ… و أنا أكاد أفقد وعيي من شدّة الذهول و الهلع…
اقتربتُ منها أكثر… أسحب ثقل جسدي سحباً… حتّى صرتُ أمامها مباشرة. حركتُ يديّ من على كتفيها و شددتُ على يدها السليمة إن لأدعمها أو لأستمد بعض الدعم منها… لكنها سحبتْ يدها من قبضتي… ثم رفعتها نحو صدري و راحتْ تضربني… بكلتا يديها
ضرباتها كانتْ ضعيفة قويّة… مواسية و طاعنة… غاضبة و خائفة… في آن واحد… و فوق فظاعة من أنا فيه رمتني في زوبعة الذكريات الماضية… الماضي الجميل… حيث كانتْ قبضة صغيرتي تصفع صدري عندما يشتدّ بها الغضب منّي…

استفقتُ من الشلل الذي ألمّ بحواسي و إدراكي على صوتها تقول بانهيار:

” لماذا أحضرتها إلى هنا ؟ تودّون السخرية منّي؟؟ أنتم وحوش… أكرهكم جميعاً ”

صحتُ منكسرا:

” لا ! كلا… أنتِ لا تعنين ما تقولين يا رغد ! أنتِ تهذين… أنتِ غير واعية… لا ترين من أمامكِ… أنا وليد… انظري إليّ جيدا… أرجوك يا رغد… سيزول عقلي بسببكِ… آه يا رب… إلا هذا يا رب… أرجوك… أرجوك يا رب… إلا صغيرتي… لا احتمل هذا… لا احتمل هذا… ”

أمسكتُ بيديها محاولاً إعاقتها عن الاستمرار في ضربي و لكن بلطفٍ خشية أن أوجعها…

” توقـّفي يا رغد أرجوكِ ستؤذين يدكِ… أرجوكِ كفى… أنتِ لا تدركين ما تفعلين…”

لكنها استمرّتْ تحركهما بعشوائية يمينا و يسارا و هما قيد قبضتَيّ ، ثم نظرتْ إلى الجبيرة و امتقع وجهها و صاحتْ بألم:

” آه يدي…”

تمزّقتُ لتألمها… أطلقتُ صراح يديها ثم حرّكتُهما بحذرٍ و لطفٍ دون أن تقاومني، و أرخيتهما على السرير إلى جانبيها و سحبتُ اللحاف و غطيتهما… و قلتُ :

” سلامتكِ يا رغد… أرجوكِ ابقي هادئة… لا تحرّكيها… أرجوكِ… عودي للنوم صغيرتي… أنتِ بحاجة للراحة… نامي قليلا بعد ”

فأخذتْ تنظر إليّ و في عينيها خوفٌ و اتهامٌ… و عتابٌ قاسٍ… و أنظر إليها و في عينيّ رجاءٌ و توسّلٌ و هلعٌ كبير… كانت أعيننا قريبةً من بعضها ما جعل النظرات تصطدم ببعضها بشدّة…

قلتُ و أنا أرى كلّ المعاني في عينيها… و أشعر بها تحدّق بي بقوّة :

” أرجوكِ صغيرتي اهدئي… لن يحدث شيءٌ لا تريدينه… لن أدعها تأتي ثانيةً لكن سألتكِ بالله أن تسترخي و تهدّئي من روعكِ… أرجوكِ… ”

رغد بعد هذه الحصّة الطويلة من النظرات القوية… هدأتْ و سكنتْ و أغمضتْ عينيها و أخذتْ تتنفس بعمق… مرّتْ لحظة صامتة ما كان أطولها و أقصرها… بعدها سمعتُ رغد تقول للغرابة:

” هل سأستطيع رسم اللوحة ؟ ”

نظرتُ إلى وجهها بتشتتٍ… و هو مغمض العينين و كأحجية غامضة و مقفلة الحلول…

أي لوحة بعد ؟؟

قلتُ :

” أي لوحة ؟ ”

رغد حرّكتْ يدها المجبّرة ثم قالتْ:

” لكنني رسمتها في قلبي… حيث أعيد رسمها كل يوم… و حتى لو لم أستطع المشي… احملني على كتفيك… أريد أن أطير إلى أمي”

ثم اكفهرّ وجهها و قالتْ :

” آه… أمّي…”

و صمتتْ فجأة…
بعد كل ذلك الجنون… و الهذيان… صمتتْ الصغيرة فجأة و لم تعد تتحرّك… حملقتُ في وجهها فرأيتُ قطرة يتيمة من الدموع الحزينة… تسيل راحلة على جانب وجهها ثم تسقط على الوسادة … فتشربها بشراهة… و تختفي…
ناديتُها و لم ترد… ربّتُ عليها بلطفٍ فلم تُحس… هززتها بخفة ثم ببعض القوة فلم تستجب… خشيتُ أن يكون شيئا قد أصابها فجأة… فقد كانتْ قبل ثوانٍ تصرخ ثائرة و الآن لا تتحرّك… و لا تستجيب… ناديتُ بصوتٍ عالٍ:

” أيها الطبيب… أيتها الممرّضة…”

و كان الاثنان يقفان خلف الباب و سرعان ما دخلا و أقبلا نحونا

قلتُ هلِعاً :

” أنظرا ماذا حدث لها… إنها لا تردّ عليّ… ”

الطبيب و الممرّضة اقتربا لفحصها فابتعدتُ لأفسح لهما المجال… أوصل الطبيب جهاز قياس النبض بإصبع رغد و تفحّصها ثم أمر الممرّضة بإعادة غرس أنبوب المصل في أحد عروقها فباشرتْ الممرضة بفعل ذلك دون أي مقاومة أو ردّة فعل من رغد… الأمر الذي ضاعف خوفي أكثر فأكثر…
جلبتْ الممرضة عبوة مصل أخرى و جعلتْ السائل يتدفق بسرعة إلى جسد رغد ثم أعادتْ فحصها و قياس ضغط دمها… و خاطبتْ رغد سائلةً:

” هل أنتِ بخير؟؟ كيف تشعرين؟؟ ”

رغد عند هذا فتحتْ عينيها و نظرتْ إلى الاثنين و كأنها للتو تدرك وجودهما فعبستْ و قالتْ زاجرة:

” ابتعدا عنّي ”

لكنّها كانت مستسلمة بين أيديهما.

سألتها بدوري في قلق :

” رغد هل أنتِ بخير ؟؟ ”

فرّدتْ و هي تشيح بوجهها و تحرّك يدها المصابة :

” ابتعدوا عنّي… دعوني و شأني… متوحشون… آه… يدي تؤلمني ”

استدرتُ إلى الطبيب و الذي كان يتحسّس نبض رسغها الأيسر و سألتُ:

” ما حلّ بها؟؟… طمئنّي؟؟ ”

أجاب :

” ضغطها انخفض… لكن لا تقلق سيتحسّن بعد قليل ”

سألتُ مفزوعاً :

” ضغطها ماذا ؟؟ انخفض؟؟ لماذا ؟ طمئنّي أرجوك هل هي بخير ؟؟ ”

نظر إليّ نظرة تعاطف و طمأنة و قال :

” اطمئن. سيتحسّن بسرعة. إنها نزعتْ الأنبوب من يدها فجأة… و كان المصل يحتوي مسكنا للألم يجب أن يُخفّف بالتدريج كي لا يسبّب هبوطاً مفاجئاً في ضغط الدم. الوضع تحت السيطرة فلا تقلق ”

و كيف لا أقلق و أنا أرى من أمر صغيرتي العجب ؟؟

قلتُ مستميتاً إلى المزيد من الطمأنة :

” كانتْ غير طبيعية البتة… ألا تظن أنه ربّما أُصيب رأسها بشيء؟؟… إنّها تهذي و تتصرّف على غير سجيتها… أرجوك تأكّد من أن دماغها بخير ”

قال الطبيب :

” نحن متأكدون من عدم إصابة الرأس بشيء و الحمد لله. لكن الواضح أنّ نفسيّتها متعبة من جرّاء الحادث، و هذا أمرٌ ليس مستبعداً و يحدث لدى الكثيرين.. تحتاج إلى الدعم المعنوي و أن تكونوا إلى جانبها ”

قلتُ متفاعلاً مع جملته الأخيرة:

” إنها لا تريد منّا الاقتراب منها ”

و كأنّ رغد لم تسمع غير تعقيبي هذا فالتفتتْ إلينا و قالتْ :

” دعوني و شأني ”

ثمّ سحبتْ يدها من يد الطبيب و أمسكتْ باللحاف و خبأتْ رأسها تحته كلياً…
و طلبتْ منّا أن نخرج جميعا و هذتْ بكلمات جنونية لم أفهم لها معنى…

نظرتُ إلى الطبيب بقلقٍ شديد :

” أظنّها جُنّتْ… يا دكتور.. افعل شيئا أرجوك… ربّما جنّتْ ! ”

قال :

” كلا كلا… لا سمح الله. كما قلتُ نفسيتها متعبة… سأعطيها منوماً خفيفاً ”

و بقيتْ رغد على حالها و سمعتها تقول و وجهها مغمور تحت اللحاف:

” لا تُعِدها إلى بيتنا ثانية… لا أريد أن أراها … أبدا ”

و كررتْ و هي تشدّ على صوتها :

” أبدا… هل تسمعني ؟ أبدا ”

و لمّا لم تسمع ردا قالتْ :

” هل تسمعني؟؟ وليد إلى أين ذهبت ؟ ”

لقد كانتْ تخاطبني من تحت اللحاف… و أنا لا أعرف إن كانت تعني ما تقول…
قلتُ و أنا أقترب لأُشعرها بوجودي فيما صوتي منكسر و موهون :

” أنا هنا… نعم أسمع… حاضر… سأفعل ما تطلبين… لكن أرجوك اهدئي الآن صغيرتي… أرجوكِ فما عاد بي طاقة بعد”

قالتْ:

” إنها السبب ”

أثار كلامها اهتمامي… سألتُها :

” ماذا تعنين؟؟ ”

و لم ترد…

فقلتُ :

” أ تعنين أنّ أروى… ”

و لم أتمّ جملتي، إذ أنها صرختْ فجأة :

” لا تذكر اسمها أمامي ”

قلتُ بسرعة و توتّر:

” حسناً حسناً… أرجوكِ لا تضطربي ”

فسكنتْ و صمتتْ قليلا… ثم سمعتها و للذهول تقول :

” أريد أمّي ”

شقّت كلمتها قلبي إلى نصفين…
الممرضة سألتني :

” أين والدتها؟ ”

فعضضتُ على أسناني ألماً و أجبتُ بصوتٍ خافتٍ :

” متوفّاة ”

حرّكتْ رغد رأسها من تحت اللحاف و راحتْ تنادي باكية :

” آه… أمي… أبي… عودا إليّ… لقد كسروا عظامي… هل تسمحان بهذا؟ أنا مدللتكما الغالية… كيف تتركاني هكذا… لا استطيع النهوض… آه… يدي تؤلمني… ساعداني… أرجوكما… لا تتركاني وحدي… من لي بعدكما… عودا إليّ… أرجوكما… عودا… ”

الغرفة تشبعتْ ببخار الدموع المغلية التي لم تكد تنسكب على وجنتيّ حتى تبخّرتْ … والتنفس أصبح صعبا داخل الغرفة المغمورة بالدموع…

طلبتُ بنفسي من الطبيب إعطاءها المنوّم الجديد في الحال… حتّى تنام و تكفّ عن النحيب الذي أفجع كلّ ذرّات جسمي… و قطّع نياط قلبي… و أثار حزن و شفقة حتّى الجدران و الأسقف… و بعد أمره أعطتها الممرضة جرعة من المنوم الذي سرعان ما أرسل رغد في دقائق إلى عالم النوم…

و كم تمنيتُ لو أن جرعة أخرى قد حُقنتْ في أوردتي أنا أيضا…

قالت الممرضة :

” ها قد نامتْ ”

ثمّ أعادتْ قياس ضغط دمها مجددا و طمأنتني إلى أنه تحسّن… كما أن الطبيب أعاد فحص نبضها و أخبرني بأنه على ما يرام…

بقي الاثنان ملازمين الغرفة إلى أن استقرّ وضع رغد تماما ثم خرج الطبيب و ظلّتْ الممرّضة تسجّل ملاحظاتها في ملف رغد…
وجه رغد كان لا يزال مغمورا تحت اللحاف و خشيت أن يصعب تنفّسها فسحبته حتى بان وجهها كاملاً… و مخسوفاً

كان… كتلةً من البؤس و اليتم… يصيب الناظر إليه بالعمى و يشيب شعره… و آثار واهية من الكدمات تلوّن شحوب وجنتيه الهزيلتين…

قالتْ الممرضة و هي ترى التوتر يجتاحني و أنا أتأمّل وجه الفتاة:

” تبدو محبطةً جدا… من المستحسن أن تأتي شقيقاتها أو المقرّبات لديها لتشجيعها. الفتيات في مثل هذا السن مفرطات الإحساس و يتأثرن بسرعة حتى من أتفه الأمور فما بالكَ بإصابة بالغة..! ”

أي شقيقات و أي قريبات ! أنتِ لا تدركين شيئاً…

ثم تابعتْ تكتب في الملف و أنا قابع إلى جوار رغد أتأمل كآبتها و أتألّم…

خاطبتني الممرضة :

” عفوا يا سيّد و لكنّي لاحظتُ شيئا… أريد التأكّد… إذ يبدو أنّ هناك خطأ في معلومات الكمبيوتر… هل اسم والدكما هو شاكر أم ياسر ؟؟ ”

التفتُ إليها و قلتُ :

” رغد ياسر جليل آل شاكر… و أنا وليد شاكر جليل آل شاكر ”

نظرتْ إليّ الممرضة بتعجّب و علقتْ :

” لستما شقيقين؟!”

قلتُ :

” إنها ابنة عمّي، و ابنتي بالوصاية ”

زاد العجب على تعبيراتها و أوشكتْ على قول شيء لكنها سكتت و اكتفت بهز رأسها.

أثناء نوم رغد… أعدتُ استعراض شريط ما حصل منذ أفاقتْ قبل قليل إلى أن عادتْ للنوم محاولا تذكّر ما قالته و استيعاب تصرّفاتها… و تذكّرتُ جملتها ( إنها السبب ) و التي أشارتْ بها إلى أروى…
تباً لكِ يا أروى…
كبرتْ الفكرة في رأسي و تلاعبتْ بها الشياطين و لم أعد بقادر على حملها… و أردتُ التحدّث مع أروى حالاً…

طمأنتُ قلبي قليلا على سلامة الصغيرة و تأكدتُ من نومها، ثم طلبتُ من الممرّضة أن تبقى ملازمةً معها لحين عودتي، و خرجتُ من الغرفة بحثاً عن أروى و الخالة فوجدتهما تجلسان على مقربةٍ…
وقفتْ الاثنتان بقلقٍ لدى رؤيتي… أنظاري انصبّتْ على أروى و بدأتْ عيناي تتقدان احمرارا…

الخالة سألتْ :

” كيف هي الآن ؟ ”

لم أجبها… إنما اتجهتُ مباشرة إلى أروى و قلتُ بحدة :

” ما الذي فعلتِه برغد ؟ ”

التعجّب و الذعر ارتسما على وجه أروى… و لم تتحدّث…
يدي تحرّكتْ نحو ذراعها فأطبقتُ عليه بقسوة و كررتُ بحدّة أكبر :

” أجيبي … ما الذي فعلتِه برغد ؟؟ ”

الخالة تدخّلتْ قائلة :

” ماذا عساها تكون قد فعلتْ ؟ لقد وقعتا سويةً ”

ضغطتُ بقوّة أكبر على ذراع أروى و صحتُ بوجهها :

” تكلّمي ”

أروى حاولتْ التملّص من قبضتي عبثا… ثم استسلمتْ و قالتْ :

” كان حادثا… هل تظنّ أنني دفعتُ بها ؟ هل أنا مجنونة لأفعل ذلك؟؟ ”

بخشونةٍ دفعتُ بأروى حتى صدمتها بالجدار الذي كانت تقف أمامه و قلتُ ثائراً :

” بل أنا المجنون … لأفعل أي شيء… انتقاماً لها… ”

الخالة اقتربتْ منا و قالتْ :

” وليد ! ماذا دهاك ؟؟ الناس يمرون من حولنا ”

أخفضتُ صوتي و أنا أضغط على كتفَي أروى الملصقتين بالجدار أكاد أسحقهما به :

” الفتاة بحالةٍ سيئةٍ… أسوأ من سيّئةٍ… إصابتها بالغةٌ و نفسيّتها منهارةٌ… تتصرّف بغرابة… و تقول أنّكِ السبب… و تنفر منكِ بشدّة… لا تقولي أنّك لم تفعلي شيئاً… أخبريني ما الذي فعلتِه بها يا أروى تكلّمي ؟؟ ”

” وليد ! ”

صاحتْ أروى و حاولتْ التحرّر لكنني حشرتها بيني و بين الجدار و صحتُ :

” قلتُ لك ِ مراراً… لا تقتربي منها… إلاّ رغد يا أروى…إلاّ رغد… أي شيءٍ في هذا الكون إلاّ رغد… أنا لا أقبل أن يصيب خدش ٌ أظافرها… و لا يكفيني فيها غير إزهاق الأرواح… و أقسم يا أروى… أقسم بالله العظيم… إن أصاب الفتاة شيءٌ… في عقلها أو جسمها… و كنتِ أنتِ السبب بشكلٍ أو بآخر… فسترين منّي شيئاً لم تريه في حياتك قط… أقسم أنني سأعاقبكِ بأبشع طريقةٍ… و إن اضطررتُ لكسر عظامك كلّها و سحقها بيدي ّ هاتين ”

و جذبتُ أروى قليلاً ثم ضربتها بالجدار بعنفٍ مرة أخرى…

~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

و بعد نحو الساعة اصطحبني إلى المنزل، و تركنا أمّي مع رغد… و التي كانت تغط في نومٍ عميقٍ بعد جرعةٍ من المخدّر…
وليد لم يتحدّث معي طوال الوقت… بل كان ذهنه شارداً لأبعد حدود… و فور وصولي للمنزل ذهبتُ إلى غرفتي مباشرة و أخذتُ أبكي إلى أن تصدّع رأسي فأويتُ إلى الفراش…
عندما استيقظتُ لم أكن بحالة أفضل إلا قليلاً و قرّرتُ أن أخبر وليد بتفاصيل ما حصل البارحة… حتى تتضح له الحقيقة و يتوقـّف عن توجيه الاتهام الفظيع لي.

لم أكن قد نمتُ غير ساعةٍ أو نحو ذلك… و توقّعتُ أن أجد وليد مستلق ٍ على سريره في غرفته و لكنني لم أجد له أثراً في المنزل…
و استنتجتُ أنه عاد إلى المستشفى…
أنا لا أدري ما القصّة التي قصّتها رغد عليه للحادث بيد أنني لا استبعد أن تكون قد أوهمته بأنني دفعتُ بها عمداً من أعلى الدرج…

لكن.. و الله يشهد على قولي… كان ذلك حادثاً غير مقصودٍ إطلاقا… و لو كنتُ أتوقّع أن ينتهي بها الأمر إلى غرفة العمليات لما كنتُ اعترضتُ طريقها و لتركتها تحمل هاتف زوجي إليه و أنا أتفرّج…

(زوجي) كلمة لم أعرف معناها… كما لا أعرف حقيقة الوجه الآخر لوليد
فالنظرات و التهديدات و الطريقة الفظّة العنيفة التي عاملني بها هذا الصباح تكشف لي جوانب مرعبة من وليد لم أكن لأتوقّعها أو لأصدّق وجودها فيه… و قد بدأتْ بالظهور الآن…
هذا الرجل قتل شخصاً عندما كان في قمّة الغضب… و مهما كان السبب فإن الخلاصة هي أن الغضب قد يصل بوليد إلى حد القتل !

اقشعرّ بدني من الفكرة البشعة فأزحتها بعيداً عن تفكيري هذه الساعة و حاولتُ شغل نفسي بأشياء أخرى… كترتيب و تنظيم أثاث المنزل و ما إلى ذلك…

كنتُ قد رأيتُ فراش وليد مبعثراً حين دخلتُ غرفته بحثاً عنه… و الآن عدتُ إليها لأرتّب الفراش و أعيد تنظيم الغرفة… كالمعتاد
و أثناء ذلك، و فيما أنا أرفع إحدى الوسائد رأيتُ شيئاً غريباً !
كانت ورقة فوتوغرافية ممزّقـَة… و أجزاؤها موضوعة تحت الوسادة
بفضولٍ جمعتُ الأجزاء و شرعتُ بإعادة تركيبها إلى أن اكتملتْ الصورة الفوتوغرافية
فظهرتْ صورةٌ لطفلةٍ تبتسم و بيدها دفتر رسم للأطفال و أقلام تلوين…
و من التاريخ اتّضح لي أنها التُقِطتْ قبل نحو 13 عاماً…

الأمر أثار فضولي الشديد و تعجّبي… لـِمَ يضعُ وليد صورة قديمة و ممزّقة لطفلةٍ ما تحت وسادته ؟؟
لكن لحظة !
دقّقتُ النظر إلى ملامح تلك الطفلة… و إذا لم تكن استنتاجاتي خاطئةً فأعتقد أنني عرفتُ من تكون…. !

دعوني وحدي رجاء ً !

أنا في حالة ذهول … و لا أريد قول المزيد !

~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~ ~

ظلّتْ رغد نائمة لثلاث ساعات أخرى بعد المنوّم و أنا و الخالة إلى جانبها…

كنتُ أراقب أي تغيّر يطرأ عليها… الصغيرة كانت تهذي أثناء نومها و ذكرتْ أمّي أكثر من مرّة… و كانتْ في كل مرّة… تطعن قلبي دون أن تدرك…

تركناها تنام دون أي محاولةٍ لإيقاظها… إذ كنتُ في خشيةٍ من أن تداهما الحالة العصبية الجنونية تلك مرّة أخرى…

و عندما فتحتْ عينيها تلقائيا ً تسارعتْ نبضات قلبي قلقاً… و تشدّقت بها عيناي مستشفـّتيـْن حالتها… بدتْ هادئة و مستسلمة… نظرتْ من حولها و لم تُظهر أية ردّة فعل … كانت متقبّلة لوجودنا أنا و الخالة إلى جوارها… تركناها بصمتٍ في انتظار أي كلمةٍ أو حركة ٍ أو إشارة ٍ منها، و لمّا لم يصدر عنها شيءٌ، و للهفتي في الاطمئنان عليها، تجرّأتُ و سألتها بتردد:

” صحوة حميدة صغيرتي… هل أنتِ بخير؟ ”

هربتْ رغد من نظراتي و رأيتُ فمها يتقوّس للأسفل… لكنها تمالكتْ نفسها و لم تبكِ…

هنا حضر الطبيب المشرف على رعايتها… لتفقدها و قد تجاوبتْ مع أوامره و أخبرته أنها لم تعد تشعر بالألم. تحدث إليها مشجعا و طمأنها إلى أنها تحسّنتْ كثيرا و حاول حثـّها على تناول الطعام، لكنها بطبيعة الحال رفضتْه.

على الأقل أنا مطمئنٌ أكثر الآن إلى أنها لم تُجنّ، و أن حالتها النفسية الفظيعة تلك قد زالتْ… و أن ضغط دمها مستقر و الحمد لله…

بعد خروج الطبيب التفتُّ إليها مجدداً و سألتها :

” صغيرتي… أخبريني … هل تشعرين بتحسّن؟ ”

كنتُ متلهفاً جدا لسماع أي كلمةٍ مطمئنةٍ منها هي… فأنا لا يهمّني فقط أن يكون وضعها الصحي مستقراً… بل أريد أن تشعر هي بأنها بخير و تخبرني بذلك…
حرّكتْ رغد يدها اليسرى نحوي فأسرعتُ بضمها بين أصابعي مؤازرة ً… و قلتُ :

” أنتِ بخير… ألستِ كذلك؟ …”

كانت تنظر إليّ و لكنها لم تجب.. بدتْ غارقة في بئر من الحزن… رققتُ لحالها و قلتُ مشجعا:

” كلّميني يا رغد أرجوكِ… قولي لي أنكِ بخير…؟؟ أنا أحتاج لأن أسمع منكِ… ”

نطقتْ رغد أخيرا :

” وليد ”

شددتُ على يدها و قلتُ بلهفة :

” نعم صغيرتي… هنا إلى جانبك… أكاد أموتُ قلقا عليكِ… أرجوكِ… أخبريني أنكِ بخير… طمئنيني عليكِ و لو بكلمةٍ واحدةٍ… قولي لي أنّك بخير و أفضل الآن… هل أنتِ كذلك؟؟ ”

قالت رغد أخيرا… و هي تقرأ التوسل الشديد في عينيّ :

” الحمد لله ”

كررتُ بامتنان :

” الحمدُ لله… الحمدُ لله ”

و عقّبتْ الخالة :

” الحمد لله ”

حرّكتْ رغد يدها اليسرى نحو رجلها المصابة و بأطراف أصابعها ضربتْ فوق الجبيرة… ثم سألتْ :

” كم ستظلّ هذه ؟ ”

كان الطبيب قد أخبرني مسبقا بأنها ستظلّ بالجبيرة بضعة أسابيع… و خشيتُ أن أذكر ذلك فتصاب الفتاة بإحباطٍ هي في غنىً تام عنه… فقلتُ :

” ليس كثيراً كما أكّد الطبيب… كما أنك ِ ستغادرين المستشفى إن شاء الله خلال أيام”

و الجملة طمأنتها قليلا… فصمتتْ ثم عادتْ تسأل :

” و الجامعة ؟ ”

قلتُ :

” سأتّصل بهم و أخبرهم عن أمركِ ”

قالت ْ و هي تستدير نحو الخالة ليندا :

” و السفر ؟؟ ”

فأجابتْ الخالة :

” نؤجّله إلى أن تتحسّن صحّتك و تستعيدين عافيتك إن شاء الله ”

فأخذتْ رغد تطيل النظر نحو يدها رجلها المصابتين… و تزفر التنهيدة خلف الأخرى بمرارة…

مددتُ يدي مرّة أخرى و أخذتُ أمسح على جبيرة يدها المصابة مواسياً و أنا أقول:

” اطمئنّي صغيرتي… بلاءٌ و سينفرج بإذن الله… ستتعافين بسرعةٍ بحوله تعالى ”

قالتْ و كأن في ذهنها هاجس ٌ تريد أن تستوثق منه :

” هل سأستطيع المشي؟ ”

قلتُ بسرعة:

” طبعا رغد… إصابتكِ ليستْ لهذه الدرجة ”

فقالتْ متشكّكة :

” ألستَ تقول هذا لتهدئتي فقط ؟ لا تخف ِ عنّي شيئا ”

أجبتُ مؤكداً :

” أبدا يا رغد.. أقسم لك أن هذا ما قاله الطبيب… هل كذبتُ عليكِ من قبل ؟؟ ”

و ليتني لم أسأل هذا السؤال… لأنها نظرتْ إليّ نظرةً قويّةً ثم قالتْ :

” أنت أدرى ”

ابتلعتُ نظرتها و جملتها… و قد حضر بذهني كيف كانتْ في العام الماضي تنعتني بالكذاب، لأنني أخلفتُ بوعدي لها بألاّ أسافر دون علمها و سافرتُ مضطرا…

الخالة ليندا قالتْ مؤيدة :

” أكّد الطبيب ذلك على مسمعٍ منّي أنا أيضاً. ستشفين تماماً بمشيئة الله… تحلّي بالصبر و قوّي أملكِ بنيّتي ”

و سرتْ بعض الطمأنينة في قلب الصغيرة و إن بدا على وجهها شيء من القلق و هي تقول :

” الحمد لله… المهم أن أعود و أمشي طبيعياً… و أرسم من جديد ”

و فهمتُ أن جلّ خوف رغد هو من أن تصاب بإعاقة لا قدّر الله في رجلها أو يدها… و صرفتُ الوقت في طمأنتها و تشجيعها و رفع معنوياتها….

قضيتُ النهار بكامله مع رغد… ما بين قراءة القرآن و الاستماع لتلاوته عبر التلفاز… و مراقبة و دعم رغد بين الحين و الآخر… و اطمأننتُ و لله الحمد إلى زوال حالة الهذيان الغريبة التي انتابتها صباحاً

و رغم الإرهاق الذي سيطر عليّ قاومتُ و تابعتُ إظهار صمودي و تماسكي و تأقلمي مع الوضع… من أجلها هي… من أجل أن تصمد و تتشجع و تستمد القوة منّي… و إن كان داخلي في الحقيقة منهاراً بشدّة…

في وقت الزيارة حضر صديقي سيف و أحضر زوجته لزيارة رغد و وجدتها فرصةً جيّدة لتجد رغد من يواسيها قليلاً … و لكي استمدّ بدوري بعض الدعم من صديقي الحميم و لأشكره و اعتذر إليه و إن كنتُ أعلم أنّ سيف لم يكن لينتظرهما… بقي سيف و زوجته معنا لدقائق معدودةٍ و قبيل مغادرتهما سألتُ سيف أن يصطحب خالتي من جديد إلى المنزل على أن يعود بها ليلا مع بعض حاجيات رغد…

“و ماذا عنك يا رجل ؟ ألا تريد قسطاً من الراحة ؟؟ ”

سألني سيف و نحن نقف في الممر بجوار غرفة رغد و أنا مستندٌ على الجدار أنشد دعمه… و هو أمامي يرى آثار الإرهاق مستنجدةً على وجهي و جسدي…

أجبتُ :

” عندما تعود بالخالة ليلاً سأذهب للنوم… طلبتُ منها أن تبقى مرافِقةً لرغد طوال الليل… و أبقى أنا طوال النهار ”

سألني سيف :

” و ماذا عن زوجتك ؟ ”

تنهّدتُ بمرارة ثم قلتُ :

” آه… اسكتْ يا سيف و لا تأتِ بذكرها داخل المستشفى… لا تريد رؤيتها و لا حتّى سماع اسمها… آه لو تعرف ما الذي حصل لها صباحاً… جُنّ جنونها حين رأتها…. تنفر منها بشكلٍ مفزعٍ يا سيف… يبدو أنها من تسبّب في الحادث… بشكلٍ أو بآخر… و لو لم أتمالك نفسي اليوم لكنتُ … ”

و صمتُ… إذ لم أشأ أن أعبّر عن مشاعر الغضب المجنونة أمام سيف… لكنني أعرف بأنه يدرك كل شيء…

قلتُ :

” ما كدتُ أصدّق أنها هدأتْ أخيراً… و لازلتُ متخوفاً من أنها قد تنهار في أيةِ لحظةٍ و لستُ مطمئناً لتركها وحدها مع الخالة… لكن… إنها مستشفى و لها قوانينها و أنظمتها و بقائي هنا طوال الوقت أمر غير لائق ”

بعد صمت ٍ قصير سألني :

” كيف وقعتْ ؟ ”

أجبتُ :

” لا أعرف يا سيف. تشاجرتْ مع أروى… هما و منذ أيام متخاصمتان… تشاجرتا معا و كانتا تقفان على درجات السلّم… و وقعتا سويةً… لكنّ الإصابة اختارتْ رغد ”

و تنفستُ عميقاً ثم قلتُ :

” لم يحدث أن تعاركتا بالأيدي و لكن… يبدو أن هذا ما حصل على السلّم… فوقعتا… و أصيبتْ رغد ”

تنهدتُ و واصلتُ :

” أنا خائفٌ عليها يا سيف… خائفٌ أن يسبّب الجرح مشكلةً مزمنة في رِجـْـل الفتاة… أو يدها”

قال سيف مباشرة:

” لا قدّر الله… تفاءل بالخير يا رجل ”

تنهدتُ مجددا و قلتُ :

” الأمر بالنسبة لي… قضاء أحمد الله على لطفه فيه… و الطبيب طمأننا جداً… لكن… يظلّ خوفي الأساسي على الفتاة و نفسيتها… إنها صغيرةً و ضعيفةً جدا… لن تحتمل شيئاً كهذا… بل إنّ مجرّد تفكيرها في احتمال وقوعه يرسلها إلى الجحيم… الصغيرة قد لاقتْ من البلاء الكثير حتى اليوم… منذ الطفولة يا سيف و هي تعاني…
اليتم… و عمّار القذر… و فقد والديّ… و الحرب… و التشرّد و الغربة و الوحدة… كل هذا… على قلب فتاة صغيرةٍ بريئةٍ هشّةٍ… قل لي يا سيف من يحتمل ذلك؟؟ و بعد هذا كسرٌ و جبرٌ و عكّاز… و إعاقة… إن عقل فتاتي يكاد يزول يا سيف… بل إنه قد بدأ يزول فعلاً ”

وقبضتُ يدي بشدة و في ألم مرير…
سيف أمسك بقبضتي مشجعاً و حين شعرتُ بدعمه أطلقت ُ العنان لصدري أكثر ليبوح بمخاوفه…

” أنا السبب الحقيقي في هذه الحادثة ! كنتُ أعرف أن التوتّر بينهما وصل حد الخطر… بل تجاوزه بكثير… كان يجب أن أبعدهما عن بعض منذ زمن… ليتني فعلتُ ذلك قبل فوات الأوان… تركتُ الأمر يصل إلى حد الكسر ! أوه يا إلهي ! أنا السبب… كيف أقابل ربّي؟؟ بأي وجه سألقى أبي و عمّي؟ و أمّي؟؟ ماذا سأقول لهم ؟؟ لقد أودعتموها أمانةً عظمى في عنقي و أنا… ببساطةٍ تركتها تتكسّـر ! ”

و ضربتُ رأسي بالجدار الذي كان خلفي غضباً من نفسي… و تمنيتُ لو أنه تحطّم… أو أن عظامي هي التي انكسرتْ و لا مسّ الصغيرة خدش ٌ واحد…
سيف شدّ على يدي أكثر و نطق ببعض الكلمات المواسية… التي ما كان أحوجني إليها آنذاك…

بعد ذلك سألني :

” هل… عرف أقاربها بالأمر ؟ ”

فتحتُ قبضتي بسرعة و كأنني تذكّرتُهم الآن فقط… فقلتُ و أنا أهزّ رأسي :

” كلا ! لن أخبرهم ! إنهم سيتهمونني بالتقصير في رعايتها… كانوا سيحرقونني بنظراتهم عندما أخذتها آخر مرّة من بيتهم… ”

و تذكرتُ الطريقة التي كانتْ أم حسام تخاطبني بها في آخر لقاء… و كيف قالتْ لي: (الله الله في اليتيمة) و كأنها كانتْ تشكُ في أنني سآتي بها يوماً ما مكسورة العظام…!

و الأيام سترينا مدى صدق مخاوفي…

قال سيف:

” لا تحمّل نفسك الذنب يا وليد… فلنحمد الله على لطفه و ندعوه أن يعجّل الشفاء للمصابة و يجعل من وراء هذه الحادثة خيراً ”

ابتسمتُ بامتنان ثم عانقتُ صديقي مستمداً منه بعض الطاقة و الشجاعة…

بعدها قال :

” بلّغها تحياتي و أمنياتي بالشفاء العاجل… و إذا احتجتم لأي شيء أو أي مساعدة منّي أو من أم فادي فلا تترددوا رجاء ً ”

الساعة الثامنة مساء… انتهى وقتُ الزيارة… و أتت ْ إحدى موظفات المستشفى لتنبيهنا لذلك… و أنا واقفٌ إلى جوار رغد… و الخالة قد وصلتْ قبل قليل، و سيف قد غادر.

نظرتُ إلى رغد نظرة متردّدة ثم قلتُ :

” ستبقى الخالة برفقتكِ… اعتمدي عليها في أي شيء تريدينه و إذا احتجتما لي اتصلا في الحال ”

ظهر الاهتمام على قسمات وجه رغد و قالتْ :

” إلى أين ستذهب ؟ ”

أجبتُ بلطف :

” إلى البيت… إذ أنه لا يمكنني البقاء أكثر ”

و هنا رأينا رغد تستوي جالسة… و تقول معترضة و وجهها يصفر ّ قلقاً :

” هل ستتركني وحدي ؟ ”

تبادلتُ و الخالة النظرات ثمّ قلتُ :

” لا … ستبقى خالتي معك ”

و إذا برغد تهتف :

” أخرجني من هنا ”

وضعها ينذر بأنها على وشك الثوران… لم استطع قول شيء فقالتْ الخالة :

” يهديك الله يا بنيّتي كيف يُخرجكِ هكذا ؟ ”

لكنّ رغد لم تكن تمزح… بل أبعدتْ اللحاف و أرادتْ النهوض فأسرعتُ باعتراضها و أنا أقول:

” أوه كلا… أرجوكِ لا تتحرّكي ”

فصاحتْ مرتاعة:

” كيف تذهب و تتركني؟ ألا ترى ما أنا فيه يا وليد؟ ألا ترى هذا ؟؟ ”

قلتُ بهلع:

” حسناً حسناً … سوف لن أذهب لكن أرجوك لا تنفعلي مجدداً… ابقـَي مكانك ”

و أنا أعيد إسنادها إلى الوسادة… و أتنهد ثم أمسح زخات العرق التي نبتتْ على جبيني و أضغط على صدغي لأخفـّف الصداع الذي تفاقم لحظتها… ثمّ أجلس على طرف السرير باستسلام…

لابد أن التوتر و الضيق كانا فاضحين جداً على وجهي… للدرجة التي صعقتني رغد عندها بقول :

” ماذا ؟ هل ضقتَ ذرعاً بي ؟ إذن ارم ِ بي من هذه النافذة و أرح نفسك ”

لا ! ليس من جديد… توقــّـفي عن جنونك يا رغد أرجوكِ كفى… كفى…

زحفتُ نحوها و قلتُ بألم و ما بي من بقايا طاقة تحتمل المزيد:

” ما الذي تقولينه يا رغد؟؟ أرجوك هذا يكفي ”

قالتْ صارخةً :

” ألا ترى حالتي هذه؟؟ كيف تفكّر في الذهاب و تركي؟ ألا تشعر بما أنا فيه ؟ ”

إنّكِ أنتِ من لا يشعر بما أنا فيه يا رغد…

قلتُ :

” لا لم أفكّر في ترككِ ، و لكن نظام المستشفى لا يسمح ببقاء رجل برفقةِ مريضة في قسم السيدات. حتّى لو كان أباها. لذلك طلبتُ من الخالة مرافقتك”

لكن رغد لم يعجبها هذا و أصرّتْ على أن أبقى معها تلك الليلة، و لم تكن حالتها تسمح بأن أتجاهل إصرارها…

و رغم الحرج الشديد الذي واجهته و أنا أطلب من المسؤولين السماح لي بالبقاء هذه الليلة مع المريضة و المرافقة… تعاطفا ً مع حالتها النفسية، رضختُ لرغبة رغد و تكبّلتُ العناء و قضيتُ الليلة الثانية ساهراً إلى جوار صغيرتي… تاركاً أروى تبات وحيدة في المنزل الكبير…

لم تكن ليلتي ليلة ً و لم يكن حالي حالاً… لا أنا و لا صغيرتي عرفنا للراحة طعماً… كنتُ أجلس على مقعد تحجبه عن سريرها الستارة… و لكنّي كنتُ أسمع كل حركاتها و تقلباتها و تأوّهاتها طوال الليل… كانتْ نوبات الألم تكرّ و تفرّ على عظام الصغيرة المكسورة و أنسجتها الممزقة… و الممرضة تأتي بين فترة وأخرى لإعطائها المسكّن…

في صباح اليوم التالي سمحتْ لي رغد بالخروج على أن أعود عصرا … و ما كادتْ تفعل.

كان الإرهاق قد أخذ منّي ما أخذ و لم أكن قد نمتُ البارحة أبدا… غير غفوة قصيرة تملكتني بعد شروق الشمس. و يبدو أن الخالة قد نجحتْ في إقناعها بتركي أذهب أثناء غفوتي القصيرة أول الصباح.

وقفتُ قرب رغد أسألها عن أي شيء أخير تريده قبل مغادرتي…

” سآوي إلى فراشي مباشرةً … و سأترك هاتفي عند وسادتي… اتصلا إن احتجتما أي شيء في أي وقت و بدون تردد”

قلتُ و أنا أنقل بصري بين رغد و الخالة… رغد أومأتْ موافِقة، و الخالة قالتْ مطمئِنة:

” لا تقلق يا بني. سنتصل عند الضرورة. اذهب و نم مطمئنا مسترخيا ”

التفتُ إلى رغد و أطلتُ النظر… لم يكن قلبي بقادر على المغادرة لكن و لم أثق في موافقتها هذه… لكنّي كنت في غاية الإرهاق و بحاجة ماسة للنوم…

مددتُ يدي إليها و ربتُ على يدها و قلت ُ بصوت هادئ و حنون :

” حسنا صغيرتي… أتركك ِ في رعاية الله… ابقي هادئة رجاءً … سوف لن أطيل الغياب ”

الصغيرة شدّتْ على يدي و حملقتْ بي و ربما كان لسان حالها يقول (لا تذهب) لكنها أجبرتْ فمها على التقوس في شبه ابتسامة مترددة…

و ما كان منّي إلا أن شددتُ على يدها و قلتُ أخيرا بأحن صوت:

