رواية وحدك حبيبتي

محتويات المقالة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

وحدك حبيبتي

 

 

 

 

 

 

أماني عطاالله

سفيرة كيوبيد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أحلم بيوم

تصبح فيه رواياتي أجمل هدية في عيد الحب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أماني عطاالله

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

5 ـ التحدي

 

 

1ـليلى

 

( سأتزوج منحرفًا )

 

 

عجزت ليلىعن السيطرة على انفعالاتها فانطلقتضحكتهامدوية لتهز أرجاء الحرم الجامعي, التفت الطلاب إليها في فضول ما لبث أن تحول إلى ذهول وهم يرون الدكتور عبد الرحمن عزيز رئيس قسم القانون الجنائي بكلية حقوق جامعة المنصورة .. والذي يطلقون عليه عبد الرحمن الغول لشدة قسوته وصرامته .. واقفًا يحدق فيها وقد برزت عيناه من خلف نظارته الطبية وتدلت شفته السفلى في بلاهة غير مبالِ بالأوراق التي سقطت أرضًا وتبعثرت حوله في غفلة منه .

تقدم بعضهميجمعون له أوراقه ، ربما احترامًا.. وربما رغبة في التودد إلى أستاذتهم الساحرة التيلطالما سحرت قلوبهم قبل عقولهم فهرولوا إليها من مختلف الصفوف .. يحملون أسئلة يعرفون أجوبتها مسبقًا.. لا لشيء سوىسماع صوتها والنظر إليها عن قرب ولو للحظات معدودات..

أخذ منهم الدكتور عبد الرحمن الأوراق وهو يشكرهم في اقتضاب قبل أن يعود للتحديق في ليلىكالمغيب قائلًا :

ـ هيا بنا

شكرتهم ليلى بابتسامة ساحرة ثم مضت معه وما إن ابتعدا قليلًا حتى عاد يقول وهو يجاهد للتحكم في نبرته المنفعلة :

– هل تفضلت بتكرار ما قلته على مسامعي مرة أخرى ؟

ابتسمت وهي تضغط على حروفها قائلة :

– سأتزوج

هتف في صبر نافد :

-بمَن ؟

ـ سأتزوج من أجل الحصول على الدكتوراة ، ألم تشجعني مرارًا لنيل هذه الدرجة العلمية الرفيعة ؟

ـ دعكِ من المراوغة يا ليلى

ـ حسنًا يا سيدي ، سأتزوج منحرفًا

صاح في عصبية :

– منحرفًا ، ها أنت تكررينها ثانية

ـ أريد زوجًا يساعدني في الحصول على الدكتوراة

همس في توسل :

– لن تجديأفضل مني لمساعدتك ، طلبت منك الزواج أكثر من مرة وكنت ترفضين دائمًا ، وها أنا أكررها .. أريد بل أتمنى الزواج منكِ يا ليلى

هزت رأسها قائلة :

– محال ، أنا لا أرضى لكَ أن تكون هذا الزوج

ـ لماذا وأنا أحبك حبًا جمًا ، إن كان رفضك بسبب زوجتي أو أولادي الثلاثة ، فأنا أعدك بأن ……

قاطعته قائلة :

– مهلًا يا دكتور عبد الرحمن ، أنا لن أتزوج من أجل الزواج في حد ذاته

ـ ولماذا تتزوجين إذًا ؟

ـ أنا سأتزوج من أجل العلم

ضحك في سخرية وعصبية قائلًا :

– من أجل العلم …….!!

رفعت عنقها العاجي إلى أعلى قائلة :

-نعم من أجل العلم ، سيكون موضوع رسالتي عن البيئة ومعدل الجريمة .. ربما ناقش الكثيرون هذا الموضوع من قبل ، لكنني سوف أناقشه بطريقة مبتكرة لم يسبقني إليها أحد ، سأعبر إلى هذه البيئة بنفسي.. سأشارك منحرفًا حياته اليومية .. سأراقبه عن كثب لملاحظة العوامل التي أدت لانحرافه .. سأجمع معززات سلوكه الإجرامي ثم أحاول تقويمه بشتى الطرق حتى أصل للنتيجة التي أبحث عنها ، سوف أُسس رسالتي على تجربة واقعية وليس نقلًا من مراجع ربما فقدت مصداقيتها بفعل الزمن

تنهدت بعمق قبل أن تضحك قائلة :

– ألن يكون هذا مسليًا جدًا ؟

تطلعاليها دكتور عبد الرحمن طويلًا قبل أن يضحك بدوره قائلًا :

ـ يا إلهي ، كيف تمزجين الجد بالمزاح لهذه الدرجة ؟  لقد كدت أن أصدقك بالفعل

هتفت غاضبة :

– أنا لا أمزح يا دكتور

عاد يقطب جبينه :

– أيعني هذا بأنك ستقومين بهذه التجربة حقًا ؟

ـ نعم ، وسأبدأ في الاختيار من هذه اللحظة

هز رأسه قائلًا في أسى :

– ما كنت لأصدق أبدًا ، ولو أقسم لي الجميع ، بأنك على هذا القدر من الحماقة يا ليلى

نظرت إليه معاتبة فتابع :

– حسنًا ، ألا تجدين في طلبي الزواج منك انحرافًا؟

ضحكت قائلة :

– زواجي منك ينهي تجربتي قبل أن تبدأ ، ثم أن إثارة غيرة زوجة وكره أبنائها الثلاثة لي.. ليست هي الجريمة التي أبحث عنها

ـ أخبريني إذًا بالجريمة التي تبحثين عنها ، وسأفعلها من أجلك

ضحكت في عذوبة فتابع :

– هل تريدينني أن أسرق بنكًا أم أقتل أحدًا أم ……….

قاطعته قائلة :

– كفى يا سيدي ، أنا على يقين بأنك لن تنجح في هذا ، فأنت لست منحرفًا بطبعك

هتف مستنكرًا :

– أنت لا تريدين منحرفًا عاديًا إذًا ، أنت تريدين مجرمًا عتيدًا في الإجرام أيضًا

ـ دكتور عبد الرحمن ، أرجوك حاول أن تفهمني

غمغم في ضيق :

– أتمنى هذا بالفعل ، ولكن ما تقولينه لا يمكن لعاقل أن يفهمه

اقترب منهما في تلك اللحظة دكتور أحمد فايز زميلهم في القسم ذاته .. ابتسم وهو يحييهما :

ـ صباح الخير يا دكتورعبد الرحمن ، صباح الخير يا جميلة الجامعة ، بل جميلة المنصورة بأكملها

غمغم دكتور عبد الرحمن وهو يتأملها متحسرًا :

– يبدو أن جميلتنا قد أصابها الحسد في مقتل

نظر إليه دكتور أحمد في تساؤل ممزوج بالدهشة فأردف :

– جميلتنا قررت أن تتزوج

ـ رائع ، تهنئتي يا ليلى .. لكن ما المشكلة في هذا ؟

نهره دكتور عبد الرحمن :

– انتظر أولًا حتى تعرف الشروط التي تريدها في زوج المستقبل

نظر إليه دكتور أحمد في إشفاق فقد كان يعلم كم هو متيم بـ ليلى التي ابتسمت قائلة :

ـ إن كانت كلمة زواج هيمايغضبك يا دكتور عبد الرحمن فدعنا نسميها تجربة

نظر اليها الرجل في تهكم قبل أن يحول بصره إلى دكتور أحمد قائلًا :

ـ هل نجد في حقيبتك نماذجًالبعض المنحرفين ، المجرمين ، بل عتيدي الإجرام

ابتسمت ليلى بينما نظر إليه دكتور أحمد في دهشة قبل أن يغمغم :

ـ طلبك عندي وإن كنت لا أفهم شيئًا

تبعاه إلى غرفة واسعة تضم مكاتبهم الثلاثة بالإضافة إلى مكتب الدكتورة نادية صديقة ليلى المقربة والتي ابتسمت ما إن دلفوا إلى الحجرة وهي تبادلهم التحية

جلس دكتور أحمد خلف مكتبه وفتح حقيبته ليخرج منها عددًا من الملفات راح يقدمها لهما واحدًا تلو الآخرقائلًا :

ـ لكما ما شئتما منها

تناولت منه ليلى الملفات باهتمام أثار ضجر دكتور عبد الرحمن الذي ضرب كفًا بأخرى قبل أن يشير إلى نادية :

– ألن تساعدي صديقتك في اختيار زوج المستقبل ؟

تأملته نادية بدهشة فتابع بعصبية لا تخلو من السخرية :

ـ هيا ، هيا لا تضيعي الوقت ، تذكري أن تنتقي لها أكثرهم انحرافًا

نهضت نادية من خلف مكتبها واتجهت إليهم وهي تبتسم في بلاهة قائلة :

ـ أنا لا أفهم شيئًا ، هل أخبرني أحدكم ماذا يجري ؟

ابتسم دكتور أحمد قائلًا :

– يبدو أنني وجدت عملًا إضافيًا ، جميلتنا تبحث عن زوج لها بين ملفاتي

تطلعت نادية بدهشة إلى ليلى التي تفحصت أحد الملفات قائلة :

– لا أظن هذا يصلح فقد قتل زوجته كرد فعل تلقائي عندما اكتشف خيانتها ، جريمته وليدة اللحظة ، لا استبعد أن يكون قد شعر بالندم بعدها

ابتسم دكتور أحمد وهو يقدم لها ملفًا آخر :

– تفضلي هذا ، ولكن لا تنسي عمولة الخاطبة

تناولت منه الملف مبتسمة بينما غمغم دكتور عبد الرحمن بضيق وعيناه على ليلى :

ـ لا ظني أنك في حاجة إلى عمولة يا دكتور أحمد ، يكفي أن تعلن فيالقرية أن ليلى فاضل ستختار زوجًا من بين موكليك ، سيزيد عددهم أضعافًا ، بل أنا على يقين بأن معدلات الجريمة في القرية كلها ستتزايد أيضًا

تجاهلت ليلى تعليقه قائلة :

– هذا أيضًا لا يصلح ، فهو يبدو محترفًا بالفعل ، لكنه لن يخرج من السجن قريبًا

تناول دكتور عبد الرحمن أحد الملفات و قدمه لها ساخرًا :

– ما رأيك بهذا ؟

نظرت ليلى إلى أحد الصور الملصقة بالملف وصاحت مستنكرة :

ـ يا إلهي ، هذا يجعلني أصرف النظر عن الرسالة بأكملها ، فوجهه لا يكاد يرى من كثرة الندبات والتشوهات التي تثير الفزع

ابتسم في تهكم وهو يقدم لها ملفًا آخر :

– وهذا ؟

نظرت إليه في عتاب قائلة :

– لقد حول القاضي ملفه إلى إحدى المصحات العقلية ، إن خرج بريئًامن هذه القضية ، فربما يقوم بقتلي بعد الزواج

قال هازئًا :

– وماذا تنتظرين من زوج منحرف ومجرم ؟

هزت كتفيها في لا مبالاة وراحت تتصفح المزيد من الملفات قبل أن تتنهد قائلة :

ـ لا أحد بين هؤلاء يصلح للزواج ، ربما غدًا أجد لديك ……..

قاطعها دكتور أحمد :

– ليلى ، هل أنت جادة ؟!

أجابته فيثقة :

– بالطبع

غمغمت نادية :

– مستحيل !

 

*****

 

عادت ليلى إلى المنزل تردد إحدى الأغنيات المحببة إليها في مرح ما لبث أن تحول إلى ضجر وهي تتجه إلى المطبخ تلبية لصراخ طفلة أخيها الرضيعة ،التي أصر على تسميتها ليلى حبًا فيها ،كانت سعاد زوجة أخيها مشغولة بإعداد الشاي لأحد ضيوف زوجها بينما الصغيرة تبكي بلا توقف ، انحنت ليلى تحمل الطفلة وتهدهدها لتهدئ من صراخها دون جدوى ، فاتجهت بها إلى أمها قائلة :

ـ إليكِ بها وأنا سأعد الشاي وأقدمه للضيف

ابتسمت سعاد وشكرتها في ارتياح قائلة :

– هذا الضيف مهم جدًا ، ادعي الله كي يوفق فؤاد بالعمل معه ، فهو يمتلك أكثر من نصف أراضي القرية بمفرده ، هذا عدا المخازن والمعدات الزراعية والمصنع الوحيد الموجود بها ، وله أيضًا ممتلكات أخرى خارجها ، وأموال لا حصر لها في البنوك ، ويقول البعض أن له أسهم في البورصة و …….

قاطعتها ليلى وهي تحمل صينية الشاي وتتجه بها لغرفة الضيوف :

ـ تأكدي أن عمله مع فؤاد سيكون خيرًا له قبل أن يكون خيرًا لأخي

طرقت ليلى باب الحجرة التي يجلس بداخلها فؤاد مع ضيفه طرقًا خفيفًا قبل أن تدلف إلى الداخل وتقدم الشاي إلى الضيف قائلة :

– تفضل يا سيدي

ولكن الضيف بدلًا من أن يمد يده ليتناول الشاي من يدها ظل يتطلعلوجهها طويلًا ، تسمرت عيناه في عينيها حتى شعرت بخجل وارتباك لم تشعر بمثله من قبل ، وضعت الصينية فوق المنضدة وأسرعت تغادر الغرفة وما إن أغلقت الباب خلفها حتى تنفست الصعداء وهي تغمغم ساخطة :

ـ هذا الوغد تجاوز الخمسين من عمره ، فلماذا تزعجني نظراته أكثر مما تزعجني نظرات شاب لم يتجاوز الثلاثين بعد ؟!

ارتجفت عندما اقتربت منها سعاد قائلة :

– ماذا بك يا ليلى ؟

تمالكت جأشها قائلة :

– من هذا الرجل بالداخل ؟

ـ الحاج سالم ، أكثر رجال البلدة ثراءً ، ألم ……..

قاطعتها ليلى ساخطة :

– هل هو متزوج ؟

نظرت إليها سعاد في دهشة قائلة :

– نعم ، لماذا تسألين ؟

أجابتها في غضب :

-لأنه أكثر من رأيت وقاحة

ضحكت سعاد قائلة :

-حقًا ، هذا الشبل من ذاك الأسد

– ماذا تقصدين ؟

تنحنح فؤاد قبل أن يفتح باب الحجرة ليودع ضيفه ، فأسرعت سعاد لتختفي كعادة نساء القرية بينما ظلت ليلى في مكانها وكأنها تسمرت فيه ، وعادت نظرات الغريب لتربكها وهو يقول موجهًا حديثه إلى فؤاد ..  دون أن يرفع عينيه عن وجهها :

– أرجو أن أتلقى ردًا سريعًا على مطلبي

أجابه فؤاد وهو يصافحه مودعًا :

– فليفعل الله ما فيه الخير للجميع

انصرف الرجل والتفت فؤاد لينظر إلى ليلى صامتًا ثم أطلق تنهيدة طويلة واتجه إلى حجرته تاركًا إياها في حيرة

 

في اليوم التالي فوجئت ليلى بامرأة فيمنتصف العقد الخامس من العمر ، على قدر كبير من الجمال تطرق منزل أخيها ، رأتها سعادفأسرعت ترحب بها في حفاوة مبالغ فيها قبل أن تقدمها إلى ليلى :

-السيدة أم ممدوح ، زوجة الحاج سالم الذي كان في زيارتنا أمس

رحبت بها ليلى في اقتضاب وتأهبت لتغادر الردهة ، لكن المرأة استوقفتها :

ـ مهلًا يا ليلى ، لقد جئت خصيصًا من أجلك

التفتت إليها ليلى في دهشة :

– عفوًا.. من أجلي أنا .. لا ظني بأننا تقابلنا من قبل !

تفحصتها المرأة من شعر رأسها حتى إخمص قدميها قبل أن تبتسم قائلة :

ـ الحاج سالم لا هم له منذ أمس إلا الحديث عنكِ وعن جمالك

تفحصتهاليلى مستنكرة بينما أردفت المرأة:

– لقد طلب منيأن ننتظر الرد من فؤاد ، لكنني لم أستطع الانتظار وجئت كي أرى العروس بنفسي

 

تحولت دهشة ليلى إلى ذهول ، أي زوجة حمقاء تقف أمامها ..؟!هل هذا الرجل بلغ من تسلطه وجبروته أن يرسل زوجته لتخطب له عروسًا أخرى ؟!

كم تكره هؤلاء النساء الخانعات أكثر من كرهها للمتجبرين أمثاله ..!كيف سمحت له بإذلالها لهذه الدرجة ، كيف طاعته في هذا الأمر المشين ؟!

أيقظتها المرأة من شرودها قائلة :

– يبدو أن فؤاد لم يخبرك بالأمر بعد ، ولكن ها أنا قد أخبرتك به ، فهل يمكنني أن أعرف رأيك الآن ؟

 

جاهدت ليلىلتبدو هادئة وهي تغمغم :

– أرى أن هناك فارق كبير في السن ، فأنا لم أكمل بعد السادسة والعشرين بينما هو …….

قاطعتها المرأة :

– أنا لا أرى هذا الفارق الكبير ، فهو لم يتجاوز الثانيةوالثلاثين بعد

 

تمعنت ليلىفي وجهها بمزيد من الاستنكار ، هناك خطأ ما في الأمر بالتأكيد ، إن كانت المرأة تتحدث عن الرجل الذي رأته هيأمس ، فهو قد اقترب من الخمسين بلا شك ، محال أن تكون قد أخطأت في تقدير عمره إلى هذا الحد ، أنقذتها المرأة من حيرتها عندما أردفت :

ـ ولدييعمل مهندسًا معماريًا في الإسكندرية ، أنا على يقين من أنكِ ستحبينه ما إن تريه ، فهو كالبدر ليلة اكتماله

 

تنهدت ليلى في ارتياح عندما أدركت أنها تتحدث عن ولدها ، وإن كانت قد تعجبت بأن يكون لهذه المرأة وزوجها رجلًا فى مثل هذا العمر ، ولكن ربما ليس هناك ما يدعو إلى العجب فيهذه القرية . فهم يتزوجون أطفالًا لينجبوا أطفالًا أصغر . فها هي أختها الصغرى التي لم تتجاوز الثانية والعشرين من عمرها ، لديها أربعة أبناء ، أحدهم في السابعة من عمره

عادت المرأة تحثها على القبول وهي تعددمحاسن ولدها ومميزاته التي ترى أنها لا تنتهي .. فابتسمت ليلى قائلة :

ـ ولدك رائع بالفعل يا سيدتي  ، ولكن اغفري لي فأنا لا أفكر في الزواج حاليًا

هتفت المرأة مستنكرة :

– كيف هذا ، هل توجد فتاة لا تفكر في الزواج خاصة إن كانت في مثل عمـ….. أقصد أننا في هذه القرية اعتدنا على الزواج المبكر

عادت ليلى تبتسم فيعدم اهتمام قائلة :

– لقد وهبت حياتي لعملي ودراستي فهما عشقي الوحيد ، ولا أظن أن هناك رجل سيتحمل اهتمامي وانشغالي بهما معظم الوقت

هتفت المرأة في لهفة :

-كما قلت لك عمله في الإسكندرية ، وبالكاد يأتي إلى المنصورة يومًا واحدًا فقط في نهاية الأسبوع ، يمكنك أن تفعلي ما يحلو لكِ خلال ستة أيام ، أمامك كل الوقت للعمل والدراسة

تنهدت ليلى صامتة فأردفت المرأة في تصميم وعناد :

ـ حسنًا، لن ألح عليك كثيرًا ، سأترك لك فرصة للتفكير في الأمر بروية ، وسوف تقتنعين بإذن الله

أخيرًا عادت سعاد تحمل أكواب الشاى وهي تبتسم قائلة :

ـ آسفة للتأخير ، لقد كانت ليلى الصغيرة تبكي فلم ……..

 

استمرت سعاد في الثرثرة مع الزائرة بينما ذهب عقل ليلى بعيدًا.. لماذا لم يخبرها فؤاد شيئًا عن هذا العريس ؟

بالرغم من إصراره على تزويجها في أقرب وقت ممكن ، وإلحاحه المستمر والمشاحنات التي تحدث بينهما كلما تقدم أحدهم لخطبتها ..؟  يجب أن لا تتسرع في إصدار أحكام ، ربما سيخبرها اليوم عنه ، ربما كان متعبًاأمس أو مشغولًا بشأن عمله الجديد مع الحاج سالم ، وإن كان الأمرين بينهما ارتباط وثيق ، فزواجها من ولده سيدعم العلاقات بينهما بلا شك ……….

قطعت أفكارها المرأة عندما وقفت لمصافحتها قبل أن تنصرف قائلة :

ـ نحن في انتظار ردك يا ليلى

ابتسمت ليلى ولم تعلق ، انصرفت المرأة ، فاستدارت ليلى إلى سعاد قائلة :

ـ عجبًا ، فؤاد لم يخبرني شيئًا عن هذا العريس ..!

ـ ولا أنا كذلك

ـ لماذا .. وكل ما عرفته عنه حتى الآن يغري بأن يكون زوجًا ممتازًا؟!

ـ لا تتسرعي يا ليلى ، فأنت لا تعرفين عنه شيئًا سوى ما قالته والدته

ـ ماذا تقصدين ؟

غمغمت سعاد وهي تحاول التحكم بانفعال لم يغبعن عيني ليلى :

ـ ما أقصده هو أن كل أم لا ترى إلا محاسن ابنها ومميزاته ، خاصة عندما يكون وحيدها

ـ اخبرينى إذًا بما ترينه أنت فيه

تعللت سعاد بأن الصغيرة تبكي وأسرعت لتتركها وقد أدركت بأن هناك شيء ما يجب أن تزيح القناع عنه .. هناك سر وعليها أن تعرفه ..

 

تنفست الصعداء عندما حضر فؤاد الذي انتظرته طويلًا ، ابتسم وهو يحييها ، سألها عن عملها ودراستها ثم استدارمتجهًا إلى حجرته ، أيقنت أنه لن يخبرها عن هذا العريس ربما للأبد ، فاستوقفته قائلة :

ـ لقد جاءت زوجة الحاج سالم لزيارتنا اليوم

استدار إليها وسألهابقلق :

– ماذا كانت تريد ؟

تفرست بوجهه قائلة :

– جاءت لتخبرني بما لا تريد أنت إخباري به

زفر بضيق قبل يستدير عائدًا إلى حجرته قائلًا في نبرة زادتها فضولًا :

ـ لا تشغلي بالك بهذا الأمر ، لقد رفضته نيابة عنك

– وما أدراك بأنني سأرفضه ؟

استدار إليها في حدة فأردفت :

– فهو يبدو مثاليًا ،  وربما أوافق على الزواج منه

بلا مقدمات وثب نحوها وأمسك ذراعها بقسوة صارخًا :

ـ أين رأيت هذا القذر ؟  تكلمي…

صرخت في مزيج من الألم والدهشة :

– أنا  لم أره بعد ، أترك ذراعي فأنت تؤلمني

صاح غير مبال بآلامها :

-و لماذا تريدين الزواج منه إذًا ؟

ـ كل ما قلته هو ربما ، ما الذي يغضبك لهذا الحد ؟

تنهد في ارتياح وحررها في خشونة قائلًا:

– عليكِ نسيان هذا الأمر للأبد

مضى وتركها بعد أن تحولت حيرتها إلى جنون وفضولها إلى رغبة ملحة لا تتوقف ، رغبة سلبتها نومها الليل كله ، ما الذيحدث ليتحول فؤاد الوديع إلى وحش كاسر ؟ إنها لم تره أبدًاوقد فقد أعصابه لهذه الدرجة .. فهو دائمًاالعاقلالمتزن .. حتى في أصعب المواقف ..!

 

*****

 

بدا وكأن شرودها لن يتوقف ، غمغمت نادية وهي تنظر إليها في قلق :

ـ هل أنت على ما يرام يا ليلى ؟

هزت رأسها صامتة ، ترى هل يعلمون شيئًا عن ذلك الذي يسبب لها كل هذه الحيرة ؟ وهل سيخبرونها بما يعرفونه عنه أم سيتهربون بطريقة تزيدها جنونًا كما فعل أخيها وزوجته من قبل ؟ لابد أن تجد مدخلًا ذكيًا يرغمهم على إجابة تساؤلاتها كاملة ودون مراوغة

واتتها الفرصة عندما بدأ الحديث عن فارسها المنحرف كما وصفه دكتور عبد الرحمن قائلًا :

– يبدو أنك أمضيت الليل كله تفكرين في فارسك المنحرف .. عيناك مرهقتان للغاية

ضحك دكتور أحمد قائلًا :

– عندي لك فارس سيعجبك بلا شك ، مسجل خطر قبض عليه أمس فقط ، ما رأيك في الذهاب معي إلى مركز الشرطة ونطالب بالإفراج عنه حتى يتسنى لكِ إجراء تجربتك عليه ؟

ضحك ثلاثتهم وهم يتطلعون إليها في مرح.. ولكنهم توقفوا فجأه عن الضحك عندما قالت بصوت هادئ :

ـ أشكرك يا دكتور أحمد .. لا ضرورة لذلك.. فقد وجدت المنحرف الذي كنت أبحث عنه

تعلقت أنظارهم بها في فضول أطربها ، فتصنعت اللامبالاة وهي تخرج بعض الملفات من أحد أدراجها وتتظاهر بالنظر في محتوياتها

سادت فترة من الصمت قطعها دكتور عبد الرحمن في صوت جاهد ليخرج هادئًا :

ـ هل حقًا وجدت هذا المنحرف ؟

أجابته وهي تخفي ضحكة كادت أن تنطلق من بين شفتيها :

– نعم

ـ هل هو محترف ، أقصد هل هو عتيد في الإجرام ؟

ـ يبدو كذلك

ـ هل هو في السجن الآن ؟

ـ كلا

هتفت نادية ساخطة :

– كفى لعبًا بأعصابنا يا ليلى وهاتي ما عندك دفعة واحدة

ضحكت ليلى فى مرح قبل أن تضغط على كلماتها قائلة :

-هو أحد أبناء هذه القرية

نظر ثلاثتهم إلى بعضهم البعض قبل أن يعودوا للتحديق فيها من جديد ، سألها دكتور أحمد :

ـ إن كان حقًا من القرية ، فلابد أننا نعرفه ، ما اسمه ؟

جاهدت ليلى لتتذكر اسمه الأول ، لكنها لم تنجح ، فهزت رأسها قائلة :

ـ والده رجل ثري جدًا.. يمتلك نصف القرية .. يدعى الحاج سالم وهو ……

 

توقفت عن الحديث وهي تنظر في دهشة إلى زملائها الثلاثة الذين وقفوا فجأة وأخذوا يحدقون فيها بذهول بلغ حد الفزع ،  قبل أن يرددوا وكأنهم لسان واحد :

– ممدوح سالم ؟!

غمغمت ليلى في ذهول لا يقل عن ذهولهم :

– يبدو أنه أشهر كثيرًا مما كنت أظن

غمغمت نادية كالتائهة :

– أين رأيته ؟

ـ أنا لم أره بعد ، من رأيت هم والديه

صاح بها دكتور عبد الرحمن في فزع لم ينكره :

– هل تنوين الزواج من هذا الشيطان ؟

أجابته بلا تردد :

– نعم

تخلى فجأة عن لياقته وهو يمسك بذراعها صارخًا في حدة :

– كفى جنونًا وعودي لعقلك

انتزعت ذراعها من يده وبادلته صراخه :

– الجنون هو ما تفعله أنتَ يا دكتور ، وهو ما يمكنني مقاضاتك عليه

 

وربما لولا تذكرها لفؤاد في نفس المشهد تقريبًا أمس ، لقامت بمقاضاته بالفعل ، تدخل دكتور أحمد في محاولة لتخفيف حدة التوتر :

– ماذا تعرفين عن هذا الرجل يا ليلى ؟

صمتت قليلًا ، فهي بالفعل لا تعرف عنه شيئًا، لكن تصرفاتهم جميعًا ، بمن فيهم فؤاد ، تغريها للتعلق به .. وكيف لا تفعل وهو يسبب لهم كل هذا الفزع ..؟  إنه نموذج رائع لتجربتها بلا شك

عادت تهتف في عناد :

ـ ربما كل ما أعرفه عنه أنه منحرف وهذا ما أريده

ـ أتقصدين أنك ستهبين له نفسك هكذا دون أن تعرفي عنه شيئًا ؟

ـ يكفيني أن أعرف نفسي جيدًا ، أنا واثقة من قدرتي على تغييره

عاد دكتور عبد الرحمن يصرخ فيها :

ـ غرورك وجهلك هما ما يصوران لكِ ذلك ، إن كنتِ تتخيلين بأنكِ ستجعلين هذا الشيطان يسقط في محرابك فأنت مخطئة

اتسعت عيناها وهي تحدق فيه غاضبة لكنه لم يبال بل تابع بنفس النبرة الحادة :

ـ هذا المنحل محاط بعشرات الجميلات أينما ذهب ، ربما تصبحين إحداهن ، لكنك لن تكوني كلهن أبدًا

أردف دكتور أحمد وقد تخضب وجهه خجلًا :

– نسمع عنه أحاديث تشيب الوليد .. شأنه شأن رجال العصابات .. مجرم ويجاهر بإجرامه أينما وجد دون أدنى إحساس بالخجل .. حتى النساء لم تسلمن من همجيته ، فهو يقوم بتقبيلهن علانية غير مبال بعادات القرية وتقاليدها ، بل أحيانًا يضربهن أيضًابلا رحمة

قالت ساخرة :

-أهذا ما يزعجكم منه .. كونه يقبل النساء ويضربهن في الشوارع ..! وإذا فرضنا بصحة ما تقول ، فالخطأ لا يقع على عاتقه وحده ، بل على عاتق هؤلاء الحمقاوات أيضًا اللواتي سمحن له بذلك ، بل ربما يقع على عاتق الجميع لأن أحدًا لم يعترض

ـ ومن قال أنهم لم يعترضوا ، لكنه متوحش .. عنيف إلى أقسى درجة ، كم من رجل كاد أن يلفظ أنفاسه بين يديه دون أن يجرؤ على تقديم شكوى ضده ..بماله من نفوذ كبير هو ووالده الذي يمتلك ما يقرب من نصف القرية كما تقولين .. بالإضافة إلى قوتهالبدنية التيتوازي قوة الثيران ..الويل لمن يعترضعلى ما يفعله .. لن يكون له ثمن حتى ولو قتله

غمغمت نادية بصوت مختنق :

– ابتعدي عن هذا الرجل يا ليلى

وهمس دكتور عبد الرحمن في نبرة أقرب إلى التوسل :

ـ بالله لا تتزوجي هذا الشيطان يا ليلى .. سوف تخسرين كل شيء

وأردف دكتور أحمد محذرًا :

– أنه لا يخاف الله يا ليلى ، ومن لا يخاف الله ينبغي الخوف منه

زفرت بضيق قائلة :

– كل ما تقولونه سيجعل لتجربتي صدى أكبر

نهرتها نادية قائلة :

– إذا نجحت ، وهذا احتمال ضعيف جدًا

التفتت إليها في عتاب قائلة :

– حتى أنت يا نادية ..!  لم يكن هذا رأيك في قدراتي من قبل

ـ أنت لم تريه بعد يا ليلى

صاحت بهم في ضيق :

– كفى ترديدًا لهذه العبارة لقد سأمتها ، قلت لكم يكفيني أن أعرف نفسي

أطلق دكتور عبد الرحمن تنهيدة طويلة يملؤها الأسى قبل أن يغمغم بصبر نافد :

ـ كفى يا رفاق ، يبدو أن لا جدوى من حديثنا معها ، ولكن تذكري دائمًا يا ليلى ، أننا حذرناك جميعًا من هذه الزيجة

غادر الغرفة في غضب يتبعه دكتور أحمد بينما بقيت ليلى وحدها مع نادية التي جلست ساهمة على عكس عاداتها المرحة

ابتسمت ليلى قائلة :

– أين ذهبت ؟

تنهدت نادية وهي تتطلع إليها في إشفاق :

– ما سوف تقومين به مغامرة كبيرة ياليلى ، الله وحده يعلم ما ستؤول إليه

همست في عتاب :

– نادية ، أين تشجيعك لي ،  وحديثك عن مواهبي التي لا تنتهي ؟ هل فقدت ثقتك بي ؟

نظرت نادية في عينيها قائلة :

– أخشى أنثقتك أنت أيضًا سوف تتلاشى ما أن تريه وجهًا لوجه

ضحكت ليلىبعصبية قائلة :

– بالله كيف تتوقعون مني أن أتركه وأنتم تتحدثون عنه بهذه الطريقة ..؟  وكأنه الرجل الأوحد  !

هزت نادية رأسها وهي تبتسم في مرارة بينما برقت عينا ليلى وهي تسألها :

ـ يبدو أنك رأيته من قبل ، أليس كذلك ؟

شردت نادية قائلة :

ـ كان هذا منذ زمن بعيد ، ربما أكثر من ثمان سنوات مضت

ـ أين رأيته ؟

ـ فيمركز شباب القرية ، حيث كنا نذهب للترفيه قليلًا.. أو للحصول على بعض المراجع من المكتبة الملحقة به

ـ صفيه لي إذًا ؟

تأملتها نادية طويلًا قبل أن تغمغم بصوت منخفض :

-إنه نصفك الآخر يا ليلى

قطبت ليلى حاجبيها قبل أن تبتسم قائلة :

– هكذا ..!   وأنا لن أترك نصفي الآخر أبدًا

 

 

*****

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

error: