You cannot copy content of this page
الرئيسية روايات كاملة رواية إمبراطورية الملائكة بقلم/ياسمين عادل

رواية إمبراطورية الملائكة بقلم/ياسمين عادل

 

<< إمبراطورية الملائكة >>

الفصل التاسع والعشرين :-

توقفت سيارة “طارق” في الممر المؤدي للقصر.. أوقف المحرك وظل ساكنًا بمحلهِ، لم يترجل ولم تتحرك “برديس” منتظرة أي فعل منه ولكنه لم يفعل.. تنغض جبينها بإستغراب وتسائلت :
– مش هتنزل ياطارق ؟

فأجاب بنفس الفتور :
– لأ، انزلي انتي

عقدت ساعديها بسخط من تصرفاته، ثم نظرت أمامها وهي تقول :
– وانا كمان لأ

التفت برأسه نحوها يتطلع إليها بنظرات غير مفهومة :
– okey

ثم أخرج علبة سجائره.. وبدأ بإشعال إحداهن، ثم ألقى قداحتهِ جانبًا وبدأ التدخين غير عابئًا بها.. فتأففت بضجر وقامت بفتح النافذة ووجهت وجهها للخارج، ومازال هو مصرًا على إنهاء سيجارة ويليها بأخرى ظنًا إنها ستضجر.. ولكن طال صبرها ونفذ صبرهِ، ضرب المقود وترجل عن سيارته، ألقى سيجارته واستند بظهرهِ على السيارة ومازالت هي راقدة مكانها.. ولكنهُ لم ينتبه إنها قد غفت.
انحنى ينظر نحوها و :
– اتفضلي انزلي عشان اقفل العربية

لم تحرك ساكنًا، ولاحظ إرتخاء رقبتها على المقعد.. عقد حاجبيه وهو يلتفت حول السيارة، ليجدها بالفعل غافية.
أطال النظر إليها قليلًا، ثم ضغط على أسنانه وهو يغمغم :
– انتى زي العقاب اللي ربنا باعته عشان يعذبني

فتح الباب واستعد ليحملها، سقطت حقيبتها فتركها ومضى بها متعجلًا وكأنه يحمل ريشة طائرة نظرًا لإهتمامها بقوامها الممشوق..
تركها برفق على الفراش، ثم ابتعد متأهبـًا لإستعادة حقيبتها.. ولكنه اكتشف إنها تناست هاتفها أيضًا ، وبفضول شديد فتحه ليجده محرر من الأرقام السرية.. وما زاد شغفه هي صورتها البديعة التي تملأ الشاسة.. ابتسم بعشق، وقرر فتح معرض الصور خاصتها ليتطلع إلى صورها الأخرى.. لتصطدم عيناه برؤية صورة “رائد” بداخل معرض الصور..
لحظة واحدة كانت كافية لإنقلاب بسمتهِ لتجهم وعبوس مخيف.. اتسعت عيناه وهو يفحص ملفًا كاملًا يحوي صور خاصة لـ “رائد” فقط.
خُدشت رجولتهِ وأشعرتهِ بدونيتهِ في هذه اللحظة.. سرت رجفة منفعلة بعضلات وجهه وأصابعهِ وهو يقوم بحذف جميع الصور التي تخصهِ والتي تعدت الـ مئة صورة.. تكون لمعان منذر ببداية دموع كبحها وهو يصرخ بإنفعال أثناء ضرب قبضتهِ بسطح السيارة.
قذف الحقيبة والهاتف بداخل السيارة ثم اقتادها بعيدًا عن القصر وهو في حالة لا يرثى لها من الغضب.

…………………………………………………………

خرجت “رفيف” من غرفة الأطفال عقب أن انتهت من تبديل ثيابها بصعوبة شديدة وفي وقت طويل.
مضت بخطى بطيئة وهي تنظر يمينًا ويسارًا ، ثم ولجت للمطبخ مطمئنة لعدم وجوده في الوسط.. فتحت المبرد وبدأت تنتقي ما ستأكله عقب أن أصابها جوع شديد بعد ليلة طويلة گهذه.
ثم خرجت متوجهة للغرفة مرة أخرى، فتفاجئت به جالسًا بأريحية على الفراش الصغير.. شهقت بفعل فزعها و :
– هـــاا!.. انت بتعمل إيه هنا ؟ ودخلت أمتى؟

فقال ببرود شديد :
– لسه داخل حالًا ياأوركيدا.. أدخلي ياحببتي أدخلي

ثم أفسح المساحة لها لتجلس بجواره وابتسم :
– مش معقول ليلة زي دي هتقضيها لوحدك طبعـًا

فـ بادلتهُ بسمة سخيفة و :
– فعلًا ميصحش

ثم بسطت يدها له بالأطعمة التي تمسك بها و :
– أمسك

أمسك عنها بصدر رحب معتقدًا إنها ستميل بعقلها.. ولكنه صُدم برؤيتها تخرج بسرعة وتغلق الباب وتركض، ألقى الطعام على الفراش وخرج راكضًا من خلفها.. ولكنها كانت أسرع، ولجت لغرفة نومهما الأساسية.. ثم أوصدت الباب في وجهه من الداخل عليها.
فقرع على الباب بعنف وهو يجأر بـ :
– كفاية عند يارفيف، خلينا نتكلم بهدوء

فـ كركرت بسعادة وانتصار :
– روح انت نام في أوضة الأطفال، لما نشوف بقى السرير هيكفيك ولا لأ

ابتعدت عن الباب وهي تتحس معدتها قائلة بتذمر :
– كل اللي مزعلني إني هنام جعانة

لترتطم عيناها بتلك الطاولة الصغيرة المملوءة بالأطعمة الفاخرة.. اتسعت عيناها وانفرجت شفتيها بسعادة وهي تهمس :
– اللّه
– أفتحي يارفيف، بقولك أفتحي

لم يأتيه صوتها.. فتلصص بأذنيه ليصل إليه ما يحدث بالداخل ولكنه فشل، فطرق طرقة عنيفة و :
– رفيف انا بدأت ازهق

فآتاه صوتها وهي تردد بتمزق أثناء وجود الطعام في فمها :
– سيبني في حالي يارائد مش عارفه آكل براحتي ، روح نام بقى ومتضيعش وقتك على الفاضي

وتابعت تناول طعامها بنهم وكأنها لم تتذوق الطعام منذ أيام.. واضطر هو أن يمرر الليلة هكذا، فهي ستحتاج لخطط أخرى كي تخنع له.. عاد لغرفة الأطفال بغيظ شديد من فعلتها، بينما هو اعتقد إنه انتصر في الوصول إليها.. ولكنها لم تستلم بسهولة.. وعلى ما يبدو سيكون القادم هو الأصعب على الإطلاق.
………………………………………………………..

لا تنكر سعادة قلبها بسعادة القطعة الجميلة من قلبها، ولكنه بدأت تشعر بالوحدة بمجرد إفتراقهِ عنها.. أحست لأول مرة بالغيرة من شئ قد يسلب اهتمام ابنها لها.. ولكنها كبحت هذا الشعور وروضتهُ.
جلست “فريدة” ترتشف قهوتها الصباحية بمفردها في أولى ليالها الوحيدة، حتى أنهت قدح قهوتها .
مضت وهي تدفع مقعدها للخروج من غرفة الجلوس الفسيحة.. ولكنها لم تستطع نظرًا لوجود درجتين ، قطبت جبينها بإمتعاض لكونها ستحتاج مساعدة الآخرين، وفي هذه اللحظة قررت أن لا تغادر غرفتها كي لا تحتاج عون وشفقة الآخرين.. وبقيت على وضعها هكذا، حتى وجدت “عاصم” يدخل للغرفة.. رآها هكذا فسألها بتلقائية :
– قاعدة قدام الباب كدا ليه يافريدة؟

تحرجت كثيرًا من الإفصاح بما تواجه، ولكنها في النهاية أفصحت :
– مستنية زهور عشان تطلعني السلمتين دول
– أنا هطلعك

فأسرعت بـ :
– لأ لأ متتعبش نفسك، هي زمانها جاية.. أنا بس لسه مش متعودة على غياب رائد

فضحك وهو يقول :
– ياستي مفيش فرق

ثم مضى ليرفع مقعدها وسط ضيق شديد منها ، وقال متعمدًا الترفيه عنها :
– وبعدين كلنا هنا رائد

فضحكت أثر وصفهِ وهو يدفعها للخروج.. وإذ بـ “ناهد” تظهر أمامهم فجأة ، هذا المشهد أشعل نيران لا تخمد بصدرها.. فزوجها ليس ذلك المُحب للخير ولا يقوم بفعله إلا إن كان لها مردودًا ، وزعت نظراتها المحتقنة عليهما وهي تردد بتهكم :
– خير بتضحكوا على إيه ؟

فأجاب “عاصم” بصفو نية :
– فريدة مش مستحملة غياب رائد من يوم واحد، عشان كدا كنت بهون عليها

فقالت بإستنكار بيّن :
– والله!.. مش عادتك يعني ياعاصم ؟!

أحست “فريدة” بمغزى كلماتها المستترة، ولكنها قطعت ذلك عليها بقولها :
– عاصم أخ حنين بس للي يحتاج، شكرًا ياعاصم.. عن أذنكم

ثم قادت المقعد بنفسها مبتعدة عنهم.. قبضت بأصابع يُسراها على حجابها بضيق من نظرات “ناهد” المتهمة لها، زفرت بإنزعاج وهي تقذف بذلك المشهد بعيدًا عن عيناها.
حينما كان “عاصم” يوبخ زوجته على أسلوبها الفظ :
– بطلي تحتكي بفريدة ، ابنها مبقاش موجود عشان يرد عليكي

عقدت ساعديها بتبرم وهي تردد :
– إيه حكايتك بقى عايزة اعرف!!.. هي زغللت عنيك بعد ما لبست أحمر ولا إيه ؟؟

ارتفع حاجبيه بإندهاش لتفكيرها المحدود وقال بزمجره :
– تقريبًا انتي مش في وعيك، انتي ناسية اللي بتتكلمي عنها دي تبقى مين ؟.. مرات أخويا ، أخويا اللي بكرهه كره العمى، لكن عمري ما هبص لأهل بيته

فصاحت به :
– أمال مالك مش على بعضك من امبارح ليه؟؟

فلكز ذراعها لكزه عنيفة و :
– انتي اللي خلاص عقلك طار منك ، غوري من وشي على الصبح مش ناقصك

ومضى تاركًا إياها تغلي گالقدر من الغيظ.. وفي تخيلها مئات التصورات عن علاقة محرمة بين زوجها وتلك العاجزة التي ما زالت تحتفظ بمقومات الجمال ، لذا قررت ألا ترك الأمر هكذا.. عليها إشعال فتيلات غيرتها به هو أيضًا، حتى لا يكون الزوج الغافل.

………………………………………………………..

تنهدت “دريّة” بثقل وهي تتنفس بمعدل سريع، ثم تركت حقيبتها على المنضدة وهي تقول :
– الحمد لله إننا مش هنروح لبنت أخوك كتير، أحسن مشوارها بعيد ويقطع النفس

كان “عماد” يُغلق باب الشُقة أثناء سؤالهِ لـ “ندى” التي جلست جوار والدتها :
– ندى، هي رفيف اشتكيتلك من حاجه لما قعدتوا لوحدكم ؟؟

فأجابت بدون تردد لكي تتفادى الكثير من الإستفسارات :
– لأ خالص، كانت طبيعية جدًا

ضيقت “دريّة” عيناها بعدم تصديق و :
– لأ البت دي كان فيها حاجه غريبه النهاردة، غير امبارح خالص!

فأجاب “عماد” وهو يضع مفاتيحهِ جانبًا :
– ماانتي لو كنتي مصحباها زي مروة كان زمانك عرفتي مالها

ثم ولج للداخل دون النطق بكلمة أخرى.. تمتمت “دريّة” بكلمات مبهمة غير مفهومة، بينما كانت “ندى” تتفحص هاتفها عقب أن آتاها إشعار لرسالة جديدة.. ابتسمت تلقائيًا وهي تقرأ محتواها، فنظرت إليها والدتها من زاوية عينيها ورددت بنبرة مغزية :
– مالك يابت انتي، اليومين دول عينك في تليفونك على طول ومش على بعضك، في إيه بالظبط ؟

فـ ارتبكت “ندى” وهي تضغط على زر الطاقة الخاص بهاتفها و :
– مفيش ياماما هيكون في إيه يعني! بكلم صحابي

ثم نهضت بعجلة :
– أنا هروح اغير هدومي

ومضت مسرعة، فلم تُحيد “دريّة” نظراتها عنها وهي تهمس بـ :
– مسيرك تيجي تحت أيدي واعرف كل حاجه

………………………………………………………….

بقى “رائد” على حالته المنزعجة تلك منذ الصباح، أولًا لم يهنأ بلحظة واحدة منفردة معها بسبب توافد الضيوف لمباركة زيجتهم.. ثم انفرادها هي بغرفة الإطفال وإغلاق الباب على حالها ورفض حتى محاولة التحدث إليه..
كان التلفاز مفتوحًا ولكنه لا ينظر إليه ، عقله منشغلًا بشئ آخر.. بها تحديدًا، كيف لهذا الجبل الجليدي الذي بينهما أن يذوب؟!
والأمر ليس هينًا عليها أيضًا.. فهي تبتعد عن إنسان وهبتهُ حبًا لم تحبه لأحد قط.
خرجت من غرفتها قاصدة المطبخ، ثم وقفت أمام الموقد لتجهيز وجبة خفيفة تتناولها، شعر بها.. فلم يفوت تلك الفرصة.
ذهب من خلفها يراقبها بحذر.. حتى وجدها توليه ظهرها وتنظر بإتجاه الموقد، فـ تسلل للداخل ببطء.. وفجأة احتضنها ليكون ظهرها مقابلًا لصدرهٍ المشتعل بحبها والذي يطوق لعناقها منذ الصباح..
أصابتها الصدمة وأغلقت الموقد على الفور كي لا تتسبب بمصيبة.. ثم صاحت فيه :
– رائد بتعمل إيه ؟

فهمس بجوار أذنيها وهو يداعبها بطرف أنفهِ :
– وحشـتيني ياأوركيدا، كـفايـة بُعد بقى

تشنج جسدها وهي تتحدث بإنفعال :
– انت فاكرني بعاقبك ولا حاجه ؟
– انتي فعلًا عاقبتيني.. طول الأيام اللي فاتت كنتي معقباني بيكي، كفاية كدا.. انا عرفت غلطتي واعتذرت عنها

عاونها لتعتدل في وقفتها، فإذ بـ بؤبؤي عينيها جامدتان كما لم تكونا من قبل.. ولكنه تغاضى عن ذلك، فاضت نظراته بالكثير من الحُب لها وهو يردد :
– سيبيلي فرصة أثبتلك إن اللي حصل مش أكتر من إني كنت بحاول اتخلص من شخصية مكنتش أحب إنك تشوفي بواقيها، فرصة واحدة ياأوركيدا

دفعت ذراعيه عنها ببرود وقالت بجفاء لم يتوقعه :
– أنسى يارائد

ثم تركته وغادرت ساحة المطبخ، مستقيمًا في وقفته التي استمرت حتى مع ذهابها.. شد عضلات فكهِ بإنفعال وشعر بضعف حيلتهِ معها، لا يملك سوى بعض من الصبر.. بعد ذلك لا يدري ماذا سيكون رد فعلهِ معها.

تقييم المستخدمون: 4.38 ( 3 أصوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *