زجاجة عطر

بقلمي : أمل منشاوي

زجاجة عطر


_______
لا ادري الى متى سأظل هنا رهن محبسي هذا …..
هل مر عام …! اثنان …ثلاث !! لا يهم ، فلقد مللت من العدد والانتظار ، وحالي كما هو لم يتغير منه شيء
حبيسة أنا بين جدران أربع …لم أر للنهار نورا …
ليلي طويل لا ينتهي أبدا …وكم حلمت بذاك اليوم الذي ترى فيه عيوني شمس النهار
كان آخر لقائي بنورها في ذلك اليوم الذي جمعني فيه من قام بتجهيزي ..ثم صبني صبا في تلك القارورة الإنسيابية التي تشبه في رشاقتها رشاقة راقصة البالية في أروع العروض الرومانسية
كنت أحلم كل ليلة بتلك المرأة التي ستملأ أنفاسها عبقاتي ، فرأيتها ذات أنامل دقيقة ، وبشرة ناعمة …لامعة .. بيضاء .. أو سمراء ..أو خمرية ….عيناها نجلاوين يغرق في أعماقهما أعتى البحارين ، يتساقط من ثغرها الدر فيضيء للمحبوب ظلام لياليه
صوتها كعزف قيثارة شجية … ينساب منها لحن يرسم للحياة حياة … ويلونها بألوان الأزهار
كانت جميلتي شجية ،عصية …… ندية ، سخية …. صاحبني طيفها في كل وقتي فهونت على طول الليالي .. حتى جاء ذاك اليوم …..فسمعت بآذان مرهفة …آنامل تطرق باب صاحبي طرقا خفيفا
وعندما فتح الباب ، سمعت كثير ترحاب من صاحبي لذاك القادم …فشعرت أن قد آن أوان خروجي للنور وستبدأ تجربتي الكبرى
فما آروع ان تستنشقني أنفاس محبوب يسعى لإسعاد حبيبه فأفعل به الأفاعيل ، فيظل قابع في محراب من يحب يمتع نظره بجمال محياه ويملأ صدره بآريج عبيره
قال صاحبي للغريب أنه سيهديه أجمل العطور لمن ملكت عقله وفؤاده…
ففرح الغريب أيما فرح ، وفرحت أنا في محبسي ، وتراقص العطر بداخلي
شعرت بيد صاحبي تمتد الي ،في ظلام المكان القابعة انا فيه ، وشيئا فشيئا بدأ النور يتسلل الى اركاني وكلما زاد الضوء تدفق العبق الي عنقي ففاحت منه جميل الروائح
أدخلني صاحبي في علبة أنيقة ثم غلفها بغلاف يليق بتلك الغائبة الحاضرة
القيت على صاحبي الجديد نظرة عابرة فإذا به فتى أنيق ، لم يتجاوز عمره الثلاثين ، رسم العشق على وجهه بشاشة واقبال على الحياه …سعدت بمرآه وتخيلت محبوبته الرقيقة ، فرأيتها كحور العين
أخذني ذاك العاشق الولهان ، وفي الطريق سمعت دقات قلبه تهتف …أحبها …. ثم سمعته يهاتفها بكلمات رقيقة ، أن استعدي لمفاجأة أنيقة … فردت عليه باستحياء ، أنها في انتظاره
أغلق الهاتف وقلبه يكاد يقفز من بين ضلوعه ..ركب سيارته … وضعني بحرص على المقعد المجاور له
مددت بصري لأنظر كيف يبدو الفضاء الخارجي …فإذا بيد صغيرة تمتد من النافذة المجاورة ، حملتني وفرت …. وسمعت صاحبي الولهان يصيح بغضب شديد يتوعد ذاك السارق الصغير الذي تسابقت قدماه مع الريح وابتعد بي بعيدا ….وأنا خائفة في غلافي الأنيق ،أن يحدث لي ما لا يليق ..أصيح بذلك الموتور … إلى أين تأخذني?فلا يجيب
ثم جلس بعد تعب ليكتشف أن غنيمته ليست ذهب …وإنما هي زجاجة عطر يتهاداها االعاشقون
فقرر بيعي لآول شار يلتقيه …. وفي لحظات كنت اسير مع صاحبي الجديد ….نظرت لكي أرى وجهتي …فلم اعرف اين انا ولا مع من اسير … سكنت في الحقيبة حتى نصل الي بيت الحبيبة
دخلنا معا وأخذ ينادي عليها …. فسمعت ضجة آتية من مكان يسمى المطبخ ….وبكاء آت من حجرة مجاورة … وأياد صغيرة تشد علبتي وصاحبي يدفعها برفق ليحول بينهم وبيني حتى أتت صاحبة القد السمين .. تسبقها رائحة البصل …فما أن رأتني حتى امسكت بي بأنامل ملطخة ببقايا الطعام … لترى ما الذي اشتراه زوجها الهمام
فقلبتي بين يديها ، والاستياء باديا عليها ، ولسان حالها يقول “كنت جبتلي كيلو برتقان احسن”
فأخذ الاطفال من حولها بالتسابق الى ومحاولة التعرف علي …وهذا يشدني ويبخ من عطري على ملابسه الرثة … وتلك تتلقفني وتتراقص بي بين يديها وآبوهم يصرخ “هتخلصوها يا ولاد الكلب “وامهم تنهره “يا اخويا كنت جبتلهم كيلو برتقان ”
فشعرت بالحزن من فعلهم ..وقررت أن أنجو بنفسي من بين أيديهم …. فقفزت قفزة في الهواء ….وسقطت بعدها على الأرض …فتهشم زجاجي ….وسال العطر مني تحت أقدامهم كقتيل سال دمه تحت أقدام الأعداء
وفاح عطري فملأ المكان
فأخذت تستنشقه كل أنف ..وهم يقولون بكل أسف ….. مش كنت جبت كيلو برتقان أحسن?
بقلمي/أمل منشاوي

 

error: