عصفورة تحدت صقر /للكاتبه فاطمه رزق

الفصل الرابع :

فتح ذلك الطفل الصغير الذى لم يتمَّ بعد الإحديّ عشر ربيعاً عينيه بفزع ، بعد أن سمع صوت الرصاص المدوى فى أرجاء القصر …

إنتظر الصغير أن يهدأ الصوت ، ولكن صوت طلقات النار بات يزداد شئاً فشئاً ، فتدثر الطفل تحت الغطاء حتى إختفى تحته تماماً ، كان يرتجف بفزع عقب كل رصاصة يطلقها أحدهم ثم …
الطفل لنفسه وهو يرتجف خوفاً وبنبرة متقطعة :
-آآ إ إيه ده !!
وضع هو يده على أذنه بعد أن سمع صوت إحدى الرَصَاصـات مرة أخرى ، وتنفس عدة مرات بسرعة شديدة عله يهدّئ من روعه ، ثم هتف لنفسه يشجعها بـ :
-يلا يا صهيب ، إنت مش جبان ، ومش خايف ، يلا قوووم ..
أخذ نفساً عميقاً .. بـل عميقاً جـــداً ، قبل ان يقرر انه سوف ..
-انا لازم اخرج وأشوف ايه الى بيحصل دا !!
قالها بنبرة متحشرجة ، وهو ينزع الغطاء عنه بتمهل ..
كانت شفتاه ترتجفان وهو يحاول النزول من على الفراش ، وما إن وطِـأت قدميه الأرض ، حتى أرسلت له برودة الأرض رجفة سرت فى انحاء جسده ، قاوم صهيب حالة الذعــر المسيطرة عليه بصلابة ، حتى ترك الفراش تماماً ، وأخذ يتسلل بهدوء شديد حتى وصل إلى الباب وصار الصوت واضحاً أكثــر ..

فتح الباب بخفوت شديد ونظر من خلال شِقِ الباب و …
-سيبونى اروح لجوزى سيبووونى ..
هتفت بها نوران بنبرة عالية ، وهى تحاول مقاومة الحراس الممسكين بها …

وما إن رأى صهيب ذلك المشهد ، حتى إرتجفت أواصله ، ولم تعد قدماه تقويان على حمله ، فجلس وهو ينظر إلى الخارج بأعين فزِعــــة ..

نظر معتز لنوران نظرات ذات مغزى ، وهو يوجه مسدساً نحو زوجهـا ، وهدر بها بنبرة غاضبة :
-مش ده جوزك حبيبك برضوه !؟ أنا هعلمك إزاي تسيبينى وتروحيله …
أعطاه إحدى رجاله سكين كبير ، وحاد ..
وأخذ ما يقرب من خمسة حراس ، يكبلون حركته من جميع الجهات ..
أحدهم كان ممسكاً بيديده الإثنتين ، والآخر قدمه ، وكلٌ لـه دور .. وحين أسقطوه أرضاً للقضاء على أي مقاومة لديه ..

جلال وهو ينظر له بكل ما تعنيه الكلمة من كُــره :
-طيب إقتلنى انا بس يا معتز ، و سيب نوران وصهيب ارجوك
إرتسمت ابتسامة متشفية على وجه معتز وهو يستمتع بذلك الإذلال العلنيّ الذى وضعه بـــه ثم ..
قهقه معتز وأردف بنبره تهكمية بـ :
-هــه ارجوك !! متتصورش كان نفسى تقولهالى قد ايه ، كان نفسى أشوفك مذلول قدامى ، بس لو مراتك رضيت تتجوزنى من بعدك مش هقتلها
لم يمهله أن ينطق كلمه أخرى ، حتى إنحنى بجذعه إلى جواره ، وقرب ذاك السكين الحاد من رقبته حتى إستقر السكين فيها وبات يذبحه كما الخراف …

صرخت نوران وهى ترى زوجها يذبح أمامها ودمه قد بات يجرى على الارض كما يجرى الماء فى النهر :
-جلاااااااااااااااال

اغلق صهيب عينيه بشدة ، ووضع يده على فمه لكتم أنينه الذى بدأ يعلو ، وهو يرى دماء والده قد تناثرت فى أرجاء الغرفة …
وإزداد شحوب وجهه ، وشعر بالإختناق ..
وفى ثوانٍ معدودة ، ظل شَريط الذكريات يعيد نفس المشهد أمامه ، ويعيد .. ويعيد .. ويعد ، وبعد كل مرة يرى بها ذلك المشهد ..
يطالعه إبتسامة والده ، ومزاحه معه وهو يركض خلفه كل صباحٍ فى الحديقة الواسعة ..
يطالعه وهو يميل عليه بقبلة حانية ..
يطالعه وهو يطعمه بيده ..

ثم ليفيق من ذكريات طفولته البريئة ، لتطالعه تلك الجثة الهامدة ..

جثة والده …

ضحك معتز بعد أن ألقى بجثة جلال التى أَدّمت الأرض حال وضعها عليها ، وأشار بيده للحراس الممسكين بنوران أن يتركوها ثم ..
معتز وهو يضم ساعديه إلى صدره ، وإبتسامة متشفية تعتلى ثغره :
-ها إيه رأيك فيا بقى ؟
سارت نوران نحو معتز إلى أن وقفت بمحاذاته ، ثم رفعت ذراعيها الإثنتين لتضعهم خلف رقبته و ..
نوران بنظرات إعجاب ، ونبرة هادئة :
-لا عجبتنى الصراحة ..
معتز بنبرة ساخرة وهو يحاول أن يقلد صوتها :
-سيبونى أروح لجوزى ، جلاااال
ضحكت نوران بميوعة ، ثم نظرت للجثة الملقاه على الأرض بتشفى قبل أن تردف بـ :
-مش يموت وهو راضى عنى أحسن !!

وحين سمع صهيب تلك الكلمات ، فتح عينيه ليتأكد حقاً أن والدته هى من تشدقت تواً بتلك الكلمات ، وحال رؤيته لذراع والدته الممدود نحو ال .. السفاح الذى قتل والده منذ فقط عدة لحظاتٍ قليلة ، قتمت عيناه ، وتصلبت ملامحه ، وتشنشجت عضلة من فمه آبيـــةٌ تصديق ما يحدث الآن ..

منذ ذلك اليوم ، أدرك صهيب فى قرارة نفسه أن ، حواء مهما ظهر عليها من ضعف ، ومهما ذرفت هى من الدموع أنهاراً ، ليست إلا حرباءً تبدل لونها متى يحلو لها ..
وبالرغم من صغر سنه إلا انه قد أدرك كل ما حدث فى ذاك القصر اللعين ، وتخلله ذلك الإحساس بكره حواء إلى أن صار منهجه الذى طالما إنتهجه طيلة حياته ..

صار كالصقر يحلق فى الهواء ولا ينظر أسفله الى تلك العصافير المزقزقة ، التى تدَّعى الضعف ، بينما هى فى الحقيقة ، تستطيع بحجمها الصغير فعل ما لا يستطيع ذاك الصقر الضخم أن يفعله ..

…………..

-صهيب باشا ، يا باشاااا
أردف بها عامل التنظيف ببشمٍ وهو يضع فنجان القهوة على مكتبه …
وضع صهيب يده بين خُصيلات شعره يكاد يقتلعها من جذورها ، وقد أفاق من ذكرى أليمة تطارده أطيافها منذ ذاك العمر الصغير ..
صهيب بنبرة غاضبة :
-بتزعق ليه ؟
عامل التنظيف بنظرات زائغة ، وبنبرة خافتة ، متعلثمة :
-أسف يا باشا ، بس أنا بقالى فترة كويسة بنادى على حضرتك عشان جبتلك القهوة ، وحضرتك مبتردش …

صهيب بنبرة منزعجة ، ونظرات حادة :
-خلاص روح إنت ..
حدجه العامل بنظرات ساخطة ، ولم يجرؤ على رفع عينيه قبالة عينية ، وسار وهو يغمغم بخفوت شديد إلى أن قبض على مقبض الباب ، وفتحه ، ثم ذهب ..

ظل صهيب ينظر لفنجان القهوة الذى امامه لفترة طويلة ..
قبل أن يرفعه لفمه ويرتشف منه القليل ..

……………………...

فى منزل عائلة عبد القدوس ،،،،،

وصلت جويرية تواً إلى منزلها ، وبمجرد أن دلفت ، ذهبت إلى غرفتها ، وهى تنتزع حجابها الأسود ، وتخرج منه دبوساً دبوساً وتغرزه داخل قلب أحمر صغيرٍ ، منتفخ ، وموضوعٌ على رفٍ صغير فى غرفتها ، وحين إنتهت من خلعه علقته داخل خزانتها ، بعد أن فتحتها ، وبدأت تبدل باقى ثيابها ..
حال انتهائها من تبديل ثيابها ، سمعت جرس الباب يرن ، فنظرت للسقف و ..
جويرية وهى تمط شغتيها بإستهجان :
-هما مستنين أغير هدومى عشان يخبطواْ ، صبرنى يارب
فتحت خزانتها وأحضرت عبائة فضفاضة وإرتدتها بسرعة بعد أن سمعت صوت الجرس من جديد ، وأخذت حجابها لتضعه على رأسها قبل أن تذتهب لتفتح الباب ..

نظرت جويرية من خلف الباب ثم إبتعدت عنه وفتحت الباب بسرعة وهى تبتسم ..
-كل دا عشان تفتحى !
أردفت بها جارتها العجوز التى تقف أمام الباب ، بنبرة عالية نسبياً ، وهى ممسكة بوعاء كبير مغطى بكيس بلاستيكيّ ..
جويرية بنبرة طبيعية ، وهى تتنحى قليلاً عن الباب لتعدها تدخل :
-معلش يا طنط روحية كنت بلبس حاجة عشان أفتح الباب و … ، اتفضلى يا طنط
الحاجة روحية بنبرة طبيعية وهى تدلف إلى الداخل :
-أه يا حبيبتى عارفة ، أنا كنت همشى خلاص قولت إنك فى الشغل ..!
جويرية بنبرة هادئة وهى تنزع الحجاب من على شعرها :
-انا لسا جاية ، روحت النهاردة بدرى عشان بابا بيتدايق لما برجع متأخر ..
إبتسمت السيدة روحية بودٍ وهى تربت على ظهرها ، قبل أن تردف بـ :
-ربنا يخليكى ليــه يابنتى ، إنتى إلى بقتيله من بعد ميادة الله يرحمها …

شردت جويرية فى ذكرى مضت ، ودنى الألم من قلبها ، فتلك هى والدتها .. هى الحب والعطاء ، هى السكينة والأمان ، هى السعادة والسلام ..
وحين رحلت خيم الحزن قلبها ، ورافق الألم كيانها ، وذرفت العين جُهدها ..
وفقط حينها أدركت جويرية أن لا شئ يستحق ذرف الدموع بعدها .. لا شئ أسوأ من تركها لها .. ومغادرتها حياتها .. فأصبحت جويرية تنهر عيناها إذا ما حاولت البُكــــاء ، وتزجر قلبها إذا ما سلك للسعادة بـــاب ،…

أخذت خيارها ، أن الزواج ليس مصيرها ، بل يكفيها تلك الحياه البسيطة التى تعيشها ، الى ان تلقى منيتها وترى فى الجنة حبيبتها ..
والدتها ….

أفاقت جويرية من شرودها على صوت ..
روحية بنبرة آسفة ، ونظرات حانية :
-أسفة يا بنتى والله ما كان قصدى ، انا بس إفتكرتها ، والكلمة حتى طلعت من غير قصدى
حاولت جويرية رسم إبتسامة على شفتيها فلم تفلح إلا فى …
جويرية بنبرة هادئة :
-عادى يا طنط ولا يهمك ، إنتى لسا واقفة عندك ليه ؟ يلا إقعدى
أومأت الحاجة روحية رأسها وسارت عدة خطوات إلى أن دلفت إلى المطبخ فإستعجبت جويرية و ..
جويرية بنبرة مهتمة :
-هو حضرتك عاوزة حاجة من المـ …
روحية مقاطعة إياها بنبرة جادة :
-تعالى كدة يا جويرية
ذهبت جويرية إليها فوجتها قد إختارت حد المقاعد التى بجانب الطاولة ، وسحبتها لتجلس عليها ، ووضعت الوعاء الكبير الذى أحضرته فى منتصفها ..
روحية بنبرة طبيعية :
-تعالى يا بت اقعدى جنبى هنا
رمشت جويرية ثلاث مرات بدهشة ، لإستيعاب ما تفعله تلك العجوز …
ثم جلست على المقعد المقابل لها و ..
روحية بنبرة طبيعية وهى تكشف عن محتوى الوعاء :
-بصى دول شوية جمبرى عاوزين يتقشروا والواد صبرى من فترة طويلة بيسألنى على المدفونة ، فنزلت جبتله من السوق النهارده ، وقولت نقشره سوا انا وانتى
أومأت جويرية رأسها لثوانٍ وهى تردف بـ :
-ماشى لحظة هجيب طبق نحط فيه الجمبرى وطبق للقشر
-وهاتى طبق وحطى فيه ماية عشان نغسل فيه إدينا كل شوية ..
جويرية وهى تنخفض لتضر المتطلبات من خزانة المطبخ :
-طيب ..
أخرجت جويرية وعائين ووضعتهم امامها ثم أخرجت ثالثاً وملأته بالماء ، ثم وضعته على الطاولة وجلست بعدها ..

روحية بنبرة جادة :
-بقولك إيه ، إنتى النهاردة متطبخيش لأن دا لينا إحنا الإتنين
جويرية وهى تهز إصبعها بالنفي ، بعد أن رفعته قبالة وجهها :
-لا ياطنط انا …
روحية مقاطعة بنبرة شرسة :
-إتكمتى يا بت ، انا مش باخد رأيك ، وبعدين فيها ايه لما نطبخ سوا ، جتك وكسة ….

……………………..

فى إحدى المنازل المتواضعة …

كانت فيروز واقفة أمام تلك المرأة العجوز ، ممسكة بكأس الماء ، والدواء فى اليد الأخرى ..
فيروز بإبتسامة عذبة ، ونظرات دافئة :
-أنا عارفة إنك مش هاتشربى الدوا إلا لما أنا أشربهولك بنفسى ..
الوالدة بنبرة محتقنة :
-انا قرفت من الدوا ده يا بنتى ، مش عاوزة أشربه ، لا بيقدم ولا بيأخر ..
وضعط فيروز الكوب على الطاولة ، أمامها ثم أحاطت يدها بساعديّ والدتها ، وراقبتها بنظرات دافئة ثم …
فيروز بنبرة حانية :
-يا حبيبتى لازم تاخدى الدوا عشان تخفى بقى ، وترجعى نعمة بتاعة زمان ..
تنهدت نعمة بأسى قبل أن تردف بحزن بـ :
-ياريت يا بنتى ، بس أنا كبرت خلاص وعجزت وعندى السكر ، والضغط ، وأمراض تانية كتير .. ومستحيل أرجع زي الأول ، الحمد لله يارب على كل حال

فيروز بنظرات مشفقة على والدتها التى نال منها الدهر نيلا ،ً فأصبحت عجوزاً هرمة ، لا تقوى على الحراك :
-لا يا حبيبتى متقوليش كدة هترجعى زى الأول وأحسن بمليون مرة كمان ، يلا بقى خدى الدوا
تنفست نعمة مطولاً وهى ترى إبنتها تحضر الماء وتقربه منها مرة أخرى مسترجية إياها أن تشربه ..
فيروز وهى تقرب كأس الماء من والدتها :
-يلا يا حبيبتى بقى ، إشربى يلا ..
بالفعل أمسكت نعمة بالكأس الممتلئ بالماء وشربت نصفه بعد أن وضعت الدواء داخل فمها ..
ربتت فيروز على ظهر والدتها بحنو بالغ قبل أن تردف بنبرة هادئة بـ :
-هسيبك أنا دلوقتى يا حبيبتى عشان تنامى وترتاحى شوية
ثم سارت هى مبتعدة بعد أن طبعت قبلة حانية على وجنتيها

خرجت فيروز من غرفة والدتها وقد إجتاحتها نوبة من الإختناق بسبب ما تعانى منه والدتها ..
زفرت هى بقوة محاولة إخراج ما فى صدرها من ألم ، ودنت قليلاً من صورة كبيرة معلقة على الحائط ، لرجل قد بدى عليه الوقار ، نظرت فيروز إلى الصورة مطولاً بصمت مريب ثم ..
هدرت فى الصورة بوهن شديد :
-كدة يا بابا تسيبنا لوحدنا وتمشى ، شايف ماما مغلبانى إزاي ، أنا مش بتأمر ولا متدايقة ، بس .. بس أنا تعبت
تدافعت الدموع تتسابق على وجنتيها قبل أن تضم ساعديها الى صدرها ، علها تكتسب من القوة ما يجعلها تواجه باقى تلك الحياه البائسة التى تحياها ..
تابعت هى بنبرة أكثر إختناقاً من ذى قبل :
-أنا عمرى ما نسيت يا بابا لما قولتلى إنك هتفضل معايا دايماً ، وهتحمينى ده لما ماما بس كانت بتحاول تضربنى ، كنت بتقف لها ، بس شوفت بنتك بيحصلها إيه من بعدك ، بتتعذب عشان مجرد حيوان شايف نفسه على الكل .. انا بقيت بدخل الشركة مرعوبة أفضل أتلفت شمال ويمين ليكون موجود ..
حررت هى إحدى ذراعيها ورفعت كفها الى وجهها وبدأت تمسح دموعها ببطئ قبل أن تردف بنبرة خافتة بـ :
-الحمد لله يارب على كل حال …

…………………..

فى المقر الرئيسى لشركات صهيب للسيارات ،،،،،

فى مكتب صهيب ،،،،،

دلفت موظفة ما بعد أن أذن لها صهيب بالدخول وهى تتمايل بجسدها المكتنز بإغراء بيّن ، وقد كانت ممسكة بملف مكتظ بالأوراق الهامة ، التى تحتاج الى توقيع أو ما شابه ، فيما كان صهيب ينظر لعدة أوراق أمامه بتركيز شديد ، وحين يأست تلك الموظفة أن يلتفت لها تنحنحت بخفوت ثم ..
الموظفة بميوعة واضحة :
-إحم … النهاردة فيروز مجتش يا بيه ، وأنا الى قومت بكل الى بتعمله ، بس بزمتك يا بيه مش أنفع برضوه !!
نظر لها شزراً قبل أن يردف بنبرة باردة بـ :
-إنتى معملتيش إلا واجبك بس …
وضعت هى يدها على فمها ، بحرج زائف ، وهى تتقدم و تتمايل بخطواتها بطريقة أثارت فى نفسة الإشمئزاز ، والتقزز ، رغم أنه لا ينكر أن محاولاتها للتقرب منه ، تشعره بمدى إمتهانها أمام جاذبيته ، وتعزز من غروره داخل قرارة نفسه ..
وبالرغم من النفور الذى رأته تلك الموظفة فى عينيه ، إلا أنها إستمرت بالتقدم إلى أن وقفت أمامه ..
الموظفة بنبرة تحمل الإغراء ، وهى تمد يدها له بالملف :
-طبعاً واجبى ، وخصوصاً إن إنت إلى …
صهيب مقاطعاً بنبرة حادة ، وهو يلتقط منها الملف :
-إسمها حضرتك
شعرت الموظفة أن جميع محاولاتها للتقرب منه تبوء بالفشل الزريع ، فمالت بجذعها نحو مكتبه بدلال ، ثم ..
الموظفة بنبرة خافتة :
-أااه sorry مكنش قصدى حضرتك ..

نظر لها صهيب وهى تحاول جاهدة الإقتراب منه قدر المستطاع ، بنظرات باردة تحمل فى طياتها إستحقاراً ظاهراً …
وبنبرة جليدية أردف بـ :
-لـو خلصتى محاولاتك الفاشلة فى إغرائى ، إطلعى برا ..
فغرت الموظفة فـاهــا بصدمة ، وإنتصبت فى وقفتها ، ثم رمشت عدة مرات … بعد أن شعرت بمدى حقارتها أمامه ، وقد نجح فى إيصال شعور النفور منها ، لها ببساطة ..
فأضاف صهيب بنبرة أكثر بروداً ، و إستحقاراً :
-وأاه نسيت ، عاوزك تاخدى مرتبك ومشوفش وشك فى شركتى تانى ..
تجمدت ملامح الموظفة الواقفة أمامه ، وبنبرة متعلثمة تشدقت بـ :
-ليه يا بيه أنا عملت إيه بس ..
لم يكلف نفسه عناء النظر إليها ، وظل ينظر إلى الملف الممسك به ، ويقلب أوراقه بهدوء ثم ..
صهيب بنبرة تحمل الغرور ، والتعالى :
-دى شركتى وأنا أقرر مين الى يفضل ، ومين الحشرات إلى أنفخ فيها وأطيرها ..
ثم صمت لبرهة ليحدجها بنظرات قاسية ، ليردف بعدها بـ :
-ثم إنك أكيد عارفة أنا بطردك ليه ، أكيد عشان مصلحتك ، عشان تلاقى شغل فى مكان أحسن ، فى ديسكو مثلاً ، أو .. أو ممكن ليلة مع راجل غنى ، الموضوع دا بيكسب كتير برضوه ..
شعرت الموظفة بالإذلال الذى أذاقها إياه ، فإندفعت نحو الباب لتخرج من ذاك السجن البغيض ، الذى تفنن صاحبه بالعبث بالكلمات لتصبح كسوط من نار …

أزاح صهيب الملف الممسك به من يده ، وهتف بنبرة جافة هازءاً بـ :
-هـــه ، كلكم شبه بعض …
وفجأة سمع صوت هاتفه المجلجل ، فإستدار نحوه ، وأمسكه ، ثم أجاب بعد أن رأى إسم المتصل ..
صهيب بنبرة شبه طبيعية :
-طيب يا رحيل جاي ، كان عندى شوية شغل بس وبخلصه … تمام نص ساعة وأبقى عندك ، أوكى سلام
أغلق الهاتف وبدأ بتجميع أغراضه إستعداداً للمغادرة …

……………………...

إستيقظت جويرية صباحاً ، وتمددت فى فراشها بتثاقل قبل أن تنزل ببطئ من على الفراش ، وتدلف إلى الحمام ..

وبعد عدة دقائق خرجت جويرية وهى تحمل منشفتها السوداء ، وتجفف وجهها ، ويديها
ودنت من سجاة الصلاه بعد أن إرتدت عبائتها لتصلى ..
وحين انتهت من صلاتها ، إرتدت ثيابها بسرعة ، ثم خرجت من غرفتها صوب غرفة والدها لتطمئن عليه ..
وحين دلفت إلى حجرته ، وفور رؤيته نائماً إتجهت نحو الباب وخرجت منه ، مودعة المنزل ذاهبة إلى جامعتها …

……………………..

إنتهت فيروز من تجهيز نفسها للنزول من المنزل ، لتذهب الى الشركة ، ولكن كان ينتابها بعض القلق تجاه ما ستؤل إليه الأمور .. فهل سيقف معها ذلك المدير القاسي ، المرعب الذى يخشاه الجميع ، ضد صديقه ! ، ولكنها حاولت تهدأة نفسها وطمأنتها أن كل شئ سيكون على ما يرام ..
أسرعت فيروز فى خطواتها وهي تعبث بحجابها حديث الإستعمال ، وتحاول أن تخفى خُصيلات شعرها التى تدافعت للخروج وهى تسير ….

حين وقفت فيروز أمام الشركة حاولت أن تدلف بثبات وتخفى ذلك التوتر الذى إتضح أنه سيرافقها ولن يغادر تعابير وجهها ..
دلفت فيروز الى الشركة وهى تجر قدميها ، تتقدم واحدة ، بينما تتخاذل الأخيرة ، حتى وجدت نفسها أمام مكتبه ، تطرق الباب منتظرة الاذن بالدخول ……………………..………….!!!!!!

error: