الرئيسية روايات كاملة رواية إمبراطورية الملائكة بقلم/ياسمين عادل

رواية إمبراطورية الملائكة بقلم/ياسمين عادل

<< إمبراطورية المـلائكة >>

  • الفصل الثالث عشر :-

كانت تبكي بكاءًا مريرًا وهي ترى عمها الوحيد يسحبه رجال الإسعاف على سرير متحرك نحو سيارة الإسعاف.. بينما علت شهقات “ندى” المتخوفة من حالة والدها التي لا تبشر بالخير.. اقترب الجميع من سيارة الإسعاف بهجوم امتزج برعبهم.. ليستوقفهم المسعف بقوله :
– واحد بس اللي هيركب معاه ياجماعة

فـ تحركت “دريّة” لتصعد السيارة بسرعة وهي تقول :
– أنا اللي هركب معاه

فتدخل “رائد” بقوله :
– رفيف، تعالوا معايا في العربية ومتقلقيش.. مراته معاه

مسحت “رفيف” دموعها التي غزت وجهها وهي تنظر إليه بتحسر :
– قلبي مش مطاوعني

سحبها برفق وهو يقول بصوت خفيض :
– حببتي تمالكي نفسك شوية عشان تقدري تهدي ندى.. ويلا بينا عشان نلحق عربية الإسعاف

  • في سيارة رائد..
    كان يقود سيارته بحذر وهو يسير خلف سيارة الإسعاف مباشرة، بجواره “رفيف” التي لم تتوقف عن البكاء.. وبالخلف جلست “مروة، وندى”، تعلقت نظراتها به، فلاحظت إهتمامه الشديد بها.. ورغم هذه الأجواء الكارثية ومرض”عماد الدين” المفاجئ ، إلا إنها مازالت تراقبهم بإختلاس..
    نظر” رائد” في مرآة سيارته الأمامية نحو “ندى” الغارقة في دموعها وردد :
  • متقلقيش ياندى، هيبقى كويس ان شاء الله

فرفعت بصرها للسماء وقالت :
– يارب، أنا ماليش غير بابا، قومه بالسلامة والنبي يارب

في حين التزمت “رفيف” بصمتها ومازالت دموعها تنهمر.. انبسط ذراعه ليمسك كفها بإحكام، ثم همس :
– ممكن تهدي، كل حاجة هتكون كويسة

تشبثت بيده أكثر، فهو طوق نجاتها الوحيد من بعد “عماد الدين”.. الذي راعاها واهتم لشأنها بعد وفاة الأب..
شقت سيارة الإسعاف بوابة المشفى التخصصي ومن خلفها سيارة ” رائد”.. وهرول المسعفين به للداخل، حيث استقبله قسم الطوارئ بالمشفى لتفحص حالته أولًا، ورفض الأطباء تواجد أي من أهل المريض.. حتى خرج الطبيب ليلتف حوله الجميع :
– متقلقوش ياجماعة، المريض أصيب بغيبوبة سكر.. ولو مكنتوش لحقتوه في الوقت المناسب مكناش هنقدر نعمله حاجة، هو بياخد علاج للسكر صح؟

فأجابت “دريّة” وقد امتزج صوتها بأنين البكاء:
– آه يادكتور
– بياخد أنسولين؟
– لأ، برشام أقراص بس
– أنا هكتبله على أنسولين، ودلوقتي هيتنقل غرفة عادية عشان يكون تحت الملاحظة الـ ٢٤ ساعة الجايين.. عن أذنكم

انسحب الطبيب من بينهم، بينما قالت “دريّة” بحنق بالغ وهي تنظر بإتجاه “رفيف” :
– كل دا من الحلويات اللي أكل منها، منك لله قعدت أقولك السكريات كتير غلط عليه

فزادت دموع “رفيف” لتحميلها عبء مرض عمها، وبررت موقفها قائلة :
– هو اللي صمم ياكل يامرات ياعمي، وانتي عارفه طالما صمم يبقى خلاص

فصاحت فيها “دريّة” :
– بس بس، مش عايزة اسمع كلام من حد

فتدخل “رائد” وقد احتدم صوته :
– رفيف ملهاش ذنب في حاجة، وعمي هيبقى كويس وهيقوم بالسلامة..

نظرت “دريّة” حياله بسخط، ثم أدارت وجهها للجهة الأخرى متجاهلة قوله.. وبقيت مهمة “رائد” الأساسية هي السيطرة على حزن “رفيف ” وكآبتها التي ازدادت الضعف.
…………………………………………………………..

بعد عدة طرقات على باب “رائد” وعدم استجابته.. فتح “عادل” الباب ليتفاجأ بعدم وجوده، فـ قطب جبينه بإستغراب.. وخرج يبحث عنه بالأسفل،
كانت المائدة مُجهزة لتناول الإفطار بصورة عائلية، ينقصها فقط “رائد”.. نظر “عادل” بتعجب وهو يسأل موجهًا سؤاله لـ “فريدة” :
– فين رائد في يافريدة؟

فأجابت بتلقائية :
– أكيد في أوضته
– لأ مش فوق

قالها وهو يخرج هاتفه من جيبه، ثم شرع بالإتصال به ليعلم أين هو.. حتى آتاه الرد، فسأل :
– أيوة يارائد، انت فين؟

صمت قليلًا، قبل أن تتسع عيناه بقلق واضح وهو يردد بذهول :
– مــسـتـشــفى!؟
– إيـــه!! ابني!

تحركت “فريدة” بمقعدها المتحرك مسرعة بإتجاه “عادل” وقد انتابها الذعر.. بينما نهضت “برديس” فجأة وقد جلّ على وجهها الخوف، ولم يختلف عنهم حال “عاكف” الذي تقدم من “عادل” بتخوف.. الجميع تغيرت ملامحهم، وحتى “فاروق” انتظر العبارة التالية بتلهف.. لتسترخي ملامح “عادل” قليلًا وهو يتابع :
– طب الحمد لله ربنا ستر، ابعتلي العنوان وانا جايلك.. سلام

“فريدة” :
– في إيـه ياعادل طمني! ؟
“عاكف”:
– ما تخلص ياعادل، ابني بيعمل إيه في المستشفى من صباح ربنا؟

دس “عادل” هاتفه في جيب بنطاله وعاد يقول :
– متقلقوش هو كويس، بس عمّ رفيف تعب بالليل.. وهما نقلوه المستشفى ولسه موجودين معاه

زفر “عاكف” مغتاظًا وهو يعود لمقعده قائلًا :
– ياأخي سيبت ركبي.. شكلها معرفة سودا من أولها

قبضت “فريدة” أصابعها على حجابها وهي تقول ببعض الإرتياح :
– طب وحالته إيه دلوقتي
– بقى أحسن، أنا هعدي عليهم قبل ما اروح الشركة

نهض “فاروق” عن جلسته وسحب عكازه يتكئ عليه وهو يقول :
– ابقي قولي المستشفى فين عشان كمان ازوره ياعادل.. وانت ياعاكف هتيجي معايا، دول نسايبك

ضجر “عاكف” وهو ينظر بالفراغ ولم يعقب..
بينما كانت “برديس” على حالتها الهائمة ولم تدرك بعد إنها ما زالت قيد وقفتها.. حتى انتبهت لعيون “طارق” التي تتفرس النظر فيها، فـ أجفلت جفونها وهي تعاود الجلوس.. ليعود الوضع إلى السكون من جديد.
…………………………………………………………..

عاد “رائد” نحوهن ممسكًا بكوبين من الشاي المخمر.. أعطى إحدهم لـ “ندى” والآخر لتلك الممتعضة التي لم يحلّ عبوسها بعد “دريّة”، ثم نظر بإتجاه” رفيف” وسألها بإهتمام :
-لسه مش عايزة تشربي حاجة!

فقالت بصوت ضعيف :
– ماليش نفس لحاجة

لاحظ نظرات “مروة” المسلطة عليه دومًا.. فنظر لساعة يده قبل أن يتوجه بنظراته لها ويقول بجدية :
– قومي يامروة روحي، غيري هدومك واطلعي على الشركة.. هتلاقي أميرة مستنياكي عشان تسلمك شغل مهم

رفعت “رفيف” بصرها المتعجب نحوه و :
– دلوقتي! ، طب ما……

قاطعها وهو يرسم بسمة كاذبة وقال :
– حببتي كلنا موجودين جمب عمي، متقلقيش.. والشغل مبيستناش حد.. ولا إيه يامروة؟

قالها وهو ينظر بإتجاهها، فوقفت عن جلستها وهي ترمقه بإستخفاف قائلة :
– فعلًا يامستر رائد، الشغل مبيستناش.. عن أذنكم

وتحركت لتغادر، فـ لحقت بها “دريّة” وهي تقول :
– استني عيزاكي يامروة، تعالي أقولك كلمتين

وانصرفن سويًا.. في نفس اللحظة التي ظهر بها “عادل” وهو يقترب منهم.. كان قلقًا.. شغوفًا لرؤية حالها، حتى رآى هذا الضعف المتمكن من ملامحها وهي غير شاعرة بوجوده.. تضايق كثيرًا وهو يقف أمامها مباشرة و :
– صباح الخير

رفعت بصرها حياله، وسرعان ما اعتدلت في جلستها وهي ترد بـ :
-صباح النور

“رائد”:
– معلش ياعمي مش هقدر اجي النهاردة الشركة.. البركة فيك
– ولا يهمك، المهم سلامة الحج عماد

سحبه “رائد” بعيدًا و :
– أنا عايز آخد رفيف بعيد عن هنا شوية.. ينفع تكون مع ندى لحد ما الحرباية أمها ترجع

مط “عادل” شفتيه للأمام مستمتعًا بهذا العرض المغري الذي آتاه على طبق من ذهب.. ورحب به قائلًا :
– ماشي، روح انت

عاد “رائد” خطوتين ليكون قبالتها.. مد لها يده ليجتذبها وهو يقول :
– تعالي يارفيف

ذهبت معه منصاعة دون أن تناقشه.. بينما جلس “عادل” جوارها، حمحم بحرج وهو لا يجد منفذًا يدخل منه للحديث معها.. ولكنه اختلق سؤالًا للبداية :
– ألف سلامة على والدك، إن شاء الله يقوم بالسلامة

فأومأت رأسها بتجاوب وما زالت ملامحها حزينة :
– الله يسلمك

…………………………………………………………..

جلسا سويًا بداخل السيارة في انتظار حضور الطعام الذي طلبوه من أحد متاجر الحلوى الشهير.. أصابعه مطبقة على يدها.. وهي تتشبث بذراعه وكأنه الملاذ الوحيد، كان وجهها مرهقًا منهكًا.. مسح على بشرتها بحنو وهو يقول بنبرة رخيمة :
– انتي محتاجة تنامي يارفيف، إيه رأيك تروحي و….

وقبل أن يستكمل حديثه، قاطعته :
– مقدرش اسيب عمي يارائد، ومش هرجع البيت من غيره

تنهد بضيق وهو يتذكر كلمات “دريّة” المقيتة التي تتفوه بها من حين لآخر.. و :
– وانا مقدرش اسيبك مع الست الحرباية دي اللي اسمها مرات عمك.. انا مش فاهم مستحملاها ازاي

ابتلعت “رفيف” مرارة هذه الحقيقة التي تعيش بداخلها لأكثر من خمس سنوات.. ولكنها اختارت أن تتجاهل ذلك لأجل خاطر عمها الذي أحبها جمًّا، لم تعقب على حديثه لكونه صحيحًا.. فعاد هو يستطرد وكأنه يرسل إليها بصيص أمل :
– هانت، كلها أسبوع ونكتب كتابنا، بعدها هعرف ازاي أخرس لسانها الطويل دا

ظهر العامل الذي يرتدي زيًا رسميًا وهو يمد حقيبة الطعام إليهم :
– اتفضل يافندم، بألف هنا
– شكرًا

تناول منه الطعام ثم أغلق نافذة السيارة.. واقتاد سيارته عائدًا للمشفى، متمنيًا ألا ينتهي الطريق بهذه السرعة التي تنقضي فقط معها.

…………………………………………………………..

ألقت “برديس” بـ مجلة أزياء الزفاف بعد اهتمام على الطاولة وهي واضعة ساقًا أعلى الأخرى.. ثم قالت للمصمم الشهير :
– ولا فستان عاجبني

ناولها المصمم مجلة أخرى أصغر في حجمها وهو يردد بتأكيد :
– أنا متأكد إن طلبك هيكون في الكتالوج دا.. شوفي كدا ياهانم

تناولته منه وقد غابت حماستها الفترة الأخيرة.. تفحصت صفحاته حتى توقفت أمام أحد الصفحات فجأة.. تأملت هذا الثوب الأبيض ذا الذيل الطويل والذي أخذ أمتارًا خلفه.. عاري الصدر والأكتاف.. ويبدو أن وزنه ثقيل مقارنة بحجمه، أشارت إليه بسبابتها وقالت :
– هو دا، أنا عايزة الفستان دا

تناول المصمم المجلة منها ينظر لما انتقته، فـ ابتسم مبديًا إعجابه برأيها الرفيع.. ثم قال :
– زوء حضرتك رائع.. إحنا هنشتغل على التصميم وان شاء الله يخلص في أقرب وقت

اعتدلت “برديس” في جلستها وهي تردف :
– Okey, أنا كمان عايزة الطرحة نفس التطريز والإكسسوار.. ولازم اشوف شغلكم على الفستان أول بأول

وقف المصمم عن جلسته عقب أن لملم أشيائه، ثم هتف :
– أكيد، وكمان الـ designer هييجي يعرض عليكي أشكال التيجان المناسبة للفستان، وبالمرة نشوف رغبتك في شكل الجزمة
– Okey
– عن أذنك

مضى في طريقه نحو الرواق المؤدي لباحة القصر.. بينما تركت هي مجلسها وصعدت للأعلى، حيث الغرفة المزدوجة التي تم تعيينها لإستقبال العروسين بعد الزواج.. كان “فاروق” يقف بصحبة “طارق” ومهندس الديكور الذي سيتولى مهمة افتراش الغرفة بأحدث الأثاث وأرقاه.. ولجت “برديس” للغرفة المفتوحة، فـ ناداها “طارق” :
– تعالي يابيري، المهندس خلاص بيخلص في التفاصيل.. وخلال أيام هيكون الفرش موجود

اومأت رأسها بإستجابة.. بينما تدخل “فاروق” :
– تعالى يابشمهندس، عايز استشيرك في حاجة عايزين نعملها في الروف.. عايزين آ….

وسار اثنتيهم معًا، حتى بقيت الغرفة خالية إلا منهما .. كادت تخرج، إلا إنه وقف گسد مانع أمامها.. ابتسم لتبرز وغزتي ثغره، ثم قال متيمًا بها :
– مقولتيش إيه رأيك في الأوضة اللي هتنوريها بوجودك

توترت وهي تنظر حولها، ثم قالت بصوت خفيض :
– جميلة
– انتي أجمل يابيري وباغتها بقبلة خاطفة سرقها من شفتيها فجأة.. شهقت وهي تبتعد عنه، ثم ركضت للخارج ليصدح صوت ضحكاته.. توقفت تلتقط أنفاسها بصعوبة عقب هذا المشهد المفاجئ، وقد تسربت الحمرة لوجهها.. همست بتبرم قائلة :
– حيوان!

ثم سارت مسرعة نحو غرفتها.. بينما بقى هو محلّه، يستعيد مذاق هذه القبلة مرات أخرى في عقله الباطن.. ويمنّي نفسه بما هو أكبر منها، حالمًا بليالي حمراء ساخنة ستكون بينهما.
……………………………………………………………

ارتخى جسد “عماد الدين” على فراشه عقب أن عاد لمنزله.. شعر بتحسن كبير في حالته الصحية، تنهد بإرتياح وهو ينظر حوله قائلًا :
– تسلم يارائد، تعبتك معايا من امبارح في المستشفى لحد النهاردة

كان “رائد” يقف على مقربة من فراشه وهو يقول :
– إحنا أهل ياعمي، وحمدالله على سلامتك.. استأذن انا

فاستوقفه “عماد” قائلًا :
– استنى بس نتغدا سوا
– معلش مش هينفع، جدي مستنيني تحت ومش هيقدر يطلع السلم

ابتسم “عماد” :
– ربنا يبارك في عمره، اشكره بالنيابة عني عن وجوده معانا
– حاضر

نظر “عماد” بإتجاه “رفيف” و :
– وصلي خطيبك يارفيف
– حاضر ياعمي

ثم خرج كلاهما.. نظرت “دريّة” بإتجاه “عماد الدين” وقد نالت منها نظرات الغيظ والحقد وهي تقول :
– ليه خليت كتب الكتاب كمان يومين ياعماد؟ وكمان لسه عايز تجيبلها جهاز! هنجيب كل المصاريف دي منين؟

زفر “عماد الدين” بحنق وهو يجيب :
– رفيف دي بنتي، زيها زي ندى بالظبط.. كفاية ان الناس مطلبوش حاجة، إحنا يدوب هنجيب حاجتها الرفيعة وبس

زمجرت وهي تتابع :
– وليه ميجيبش خطيبها، ما على قلبه كتير.. ولا انت عايز تفرتك القرشين اللي شايلينهم لجواز ندى؟

انسحب جسد “عماد” للأسفل، واستند على وسادته وهو يقول :
– أنا هنام عشان مش قادر اجهد نفسي فالكلام.. تصبحي على خير

ابتسمت من زاوية شفتيها بسخرية وهي تقول :
– طبعًا، لازم تتهرب مني.. هو دا اللي فالح فيه

وقف “رائد” على أحد السلالم قبل أن يخرج من البناية.. قربها إليه بودّ شديد، فنظرت لأعلى بتخوف وهي تحاول أن تنسل من بين يديه :
– رائد مينفعش كدا!

قطب جبينه بضيق و :
– اعمل إيه!؟.. وحـشاني ومش عارف اصبر أكتر من كدا

دفعته برفق.. فتركها، ابتسمت وهي تواري خجلها.. ثم أردفت بـ :
– يلا امشي بقى

ضاقت عيناه، رمقها بعبث وهو يردد :
– كلها يومين، وريني هتستخبي مني ازاي

كادت تركض من أمامه.. ولكنه أحكم قبضته على رسغها وهمس من جديد :
– يومــين بس ياأوركيدا

ثم تركها تفرّ من أمامه وهو ينتوي لها نيّة مبشرة بأيام سعيدة معها.. راقب اختفائها، وعلى وجهه ارتسمت السعادة.. وأخيرًا قرر ترك البناية.

……………………………………………………………

  • إيــه!! يــــومــين ؟؟

هزت “دريّة” رأسها بتحسر وهي تجيب :
– آه، وقال إيه عمك مصمم يجيبلها إيش وشويات (حجات كتير) عشان العيلة الكبيرة اللي هتناسبهم.. محسسني ان تحت القبة شيخ

تبرمت “مروة” من تفكير خالتها المحدود، وزمجرت قائلة :
– هو دا اللي بتفكري فيه ياخالتي!!.. آآه يانار قلبي

تسائلت “دريّة” بفضول :
– إلا قوليلي يامروة، مش كان في واحد بيحبك وقولتي هييجي قريب، راح فين؟

وكأنها تُطعن كل يوم طعن جديد يؤلم فؤادها أكثر.. ليتها تستطيع البوح بما يعج به صدرها، ولكنها لا تستطيع.. وهمست لحالها :
– هو فين دلوقتي! خلاص راح وراحت أحلامي.. وديني لأندمه، أنا هعيشه أسوأ كابوس في حياته

……………………………………………………………

هذا هو أهم صباح في حياته كلها.. سيتوقف العالم على هذا اليوم ..
دعس “رائد” سيجارته وهو ينهض عن مكتبه، ثم نظر لـ “أميرة” بنظرات مترقبة وهو يردد :
– عرفتي هتعملي إيه ياأميرة؟
– طبعًا يافندم.. متقلقش خالص

فأكد “رائد” :
– أميرة، في حجات كتير مهمة واقفة على اللي هتعمليه.. سمعاني
– حاضر يافندم.. عن أذنك

نظر “رائد” بالفراغ، دس يديه في جيب بنطاله.. ثم قال بصوت خفيض :
– مش لازم مروة تظهر النهاردة بالذات.. لازم اقطع عليها أي حركة ممكن تعملها

……………………………………………………………
تشنج جسد “مروة” وهي تلقي حقيبتها على سطح المكتب.. ثم قالت بصوت مرتفع :
– يعني إيه يااميرة؟؟ مش قولتيلي مستر رائد موافق يديني نص يوم عشان كتب كتاب اختي النهاردة!

ذمت “أميرة” شفتيها متصنعة الأسف و :
– مش بأيدي يامروة، حتى مستر رائد مشي من بدري وموبايله مقفول.. يعني لازم تخلصي شغل النهاردة قبل ما تمشي

ناولتها “أميرة” ملف ورقي و :
– وقبل ما تخرجي لازم تسلمي الملف دا لكبيرة القسم وترجعي تاني عندي
– ماشي ياأميرة، اما اشوف اخرتها معاكو..

تناولت “مروة” الملف وسارت متعجلة للخارج، وما أن خرجت حتى بدأت “أميرة” التفتيش في حقيبتها الشخصية.. حصلت على هاتف “مروة” الخاص، قامت بإغلاقه نهائيًا.. ثم دستهُ بجيب بنطالها قبيل أن تحضر من جديد، وهمست بتوتر خالج أنفاسها وصوتها :
– ربنا يستر ومتاخدش بالها قبل ما تسيب الشركة

……………………………………………………………

بدأ الجميع في الخروج من القصر والتأهب للذهاب إلى منزل العروس.. حيث عقد قران “رائد” على عروسهُ “رفيف”، فتح “طارق” باب سيارته الأمامي.. حيث جلست “برديس” عقب إلحاح طويل منه، وأغلق الباب خلفها وعاد يجلس بمقعده، بينما أمر “فاروق” أن تكون ابنته “إيمان” بصحبته.. حتى لا تفتعل المشاكل مع “برديس” بكونها ما زالت رافضة لتلك الزيجة..
بينما قام “رائد” بنفسه بحمل “فريدة” بين ذراعيه ليضعها في سيارته.. ووضع مقعدها بالخلف عقب أن طواه.
وسار سرب السيارات بإفتخار للخروج من القصر منتقلين إلى محلّ منزل “رفيف”..

نظرت” مروة” لساعة يدها عقب أن خرجت من مقر الشركة الفرعي المتواجد بطريق بعيد عن وسائل المواصلات.. لتجدها على مشارف الثامنة، زفرت بغضب شديد وهي تقول :
– أكيد رائد كان متعمد إنه يخرجني في شغل برا مخصوص النهاردة عشان محضرش كتب الكتاب، طبعًا.. ما هو عارف إني هطربقها على دماغه

ضربت كفيها سويًا وعادت تردد :
– مش فاهمة بس ازاي انسى تليفوني في الشركة! كان زماني متصلة بعمي وقولتله يأجل لحد ما اجي!

لمحت سيارة للأجرة تقترب من بعيد، لوحت لها.. فتوقف السائق أمامها :
– لو سمحت عايزة اروح آ “….”
– اركبي ياآنسه

استقلت السيارة وهي تتابع بقلق :
– بس بسرعة لو سمحت

……………………………………………………………

الجميع على أهبة الإستعداد لاستقبال العروس التي ستطل عليهم بعد لحظات.. بينما تقف “رفيف” متجمدة الأعصاب والأطراف، متوترة للغاية قبيل أن تدلف لمجلسهم الوقور.
دفعتها “ندى” برفق وهي تردد بسعادة :
– يلا يافيفي بقى، بقالك ساعة واقفة هنا

دلفت للداخل أثناء خروج “درية”.. فغمغمت الأخيرة بضيق :
– ياختي براحة شوية

ثم نظرت لهاتفها الصغير وعادت تتصل من جديد:
– ياترى انتي فين يامروة!.. وتليفونك مقفول ليه من الصبح

كانت ترتدي فستان” أوفوايت” يقترب لونه من الأبيض المصفر.. طويل حيث امتد خلفها، ومطرز بالماسات الصغيرة التي شعت نورًا.. ذا أكمام محتشمة مطرزة، وقد رفعت شعرها لأعلى بشكل بسيط ومميز.. وأضفت لمساتها
التجميلية جمالًا ضعف جمالها..
تسلطت عليها النظرات، بينما تعالت الزغاريد التي أطلقتها “ميسون” عاليًا وإحدى الجارات التي شاركتها بذلك إبتهاجًا بدخول العروس..
أفسح لها “عماد” مجالًا للجلوس بجوار “رائد” وقد كان “المأذون” حاضرًا أيضًا..
فصافحت الجميع قبل أن تجلس، وقبالتها “فريدة” التي علقت عليها وهي تقول :
– ماشاء الله عليكي يامرات ابني

كانت “برديس” تتفحصها جيدًا، فهذه المرة الأولى التي تراها بها.. أعترفت بجمالها الطبيعي والآخاذ، ولكنها مازالت تكرهها كرهًا.. استغل “طارق” هذه الفرصة وتمسك بكفها قائلًا :
– مش عارف ليه رفضتي نعمل زيهم!

فنظرت بزاوية عينيها وهي تقول :
– إحنا مش زي حد ياطارق

“المأذون”:
– طب مش نسمي الله ونبدأ عقد القران

فنظر “عماد” لساعة الحائط و :
– معلش ياشيخنا، نستني بس اختها على وصول

اضطرب “رائد” من ذكرها.. ونظر حيال “عادل” بتوتر، فتدخل ليحل هذه العقدة بقوله :
– أصل الشيخ وراه شغل وكان مستعجل، أنا رأيي نبدأ ولما تيجي الآنسة مروة نحتفل سوا

حظًا لعينًا.. الطرق المؤدية لمنزلها أغلبها مزدحمة.. تنظر للطريق بأعين متلهفة وهي تسأل:
– فاضل كتير؟
– السكة واقفة، لو نزلتي وخدتيها مشي هتوصلي أسرع

ترجلت عن السيارة بسرعة، ومدت له يدها بالمال النقدي.. ثم ركضت لتلحق بهذه الكارثة قبيل أن تقوم، تهدجت أنفاسها وهي تغمغم :
– لو كان معايا تليفوني! مكنتش وقعت في الورطة دي

وضعت “دريّة” مشروب الشربات الأحمر على الطاولة.. بينما بدأ المأذون ببدء طقوس عقد القران، كلٌ منهمك في مراقبة العروسان، ولكنه هو مهتم بشأن هذه الرقيقة التي برز جمالها الليلة.. تحاشت “ندى” النظر حيال هذا الوسيم الذي تسلطت عيناه عليها.. ولكن بداخلها سعادة لا تدري مصدرها، علقت بنظراتها على “رفيف” التي تنعم بأسعد لحظاتها على الإطلاق.. حيث كان “رائد” ممسكًا بكفها رافضًا أن يتركه، وكفه الإيمن مستعد ليلتحم بكف “عماد الدين”..
وضع الشيخ منديلًا أبيض على كفهما، ثم بدأ بقراءة بعض آيات الذكر الحكيم..

ركضت” مروة” لتصل إلى غرة الشارع المؤدي لبنايتها، فوجدت عددًا من السيارات يغزو الشارع.. مصطفين أمام البناية، لهثت وهي تدخل لتصعد الدرج، متمنية ألا يكونوا قد بدأو..
طرقت على الباب بعنف، فتحت لها “ندى” والبهجة على وجهها، فدفعتها “مروة” وهي تصيح بصوت مرتفع :
– أســتنى ياشيخ، أســتنوا

ركضت للداخل، بنفس اللحظة التي ينزع فيها الشيخ المنديل وهو يردد :
– بارك الله لكما، وبارك عليكما.. وجمع بينكما في خير.

تقييم المستخدمون: 4.54 ( 4 أصوات)

عن سماح عرابي

محررة في أحلى مجلة اهوى الكتابة والخواطر

رايك يهمنا ♥