” أراكِ على خير و عافية… يا صغيرتي ”

و هكذا تركتها أخيرا و عدتُ إلى البيت مثقلا بالتعب و الهموم…
في المنزل سرتُ ببطءٍ شديد حتى بلغتُ أسفل الدرج… و تذكرتُ صراخ رغد ليلة الحادثة فقرصني الألم في قلبي… صعدتُه خطوةً خطوة… و أنا مستمر في إنعاش صدى صرخاتها…
و انعكاس صورة وجهها المتألم…
و قادتني قدماي بشعور أو بغير شعور… ليس إلى غرفتي… بل إلى غرفتها…

دخلتُ الغرفة متجاوزاً كل اعتبار… و أخذتُ أحلّق بأنظاري في أرجائها… و أعانق بيدي جدرانها…

على الجدار الكائن خلف سرير رغد… كانتْ الورقة القديمة… للصورة التي رسمتها رغد لي… بشاربي الطويل… لا تزال تقف و منذ سنين… بكل بشموخ…

لم تحتمل عيناي رؤيتها… وسرعان ما خرّتْ دموعي صريعة الأسى…
جلستُ على حافة السرير… و مسّدتُ على الوسادة كما لو كانت هي صغيرتي… بكل عطف و حنان… فإذا بي أشعر بحبيبات رمل تعلق بكفي… و ألقي عليها نظرة فإذا بها ذرات السكر…
جذبتها إليّ و ضممتها إلى صدري… و هو أمر لم استطع أن أقدّمه لفتاتي المرعوبة… عوضا عن وسادتها… و كلّما تذكّرتُ كيف كانت مرحة و سعيدة جدا و نحنُ في النزهة أوّل الليل… ثم كيف صارتْ كومة من البؤس و الألم و الصراخ… ملقاة على السرير الأبيض التعيس آخره… عصرتها أكثر بين ذراعي…

انتابني شعور بنيران تحرق معدتي… و كأنها تنعصر قهراً مع الوسادة و تأوهتُ بألم…

” آه يا رغد… ”

رفعتُ يدي من على الوسادة إلى السماء و زفرتُ الآهة مصحوبة باستغاثة يا رب…

” يا رب… يا رب… أنت تعرف أنني لا أعزّ شيئا في هذه الدنيا مثل رغد… يا رب… أنا أتحمّل أيّ بلا ٍ … إلا فيها… أتوسّل إليك يا رب… ألطـُف بحالي و حالها… أتوسّل إليك… اشفِها و أخرجها سالمةً… و أعدها كما كانتً… يا رب… خـُذ من صحّـتي و أعطِها… و خـُذ من عمري و هبها… خـُذ منّي أي شيء… كل شيء… و احفظها لي سالمة… هي فقط… أنا لا أتحمّل أن يصيبها أيّ شيء… يا رب… أيّ شيء…. إلاّ رغد يا رب… أرجوك… لا تفجعني فيها… أنا أختنق يا رب… إلهي… أرجوك… اجعل لي من لطفكِ فرجاً عاجلاً… عاجلاً يا رب… عاجلاً يا رب… يا رب… ”

و لو بقيتُ ها هنا لزهقتْ روحي من فرط المرارة …
غادرتُ غرفة رغد و أنا شاعرٌ بها تملأ رئتي… أزفرها و أستنشقها مع كل أنفاسي و أناتي…

ذهبتُ إلى غرفتي و قضيتُ زمنا أناجي الله و أدعوه و أصلّي له… حتى سكنتْ نفسي و اطمأنّ قلبي و ارتاح بالي… و فوّضتُ أمري إلى الله اللطيف الرحيم…

أخيرا … رميتُ برأسي المثقل على الوسادة… و نشرتُ أطرافي على فراشي بعشوائية… أخيرا سأستسلم للنوم…

أغمضتُ عينيّ بسلام… فإذا بي أتخيّل رغد من جديد… فتحتهما فرأيتها أمامي… لففتُ رأسي ذات اليمين ثم ذات الشمال… وكانت هي هناك… في كل مكان…

رفعتُ وسادتي و وضعتها على وجهي لأحول دون صورة رغد التي لم ترحم بحالتي تلك الساعة…

أرجوك ِ كفى! لماذا عدت ِ؟ دعيني أنام و لو لساعة! أرجوكِ يا رغد… رأفة ً بي…
لكنني رأيتها تحت الوسادة و لو قلبتُ وجهي على السرير لرأيتها فوقه أيضا تحاصرني كالهواء من كل الجهات

فجأة… تذكرتُ شيئا… لم يكن ينقصني تذكّره في تلك الساعة التعيسة…

رفعتُ الوسادة عن رأسي و جلستُ و بحثتُ بعيني تحت موضعها… قلبتُ بقية الوسائد… أزحتُ البطانية و فتـّشتُ هنا و هناك و لم أعثر على رغد !

” ربّاه ! أين اختفيت ِ فجأة ؟؟ ”

ذهبتُ فورا إلى محفظتي و شرّحتها تشريحا دون جدوى !

فتشتُ أسفل السرير… و المنضدتين الجانبيتين و الأدراج… و كل مكان لم أكن لأترك فيه (رغد) … ورغم أنها كانت موجودة في كلّ مكان، لم أجدها في أي مكان!

” أروى ! لابد أنها هي ! ”

استنتجتُ فجأة…
فخرجتُ من غرفتي و توجهتُ إلى غرفة أروى… و التي لم أكن قد رأيتها مذ تشاحنتُ معها صباحاً و نحن في المستشفى…

لم أتردّد غير برهةٍ واحدةٍ بعدها طرقتُ الباب و ناديتُ :

” أروى… هل أنتِ نائمة ؟؟ ”

الوقت كان مبكراً و خشيتُ أن تكون نائمةً، لكنني أعلم أنّ من عادتها النهوض باكراً كل صباح… أعدتُ الطرق فرأيتُ الباب يُـفتح بعد ثوان و تطلّ منه أروى بوجه قلِق.

اللحظة الأولى مرّتْ صامتة ساكنة حتى عن الأنفاس… و باردة كليلة شتاء…

” هل… كنتِ نائمة ؟ ”

سألتها بعد ذلك البرود فأجابتْ :

” نعم…”

و سألتْ بقلق :

” ماذا هناك؟؟ ”

رددتُ :

” آسف لأنني أيقظتكِ ”

قالتْ :

” كنتُ سأصحو قريبا على أية حال… لكن ماذا هناك ؟ متى عدتما؟ ”

قاصدة إياي و الخالة، قلتُ :

” خالتي ظلّتْ مع رغد”

و كأنّ ذكر (رغد) أثار في وجه أروى بعض التعبيرات المنزعجة… و سرعان ما نقلتْ بصرها بعيدا عنّي…

قلتُ :

” كنتُ سأسألك ِ سؤالا ”

التفتتْ إليّ و قالتْ مباشرة :

” و أنا أيضا أود أن نتحدّث يا وليد… ”

و هي تفتح الباب أكثر… فرددتُ :

” كلا ليس هذا وقته. أنا متعب جدا و لا يحتمل رأسي أي شيء… و لا شيء ”

و كأن إجابتي أصابتها بإحباطٍ مما بدا على وجهها…

تابعتُ :

” فقط أخبريني… ألستِ من قام بترتيب غرفة نومي؟ ”

و كانتْ عادتها أن تفعل ذلك. لم تجب أروى مباشرة… بل أخذتْ لحظة تفكّر… ثم قالتْ :

” بلى ”

قلتُ :

” و… هل رأيتِ شيئا قرب وسائد سريري؟ أعني… هل أخذتِ شيئا من هناك ؟ ”

ربما لمعتْ عينا أروى بشكل لم أفهمه… رمقتني بنظرة حادّة لا تتناسب و برودة اللحظة… ثم قالتْ :

” شيء مثل ماذا ؟؟ ”

و فهمتُ من ذلك أنها رأتْ الصورة الممزقة… فعضضتُ على أسناني ثم قلتُ :

” أين وضعتِها ؟ ”

أروى رفعتْ حاجبيها و قالت ْ :

” القصاصات الممزقة ؟”

تشبثتْ عيناي بعينيها أكثر، إجابة على السؤال.. فتابعتْ هي :

” لقد… ألقيتُ بها في سلّة المهملات ”

ماذا تقولين ؟؟ لم أسمع جيدا ؟؟ سلّة ماذا ؟؟
قلتُ بدهشة ممزوجة بعدم التصديق :

” ماذا؟؟ رميت ِ بها ؟؟ ”

لم تعقـّبْ أروى… فكرّرتُ و قد اشتدّ صوتي و بدأتْ ألهبة النار تتراقص في عيني :

” تقولين رميت ِ بها ؟؟ ”

و من البرود الذي صافحني به وجهها اشتعلتْ النيران في رأسي كليا…

” أروى !! رميتِ بها ؟؟ بهذه البساطة؟؟ و من أعطاك الحق بهذا التصرف؟ أوه… أروى ويحك !! في المرة السابقة رميتِ بالصندوق و الآن بالصورة…. كيف تسمحين لنفسك ِ بهذا؟؟ ”

و لم يتجاوز ردّ أروى حدّ النظرات الصامتة !

” أخبريني في أي سلّة رميتِ بها ؟ ”

دارتْ عين أروى قليلا و كأنّها تحاول التذكّر ثم قالتْ:

” أظن … أن الخادمة قد أخرجتْ جميع أكياس المهملات إلى سلــّـة الشارع”

حينها لم أتمالك نفسي!

صرختُ بوجه أروى بعنف… و أحرقته بنار الغضب …
أطبقتُ على ذراعيها و هززتـُها بقوّة و ركلتُ الباب ركلة عنيفة أوشكتْ على كسر عظام قدمي الحافية…

” ما الذي فعلتِه يا أروى ؟؟ لا تدركين ما فعلتِه … كيف ستعيدينها الآن ؟؟ تباً لك ِ! ألا يكفي كل ما أحدثتِه لحد الآن؟ لن يتـّسع عمري لتصفية حساباتي معك… و الآن اذهبي و استخرجيها لي و لو من قعر الجحيم ! ”

رأيتُ نهرين من الدموع يتفجران فجأة من عيني أروى و يسيلان على وجنتيها… و رأيتُ الاشتعال في وجهها إثر صفـْعِ صراخي القوي…

كنتُ غاضبا جدا…

ألم يكفها ما فعلتْ بالصغيرة ؟ و أيضا تحرمني من البقايا الممزّقة من ذكراها التي لم تفارقني لحظةً واحدة…منذ سنين ؟؟

صرختُ بخشونةٍ بالغةٍ :

” لا أريد دموعاً… أريد الصورة الآن و بأيّ طريقة… هيّا تحرّكي… في الحال… قبل أن تمزقكِ شياطين غضبي إربا… أتسمعين؟؟ ”

و أفلتها من بين يدي بدفعةٍ قاسيةٍ…

أروى استندتْ إلى الجدار… ثم مسحتْ دموعها… ثم سارتْ ببطء نحو الداخل… ثم عادتْ إليّ تحمل شيئا في يدها و مدّته نحوي…

و سرعان ما اكتشفتُ أنها قصاصات صورة رغد الممزقة…

تجمّدتُ فجأة و لم أقو َ على الحراك… و تحوّلتْ نيراني إلى كتل ٍ من الجليد… رفعتُ بصري إلى عينيها فرأيتهما حمراوين و المزيد من الدموع تتجمع فيهما… و منهما تنبعثُ نظرات تعيسة…

” خـُـذ ”

تكلــّمتْ بصوت ٍ هزيلٍ ضعيفٍ… و هي تحرّك يدها …

تحرّكتْ يدي بلهفةٍ و تناولتْ القصاصات من يدها… و أخذتْ عيني تتفحّصها بشوقٍ و تتأكد من اكتمالها… ثمّ انتقلتْ أنظاري من القصاصات إلى أروى…

شعرتُ بالانهيار… و حرتُ في أمري…

و أخيرا… قلتُ بصوت ٍ تحطـّم فجأة و تحوّل من الصراخ الناري إلى الهمس البارد:

” لكن… إه… لماذا ادّعيت ِ أنك رميت ِ بها ؟ ”

أروى ردّتْ وسط بحر الدموع :

” كنتُ… أريد اختبار ردّة فعلكَ… لأتأكّد ”

و عصرتْ الدمع المتجمّع في عينيها بمرارة… ثم تابعتْ :

” و أنا الآن… متأكّدة… من كلّ شيء ”

و أضافت ْ أخيرا :

” ستمزقني… حتّى من أجل… صورتها ! ”

و بسرعة استدارتْ و هرولتْ نحو سريرها و أخفتْ وجهها بين الوسائد و بكتْ بانفعال…

واقفٌ كعمود الإنارة المحروق… لا يملك قدماً تخطو للأمام و لا للخلف… و مهما ثار يبقى منطفئا عاجزاً عن إنارة المنبت الذي يرتكز عليه… و رؤية أين يقف… تسمّرتُ أنا بين الذهول و الفزع… و بين الإدراك و الغفلة… و التصديق و الرفض… أنظر إلى أروى و أسمع دوي كلماتها الأخيرة يزلزل جمجمتي… دون أن يكون لي من القوّة أو الجرأة ما يكفي لفعل أي شيء !

أخيرا تمكّن لساني من النطق …

” أروى … ”

لم ترد عليّ، ربما كان صوتي جدا ممزقاً… لممتُ شيئا منه و ناديتها ثانية :

” أروى … ”

و هذه المرّة ردّتْ فجاء صوتها مكتوماً عبر الوسائد :

” اتركني وحدي ”

و على هذا… عدتُ أدراجي إلى غرفتي أحمل أشلاء صورة محبوبتي الصغيرة بين أصابعي… و أضمّها إلى صدري…
و مرة أخرى هويتُ برأسي المشحون بشتّى الأفكار على الوسادة… و لكنني لم أرَ إلا سواداً أودى بوعيي إلى قعر الغياب…

error: