الرئيسية روايات كاملة رواية إمبراطورية الملائكة بقلم/ياسمين عادل

رواية إمبراطورية الملائكة بقلم/ياسمين عادل

<< إمبراطورية الملائكة >>

  • الفصل السادس عشر :-

في تلك الحالات، تكون الفتاه أسعد كائن بشري في الوجود.. ولكن الحال اختلف لديها، نظرت “برديس” بنظرة شاملة على التجهيزات الأخيرة بالقاعة المكيفة التي ستضم أكبر حفل زفاف.. وبريق حزنها يطفو على إنعكاس بؤبؤيها، كانت منسق الحفل يتحدث إليها عن بعض الأفكار الجديدة التي ينتوي تطبيقها، ولكنها غير شاعرة بوجوده.. تتمنى المستحيل.. علقت بنظراتها على “الكوشة”، وتشكل أمام ناظريها جلستها عليها و “رائد” بجوارها، وسرعان ما ابتسمت ساخرة وهي تنتبه لعبارته الأخيرة :

  • بكدا هتكون كل حاجة زي ما سيادتك عايزة

التفتت تنظر إليه وهي تردد :
– أنا عايزة الفرح دا يكون أكبر فرح اتعمل في تاريخ الـ hotel دا
– متقلقيش سيادتك

خرجت من بوابة القاعة الرئيسية، فوجدت والدها بإنتظارها، دنت منه و :
– أنا عايزة اروح يادادي

تعجب من رغبتها و :
– مش قولتي هتخرجي مع صحابك بعد ما نخلص!
– ماليش نفس، عايزة انام نوم طويل

ثم همست لنفسها :
– يمكن انسى!

……………………………………………………………

كانت تبكي بكاءًا مريرًا مصحوبًا بنشيج قلبها المتألم وهي تنظر للقطع التي اقتصت من ثوب زفافها.. فقد رأت بضع فصوص ماسية ملقاه على الأرضية، مما جعلها ترتاب وتفتح صندوق ثوبها لتتفحصه.. لتجد الفاجعة، ثوبها وطرحة الزفاف.. وحتى العقد الثمين الذي ابتاعته من أجل الفستان قد تدمر..
حاولت “ندى” أن تخفف من تأثير مصابها ولكن دون فائدة أو جدوى..
نظرت “دريّة” لهذا المشهد غير مصدقة، ثم قالت بإعتقادها الخاطئ :
– صحيح العين فلقت الحجر، دا أكيد حسد.. حد ادانا عين إنما إيـه!.. الحمد لله إننا رجعنا امبارح بالسلامة

ندى مستنكرة حديث والدتها الفير منطقي :
– حسد إيه وعين إيه ياماما!.. دا مقصوص بالأيد، مش شايفة شكله عامل ازاي؟؟

احتقن وجه “دريّة” وهي تحدج ابنتها بإستهجان قائلة :
– اخرسي انتي متعرفيش حاجة، أمال هيكون إيه يعني!.. محدش غريب عايش معانا هنا. وبعدين الصراحة بقى دا فال وحش، أكيد الجوازة دي فيها حاجة ودي علامة من ربنا

استمرت شهقات “رفيف” وهي تتحسس ثوبها النفيس الذي اختارته من بين العشرات.. وبداخلها نيران مسعرّة أثر هذا المنظر البشع الذي تراه، كتمت شهقاتها وهي تركض للغرفة.. بينما بقيت “ندى” لتردد :
– لا حول ولا قوة إلا بالله!.. متزوديش عليها ياماما باللّه عليكي، دي منهارة خالص

أشاحت “دريّة” بوجهها بعيدًا وهي تتمتم :
– هنعمل إيه يعني، أهو أمر ربنا

ثم انصرفت غير عابئة بما حدث.. نطرت “ندى” للثوب مرة أخرى، وغمغمت بصوت غير مسموع :
– أكيد هي مفيش غيرها، من يومها وهي غلاوية وحقودة.. مش هنسى أبدًا أول مرة شافت فيها رفيف من ٢٠ سنة لما كسرت لعبها وقطعت عروستها! ودلوقتي بتعيد نفس حركاتها الغبية.. منك للّه يامروة حرقتي قلب البنت

……………………………………………………………

ابتسم “رائد” بعبث، ثم نظر لعمهِ وهو يردد :
– ياترى ليه كل الأسئلة دي عن ندى!.. ما تصارحني ياعمي

زفر “عادل” زفيرًا مستمتعًا وهو يقول :
– فضول مش أكتر

قطب الأخير جبينه وتابع بإمتعاض شديد :
– مينفعش افكر في حاجة تانية، أنا أكبر منها بـ ١٦ سنة يارائد

وقف “رائد” عن جلسته واقترب منه وهو يقول :
– بس انت ميبانش عليك سنك ياعمي، وبعدين انت عمرك ما فكرت في الجواز ولا الإرتباط، يعني دي هتكون أول بنت في حياتك.. متقفلش الباب كدا في وش النصيب، يمكن ربنا كاتب خير

تطرق “أميرة” على الباب ثم تدخل، لتردد :
– رفيف هانم برا يافندم و…..

تحمس “رائد” بشدة وابتهج وجهه وهو يقول مقاطعًا لها :
– دخليها بسرعة مستنية إيه!

لحظات ودخلت “رفيف” بخطواتها المتأدة البطيئة، وكأن ثقلًا يعلو كاهلها ولا تستطيع السير براحة.. ملامحها منهكة وكان جليًا للعيان إنها باكية.. انقبض قلبه بفزع وخطى متقدمًا نحوها وهو يسأل بإرتياب :
– رفيف انتي كويسة؟ عمي عماد بخير؟
– آه كويس

وقف “عادل” مستعدًا للمغادرة و :
– طب انا هرجعلك تاني يارائد، نورتي الشركة يارفيف

فأجابت بإبتسامة متصنعة :
– شكرًا لحضرتك

خرج “عادل” بينما اقتادها “رائد” نحو الأريكة وأجلسها وهو يسأل بتخوف :
– مالك ياحبيبتي.. شكلك عامل كدا ليه زي ما تكوني معيطة؟

مدت كفها بداخل حقيبتها وهي على وشك إستكمال بكائها.. أخرجت طرحة فستانها الممزقة وناولتها إياه، فـ التقطته منها وهو يتسائل :
– إيه دا؟ مش فاهم!

تعالت شهقاتها وهي تخفي وجهها بين كفيها وتبكي بمرارة.. فـ ازداد رعبه وخوفه عليها، جلس القرفصاء أمامها وهو ينتشل وجهها بكفيه ويسألها :
– رفيف فهميني في إيه؟.. وإيه اللي وصلك للحالة دي

……………………………………………………………

  • انتـــي بتقــولـي إيـــه!!.. يعني إيـــه مش حساه وعايزه تأجلي الفرح؟

قالها “عاصم” بإحتدام وهو يرمق ابنته الوحيدة بنظرات مفترسة كادت تفتك بها.. تماسكت أمام إنفعالهُ الشديد وهي تعيد على مسامعه :
– يادادي أقصد.. مفيهاش حاجة، آ… أنا حاسة إني اتسرعت و……

فقاطعها بصوت مرتفع :
– شوية شوية تقوليلي مش عيزاه ورجعت في كلامي!.. انتي عايزة تقصري رقبتي قدام عمامك!!.. وتفرحي إيمان فينا؟

تنهدت وهي تردد بعدم اهتمام :
– محدش منهم يهمني، دي حياتي أنا
– وانا بقولك فرحك آخر الأسبوع خلاص، الدعوات اتوزعت وفستانك هيوصل بكرة.. الناس كلها مستنية فرح بنت عاصم

دنى منها ليمسح على رأسها بهدوء، ثم أردف :
– أعقلي يابيري، أنا بقول انك أعقل من امك وطلعالي في حجات كتير

انتبه لعدم وجود “ناهد” منذ الباكر.. فتسائل بإندهاش:
– هي أمك فين؟؟ من الصبح مش باينة وحتى مجتش تشوف القاعة معانا!

لم تهتم كثيرًا بغياب والدتها، فهي أيضًا لا ترغب بالزيجة وتنفر من التواجد أينما يتم التحدث عن هذا الأمر.. فأجابت “برديس” :
– معرفش، بقالي يومين مش بشوفها هنا في القصر

تنغض جبين “عاصم” بإستغراب، ولكنه أبقى الأمر داخله ولم يفصح عما يجول في نفسه..
……………………………………………………………

تأمل “رائد” طرحة الزفاف بتمعن، وقد فطن إنها تمزقت بإستخدام آله حديدية.. ولكنه أخفى ذلك وأيّد رأي “درية” لتضليل “رفيف” ودفعها بعيدًا عن البحث والتنقيب..
سعى بشتى السبل كي يعيد إليها هدوءها، وقد استغرق منه الأمر وقتًا ومجهودًا مُضنيًا..
كانت تستند برأسها على صدره، وكفها موضوع على قلبه تحديدًا، تحاول أن تستكين.. بينما ذراعه تطوقها بتمسك، وراح يقول :
– صدقيني هجيبلك أحلى منه، بس مش عايز اشوف دموعك تاني

رفضت بشدة :
– لأ مش عايزة، دا كان عاجبني أوي.. وبعدين كان غالي جدًا وانا كنت مترددة أخده ولا لأ، وانت دلوقتي عايز تكلف نفسك مصاريف فستان تاني!
– رفيف!

قالها وهو يرفع رأسها لينظر بتمعن لعيناها، ثم أردف :
– مش عايز اسمعك بتتكلمي باللهجة دي تاني، انتي مراتي.. يعني كل اللي معايا ملكك وتحت أمرك.. وبعدين انا هكون مبسوط وانا ببعزق فلوسي عشانك، انتي زعلانة ليه!

مسح على شعيراتها الشقراء، ثم أردف :
– بس عايزك تجيبيلي باقي الفستان عشان اشوفه، يمكن حد يعرف يتصرف فيه

هزت رأسها بالإيجاب.. بينما سألها هو :
– انتي قولتيلي قبل كدا ان مامتك مش مصرية، صح؟
– آه، ماما أصلها روسي، وزي ماانت عارف بابا اللّه يرحمه كان شغال في السياحة في الغردقة لما اتعرف عليها، وهناك اتجوزوا
– وأم مروة كانت فين ساعتها؟

مطت شفتيها للأمام وهي تردد :
– مش عارفه، بس انا سمعت إنها كانت رافضة تعيش في الغردقة.. حتى بابا كان بيبعتلها فلوس ومصاريف عشانها هي ومروة، وفضلوا كدا أكتر من سنتين، لحد ما بابا اتجوز ماما.. ولما عرفت صممت على الطلاق، بابا حاول كتير يخليها على ذمته، لكن هي مرضيتش أبدًا

ضمها “رائد” و :
– من حسن الحظ إننا اتقابلنا

اعتدلت “رفيف” قليلًا وقد بدأت تتناسى ما حدث وهي تنغمس معه في الحديث، ثم نطقت بـ :
– هو باباك آ…..

كانت عيونه تتجول بإستمتاع على وجهها.. حتى علقت بشفتيها، تحرجت من نظراته الجريئة لها.. فقطعت حديثها وهي تقول بخفوت :
– بلاش تبصلي كدا

اقترب.. ثم اقترب أكثر حتى لمست شفتيه وجنتها وهو يهمس :
– ليـه؟

استشعرت أنفاسه الدافئة على بشرتها، فـ أغمضت عيناها بإستكانة مستسلمة له.. لم تجيب، فتسحبت شفتيه قليلًا، ليضع قُبلة طويلة على شفتيها.. أعقبها بـ :
– أنا بـحبك أوي يارفيف، بحبك لدرجة لا يمكن تخطر بخيالك

قبضت بأصابعها على قميصه وهي تستمع لكلماته التي تصيبها بالدوار.. ليعاود هو تقبيلها أعمق من زي قبل، لمس شعرها برقة شديدة، وأعقب قبلاته الكثيرة بعناق طويل..
استمعا لصوت طرقات على الباب، فـ انتفضت “رفيف” وقد استيقظت للتو من غفوتها الجميلة بأحضانه، وكادت تنهض.. لولا إنه أحكم قبضتهِ عليها لئلا تنفلت، وعاد يلصقها به وهو يهمس:
– محدش يجرؤ يدخل هنا طالما مسمحتش

ابتلعت ريقها بقلق و :
– طب سيبني وشوف فـ…..

انقطع صوتها مجددًا بين شفتيه، وكأنه أقسم ألا يتركها اليوم إلا بعد أن يطفئ نيران شوقه لها.

………………………………………………………….

تركت “ناهد” ما تبقى من سيجارتها في المنفضة.. ثم اعتدلت في جلستها وهي تتابع :

  • وانت قررت تعمل إيه مع شهيرة ياعاكف؟.. أكيد مش ناوي تسكت

ترك الملف من يده وظهرت نوايا الخبيثة في هذا اللمعان الماكر الذي تدركه جيدًا :
– بفكر ازحلقها إزاي!

ثم زفر بضيق وهو يتابع :
– أنا كلمت الدكتور الصبح، قالي إن صحة بابا بتتحسن.. عارفه يعني إيه؟

حدقت “ناهد” عقب هذه الحقيقة و :
– إيه؟؟
– يعني هنفضل تحت رحمة أبويا وملمومين حواليه كدا لأجل غير مسمى

ركل “عاكف” حقيبته الجلدية بإنفعال وهو ينهض ليتابع :
– مش عارف هو متبت في الدنيا ليه؟.. كل ما اقول هتتعدل ألاقيها اتقلبت تاني على دماغي

أمسكت “ناهد” بقهوتها السريعة، وقبل أن ترتشف منها رددت :
– عارف ياعاكف، ساعات بحس إن أبوك صحته زي البمب.. وإننا كلنا وقعنا في الفخ بتاعه، وساعات احس إن مش هيصبح عليه صبح غير وهو ميت.. مبقتش عارفه أصدق أنهي أحساس
– في الحالتين إحنا لازم نتصرف، مش هسمح لجوزك يشرب الليلة لوحده

ثم ضحك مستخفًا و :
– وانتي طبعًا في كل الحالات كسبانة.. سواء معايا ولا مع جوزك

ارتفع حاجبيها بإستنكار لما قاله، ثم رددت :
– إيه اللي بتقوله دا ياعاكف!

فـ انفعل مرة أخرى وهو يصيح :
– بقول إني ياما قولتلك سيبيه وخلينا نتجوز، طالما عيزاني انا، بتماطلي معايا ليه ياناهد.. ولا الحرام جاي على هواكي!

ابتلعت ريقها بتوجس و :
– مقدرش ياعاكف، انت ناسي بنتي اللي ماليش غيرها.. عايزها تكرهني!! مش بعيد تقطع روابطها بيا كمان

لوح لها غير مكترثًا بها، ثم تمتم وهو ينصرف بعيدًا :
– ياشيخة بقى!.. أنا قرفت من كتر الحجج الفارغة دي

واختفى بداخل الرواق المؤدي للغرف، ليتركها وحيدة تفكر فيما قاله توًا تفكيرًا جديًا.

……………………………………………………………

ولجت “أميرة” للغرفة، لتجد هالات الدخان معبئة المكان.. قامت بتشغيل مكيف الهواء لتنقية الجو.. ثم اقتربت منه لتجده شاردًا بعمق.. حمحمت و:
– مستر رائد، السواق وصل الهانم ورجع

التفت بمقعده و :
– كويس، عايزك تتواصلي مع أكبر بيوت أزياء.. وتحددي معاد عاجل معاهم وبلغيني بيه
– حاضر يافندم
– مروة لسه مرجعتش!؟
– عربية الشركة هتوصل بعد ربع ساعة وهي هتكون فيها يافندم
– لما ترجع آ…..

تقف “مروة” أمام الباب، يلمحها، فتتقد عيونه وهو يقول :
– روحي انتي ياأميرة

تلتفت “أميرة” لتغادر، فتتفاجئ بوجودها :
– أنتي جيتي يامروة؟

فصاح بها “رائد” :
– أمــيرة، قولتلك روحــي

خرجت “أميرة” على الفور، بنفس الآن الذي وقف فيه “رائد” عن جلستهِ وبدأ يتقدم نحوها بخطى ثابتة حتى أصبح أمامها.. جذبها بعنف حتى كادت تسقط أرضًا، ثم حشرها بينه وبين الحائط وهو يجأر بـ غضب شديد :
– لـــيه عملتي كــدا؟!

فسألته بفتور تناقض مع اشتعال نظراتها :
– وانت ليه دبحتني وسبتني بنزف!

كشر عن أسنانه وهو يقول بإنفعال شديد يحاول أن يغطيه :
– أنا عمري ما قولتلك بحبك، انتي اللي قربتي مني وبنيتي أحلام من الهوا
– وانت مصدتنيش ليه طالما مش في بالك؟.. ليه خلتني افتكر إنك بتبادلني نفس الشعور
– مش مطلوب مني ألفت نظرك، انتي مش عيلة صغيرة وانا ضحكت عليها

ضحكت متعمدة إستفزازه وهي تقول :
– مكنتش عارفه إن زعلها بيخليك في الحالة دي.. أمال لما تعرف هتعمل إيه؟

أطبق فجأة على عنقها يخنقها بضراوة غير عابئًا بالنتيجة.. ومازال يتحدث بصوت منفعل من بين أسنانه المطبقة :
– هموتك قبل ما تعمليها.. أنا حذرتك ١٠٠ مرة وانتي مش عايزة تتعظي، يبقى تستاهلي اللي يحصلك

كانت بشرتها تشحب وأنفاسها تكاد تنقطع وهو لا يشعر سوى بفكرة فقدان “رفيف” التي سيطرت عليه كليًا.. حتى إنه ضغط بكل قوة على عنقها متعمدًا وهو يتابع گالمجنون المُغيب :
– مش هتاخديها مني لو آخر يوم في عمري.. وقبل ما تفكري تفرقي بينا، أنا هفرق بينك وبين حياتك

لينفتح الباب فجأة ويطل منه “طارق” وهو يصيح :
– يعني إيـه مفيـ…….

فيتفاجئ بهذا المشهد الذي كاد يصيبه بالهلع، فيصيح :
– بتعمل إيـه يارائـــد!

يفلتها “رائد” فجأة لتسقط هامدة على الأرضية.. فتجحظ عيون “طارق” الذي ما زال غير مصدقًا ما يراه و……………………………………………………………..
……………………………………………..

تقييم المستخدمون: 4.54 ( 4 أصوات)

عن سماح عرابي

محررة في أحلى مجلة اهوى الكتابة والخواطر

رايك يهمنا ♥