جاري سداد الدين

الفصل الثاني!


عايدة عبر الهاتف!!
_ يا بنتي مش اتفقنا أنا اللي هاخد الشامبو والزيت الشهر ده..  بتاخديهم ليه؟!

رجاء بمكر:
وحياتك نسيت ياعايدة..  خلاص انتي اما تيجي المرة الجاية، خدي علبة شامبو تاني ومحدش هياخد باله!!!

عايدة بضيق:الكلام ده ماينفعش، كده هيحسوا..احنا متفقين نقسم الموضوع بنا.. كل شهر انتي حاجة وأنا حاجة!

رجاء دون اهتمام : خلاص بقى عديها، شوفي جلابية جديدة من بتوعها، بنت الأيه الكركوبة دي ابنها أحمد بيجيبلها هدوم ولا كأنها شابة بنت عشرين..وهموت على جلابية فيهم وهاخدها وأنا ماشية!!
ثم مصمصت شفتيها بعدم. رضا:
_عيني علينا ياختي محدش بيعبرنا بباكوا لبنان..  وانا وانتي اللي شايلينها بدال العقربة حماتنا اللي بتمثل المرض كل مرة!!

عايدة بإمتعاض:  أنتي بيخيل عليكي الكلام ده، دي ست ناقصة مش طامر فيها تربية..! هو في نوع من البشر كده، يحب ياخد من الدنيا حلاوتها وبس، واما تقلب بوشها الكالح، يخلعوا من مسؤليتهم..  مش عايزة تتعب يوم لأمها، بس بتجري ورى عيالنا وتأكل وتشرب وتدادي فيهم وعلى قلبها زي العسل!  إنما تروح تراعي أمها ده تقيل على قلبها..!

ثم ضحكت بسخرية:  بس يلا اهي جت علينا بفايدة، اهو بناخد من خيرها، ونوفر من مصروف البيت لعيالنا..  وبندخل جمعيات ونشيلها للزمن .. أمال هنخدمها لله في لله!!!

أجابت رجاء:  على رأيك والله .. ماهو مش هيبقى مرار طافح من كله، والعيشة صعبة!  ده أنا بيعت لجارتي عباية أخدتها منها..  جابتلي قرش حلو أوي، جبت بيه طقم للبت علا ..!.. ثم أستطردت:  ما علينا اقفلي بقي وكفاية رغي خلينا نشوف اللي ورانا..!

اغلقت الهاتف وراحت تعبث بملابس الأم فاطمة لتأخذ القطعة التي أعجبتها لتختبرها على جسدها..!

_ يالهوي يابت ياجوجو..  الجلابية دي هتاكل مني حتة كأنها متفصلة تفصيل عليا وهجنن بيها ابو العيال!

ظلت تدور حول نفسها، والمرآة تعكس للبصر حُسن الجسد..أما بصيرتها المخدرةِ، حجبت عنها قبح ذاتها.!
ولم تدري أنها ذات يوم ستعكس فقط حقيقتها دون خداع..! فما أقبح وجوهنا في المرايا..!
حين تُفضح دواخل نفوسنا المخجلة..!


في منزل هند وعصام..!

_يلا ياحبايبي غيروا هدومكم عشان نتغدا مع بابا
محمد:  حاضر يا ماما..!
حنان:  عملتي بطاطس “أورنج”يا ماما؟
أبتسمت هند لإصرار أبنتها علي أن البطاطس المطبوخة بعصير الطماطم هي أورنج وليست حمراء!

_ عملت طبعا، هو أنا اقدر أتأخر عن نونة حبيبة ماما، بس يلا روحي زي اخوكي غيري هدومك واغسلى أيدك كمان..!
……………………
بعد الغداء..!

عصام:  بقولك أيه ياهند.. أعملي حسابك بكرة ظبطي أكل كويس، لأني عزمت عادل صاحبي ومراته وولادهم على الغدا..!
أتسعت عيناها بذهول:  نعم؟؟؟؟

أجاب ببرود: هو أيه اللي نعم!!  بقولك عامل عزومة بكرة، هو مش من حقي أعزم الناس في بيتي ولا أيه؟ أتكلمنا والكلام جاب بعضه وقلتله مستنيك، أيه المشكلة مش فاهم؟!

هتفت بضيق: المشكلة إنك عارف يا عصام إن بكرة عليا الدور أروح لأمي..  وكمان محدش بيتعزم فجأة، من حقي اعرف قبلها بوقت كافي عشان احضر البيت واقرر هطبخ أيه واجيب طلباتي بدري..  أجل العزومة دي يومين بس، وأنا هعمل افضل عزومة وأشرفك!

قال باستنكار:  يعني أطلع عيل مع صاحبي عشان خاطر الهانم اللي مابقيتش فاضية لبيتها..!

_ ماقولتش كده، قوله إن المدام تعبانة، وأجل بس العزومة يومين، أكون رجعت من عند ماما وجيب كل لوازمها وحضرتها وظبطت البيت ، وهعملك والله وليمة تشرفك!

أجابها بعناد:  لأ..  مش هرجع في كلامي..  العزومة بكرة، وخلي فريال تروح هي مكانك مرة من المرات الكتير اللي بتنوبي فيها عنها.. هي فاضية عنك وولادها كبار ومتجوزين وكل واحد عنده ست تخدمه وتخدمها كمان. أنتي اللي المفروض تراعي هي ظروفك شوية، بس هقول أيه أختك أنانية!!

_ أنا ما اسمحلكش تقول كده على أختي يا عصام، أنا وهي أحرار مع بعض!
_ وأنا كمان حر وبستخدم حقي إني اعزم حد في بيتي وانتي لازم تعملي الي عليكي يامدام..!

رمقته بنظرة مشبعة بالقهر وأجابت بنبرة مختنقة: حاضر… هتصرف!

تركها، فتحررت عبراتها بصمت، واستدعت كل طاقة داخلها كي يصمد جبل صبرها..ولا ينهار برياح غضبٍ تحاول تحجيمه، فلو أطلقت له العنان.. لأخد بطريقه كل أستقرار باقي حتى اللحظة..!


عبر الهاتف!
عايدة:  أنا زهقت من حماتنا دي.. كنت عاملة حسابي إن دوري مش هايجي دلوقت مع أمها، لقيتها بتتصل بخالد جوزي وتقوله خلي مراتك تجيب العيال، وتروح لماما انهاردة عشان هند مش هتقدر تيجي..!

رجاء:  معلش يادودو أهو يوم ويعدي، وبعدين ياعبيطة ما قلنا احنا بنستفيد من وراها.. أنتي روحي اقعدي ساعتين، تكوني عطيتها علاجها وغدتيها، وتقومي مشغلة التليفزيون وسيبيها وأنزلي وتعالي على بيتك من غير ما حد يعرف.. واما حماتك تكلمك ولا جوزك قولي إنك هناك عندها..  وانتي ارتاحي ع الأخر واتفرجي على الهندي بتاعك، وسيبي لحماتك العيال تأكلهم وتشربهم، وانتي سلطانة في البيت!

عايدة: ماشي خليها يطلع عينها مع عيالي، وأنا هعمل بنصيحتك ساعتين وهسيب الكركوبة دي قدام التليفزيون، هي هتحتاج أيه أكتر من كده!

مضى الوقت واستعدت عايدة للمغادرة بالفعل تاركة الأم فاطمة بمفردها..!

فتمتمت لها قبل المغادرة:  أظن كده مش ناقصك حاجة، أخدتي علاجك وأكلتي، والتليفزيون أهو شغال يسليكي، لحد بكرة الصبح ماتيجي يمنى مرات ابنك تستلم دورها…  ثم ضحكت هاتفة:

عيالك العبط فاكرين اختهم فريال بتيجي وتبات معاكي وتمشي قبل ما يجوا هما..  مايعرفوش إنها أصلا مابتجيش وبتبعتنا أحنا.. أشمعني دي اللي في عيالك طلعت ناقصة وجاحدة كده يا حجة فاطمة!
يلا ادينا بنعمل اللي علينا وكله بثوابه!

التمع خاتم الجدة حول إصبعها ببريق سطع بعين عايدة فتمتمت بضميرها: وملبسينك دهب كمان!  على أيه مش عارفة، بقي حتة الخاتم الفخم ده يبقى في ايد كركوبة أيدها مكرمشة، وأنا ايدي الحلوة دي فاضية!!!!
أقتربت رويدًا رويدا بهيمنة من شيطانها وصدى صوته يوسوس بعقلها:  خديه يابت ومين هياخد باله! هيفتكروه وقع من إيدها وضاع..!!!

وانتزعته رغما عن الأم فاطمة التي استنكرت بعينيها  فعلتها المشينة، وأطلقت همهمة اعتراض لم تهتم لها عايدة.. وعجزت الأم عن حماية خاتمها هدية ابنائها أحمد وهند..! وأنحدرت عبرة بين ثنايا وجهها المجعد.. واشتكت حالها لخالقها..!


تعب شديد يسري بسائر جسدها بعد مغادرة ضيوف زوجها الذين أعدت لهم وليمة كبيرة، وبذلت الكثير من الجهد بنظافة المنزل لجعله بشكلٍ لائق!

أضجعت على فراشها لتنال قسطًا يسير من النوم، فالغدِ حافل، بداية من روتين أبنائها الصباحي اليومي قبل ذهابهما للمدرسة، ثم جلي صحون وطناجر العزيمة التي لم تقدر على جليها لإرهاقها، وترتيب البيت ثانيًا بعد خروج  الجميع، وتشغيل الغسالة على ملابس الصغار، ثم تذهب لوالدتها، كم تحتاج حضنها الآن، تقسم داخلها لو ربتت عليها بتلك اللحظة لزالت كل آلامها بفعل ربتتها..! من يمكن أن يشعر بها في هذا العالم سواها..  من يحبها ويخاف عليها مثلها؟! لا أحد!  قطعًا لا أحد يساوي حنان أم صادق!

_ هند .. هند أنتي لحقتي نمتي؟

تجاهلت صوت عصام جانبها، واغلقت أجفانها ونظمت أنفاسها..  هي تحتاج غفوة، تدفن بها غضبها منه .. ستغفو حتى تعود لها القدرة على تحمل الواقع وأعباءه..!


عبر الهاتف!
_ يعني هتروحي لماما أنهاردة ياهند؟
_ أيوة يا أحمد.. محتاجة اقعد معاها شوية وحشتني

شعر بالكثير بصوتها فتسائل:  مالك يا حبيبتي صوتك مضايق أوي، هو عصام اتخانق تاني معاكي؟

ألتوت شفتيها بتهكم( وهل تخلف يومًا عن إغضابي)، فتابعت بهدوء:  لا يا أحمد اطمن، أنا عشان ماروحتش لماما في دوري امباح مضايقة وعايزة اشوفها..  انت استغل النهار كله لو هتعمل حاجة، وتعالى بالليل وبات مع ماما.!

استسلم لعزوفها عن البوح وهتف بمزاح منغمس بحنان ذكرى بعيدة بينهما:  حاضر ياروح أخوكي، تحبي اجيبلك حاجة وانا جاي؟!
وأكمل حديثه دون إنتظار:
فاكرة يابت ياهنود، أما كنت أجيبلك الشيكولاته رشوة عشان تكويلي قمصان الأسبوع كله؟!

ابتسمت لتلك الذكرى المطعمة بلمحة دلال أخيها:
وفاكرة أما كنا كل يوم نتخانق عشان ما كانش يحلى ليك الطلبات إلا وأنا بتفرج على اي فيلم أو مسلسل!

ضحك متمتمًا: كنتِ بتردي تقوليلي أما يخلص الفيلم، وأنا اقوم متعصب وطافي التليفزيون، تحلفي ما هتعملي حاجة، أقوم واخد الريموت نفسه وخارج!

أزدات ابتسامتها وهي تسبح بتلك الذكريات:
بس أنت كنت حنين يا أحمد، كنت بترجع بعدها جايبلي حاجة بحبها وتقولي ماتزعليش!

أجاب وشفتيه تقاسمها نفس البسمة:
عبيطة من يومك ياهند..  ماهو كان في مقابل، مش كنت بضحك عليكي واخليكي تكوي هدوم جديدة..  كنت بستغلك عشان بكره المكوة ومابعرفش لحد دلوقت أكوي حاجة!

وكأنه ذكر ما تحتاجه!  فقط الحنان!
نعم كانت تقدم له مقابل، ولكن برضا..!
فرحتها بما ابتاعه لها كان يجعلها راضية!
ليت عصام يفعل مثله، ويعرف كيف يراضيها بأشياء شديدة البساطة، لو فعلها لجنبهما معًا شبح انفجار تشعر أنه بات قريبًا.. الضغط يزداد..  وهي ما عادت لديها القدرة الكافية!


أنطلق صوتها ببهجة حقيقية:
_ ياحجوجة يا جميلة وحشتي هنودة!

أحتضنتها هند وقبلت رأسها هاتفة:  عاملة أيه يا طمطم وحشتيني اوي يا ماما..  صدقيني اليوم اللي مش بشوف عيونك العسلي الحلوة دي، بحس إن ناقصني كتير!! ثم واصلت بمرح:
_ هو أنا ليه يا ماما ما أخدتش جمال عنيكي ولون شعرك.. أكيد كنت اتغريت ع الأخر لأني كنت هكون أجمل بنت طلعت لأمها..!

تبسمت الأم ببشاشة لحديث هند المحبب!
فهتفت الأخيرة:  أنهاردة بقي هعملك أكلة بتحبيها بس بشكل صحي خالص..  وهدلعك أخر دلع ياطمطم
وهحميكي وأخليكي جشطة يا عسل نحل أنت يا حجوجة!!!

تنهدة الأم فاطمة وعيناها تدور على ملامح ابنتها وفاضت لها بسيل حنان شديد، لمس قلب هند وجعلها تحيط براحتها وجه والدتها هاتفة بنبرة تختلف عن تلك التي اتسمت بالمرح منذ قليل:  تعرفي ياماما..  كان نفسي أوي امبارح تحضنيني..  كنت تعبانة أوي أوي، وحسيت وقتها لو حضنتيني!  كنتي دوبتي آلم الدنيا كله في حضنك.. أنتي صحيح يا ماما مش هتقدري تضمي ايدك حواليا وتخبيني بين دراعاتك..  بس صدقيني نظرة عنيكي الحنينة دي تساوي أعظم حضن في العالم، أنتي ضمتيني برموش عنيكي!  أنا بحبك أوي يا ماما، ومابقيتش برتاح إلا وأنا معاكي!

ثم ملست على خصلاتها الفضية برفق:
أوعدك يا أمي لو في يوم اتحطيت في أختبار بينك وبين أي حاجة .. هختارك انتي ومش هتخلى عنك ابدا ابدا..!
ثم انحنت تقبل يدها بإحترام، فلاحظت خلاء أصابعها من خاتمها الذهبي، هديتها هي وأحمد بعيد الأم الماضي! فتسائلت:
فين الخاتم بتاعك ياماما؟! كان في أيدك أخر مرة شوفتك فيها، معقول وقع منك وحد فينا بيحميكي واتزحلق من الصابون والمية؟؟؟

منحتها الأم نظرة حزينة ثم ابتسمت بسخرية أحتارت هند في تفسيرها فهتفت:  مالك ياماما، طب انتي حسيتي أما الخاتم وقع منك ولا ما أخدتيش بالك؟!.. لم تجد في ملامحها أي إجابة فقالت:
عموما ياحبيبتي مايهمكيش حاجة، ولو ضاع فداكي هنجيبلك أحسن منه!

فأطلقت الأم همهمة معترضة وراحت تهز رأسها وتشير بعينيها على أذن هند، لتجعلها تفهم ما تريد!

لم تفهم ابنتها فتسائلت:مالك يا أمي عايزة أيه ياحبيبتي، بتبصي على ودني ليه مش فاهمة!

كانت الأم تريد إخبارها بنزع القرط الذهبي الخاص بها من أذنيها، فبعد فعلة عايدة النكراء، أصبحت لا تأمنها علي كل ثمين يخصها، والأفضل أن تحتفظ هند بمصوغاتها الذهبية قبل أن تسرق من تلك الحية!

ظلت تحاول إيضاح ما تريد لهند حتى أثمرت محاولاتها، وقالت ابنتها:  الحلق؟ عايزة الحلق بتاعي ياحبيبتي، من عيني هقلعه وخديه مايغلاش عليكي ياغالية..  فأزدات همهمات الأم غضبًا ورمقتها بنظرة تحذيرية ألا تنزع قرطها..  بل تريد نزع ما ترتديه هي، ولكن كيف تُفهمها بذلك العجر عن النطق!

شعرت هند بأن هناك شيء تريد والدتها إخبارها بيه، ولكن لا تفهمه..  حقًا عجز إدراكها عن فك طلاسم همهمات والدتها تلك المرة، نظرتها غاضبة بشكل يُقلق، تُرى ما يزعجها إلى تلك الدرجة؟!!!

تنهدت وتمتمت:  أنا بجد يا ماما مش عارفة افهم، طب بصي أنا هروح احضرلك أكل عشان علاجك وبعدين احميكي، وتحاولي تاني تفهميني عايزة ايه..  بس عشان الوقت مايضعش مني!

وتركتها لتفعل ما تريد..  وظلت الأم على نظرتها الغاضبة..  يجب أن تأخذ هند كل مصوغاتها التي ترتديها أو حتى تدخرها..  فالأمر لم يعد مجرد قطع صابون معقم يُسرق منها..!

error: